hit counter script
شريط الأحداث

مقالات مختارة - عقل العويط

مَن سيربح المليون؟

الجمعة ١٥ أيار ٢٠١٥ - 06:48

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

النهار

أستعير هذا العنوان من برنامج تلفزيوني تسلوي، يتشارك فيه متسابقون من أنحاء العالم العربي للفوز بجائزة مالية. ليست غايتي الإضاءة على البرنامج المذكور، بل استخدام عنوانه لإثارة مسألة وجودية، على جانب كبير من الخطورة، من خلال السؤال الآتي: "مَن سيربح المليون؟"، أي مَن سيفوز، في المشاريع والمخططات التي تُنفَّذ على أرضنا العربية، بأيدينا، كما بأيدي غيرنا، والتي يُعبَّر عنها بالاستبدادات التاريخية القائمة، سياسية أكانت أم حزبية أم عائلية أم عسكرية، كما يُعبَّر عنها بالحروب المستحدَثة أو المتواصلة في منطقتنا، ابتداءً بحرب الكيان الصهيوني على فلسطين، وليس انتهاءً بما يجري في اليمن؟

أطرح السؤال، ولا أملك أجوبة تقنية، أو معرفية، جازمة ودقيقة. فأنا محض قارئ وشاعر. لكني أستطيع، في ضوء العِبر والكوارث والآلام، أن أستخلص ما يأتي: الشعوب العربية لن تربح هذا "المليون"، راهناً، أو في المدى المنظور، بدليل ما انتهت إليه الأوضاع (هل انتهت حقاً؟!) في كلٍّ من ليبيا ومصر والعراق واليمن وسوريا ولبنان... وفلسطين. لن تربحه الدول أيضاً، بما هي أوطانٌ يُرتجى منها الخير والأمن والأمان والرفاه والعدل والحقّ لشعوبها.

مَن سيربح إذاً، هذا "المليون"؟ لستُ من دعاة التنبّؤ والوهم والظن والتنطح، لكن يحملني الاعتقاد المتواضع، من خلال الواقع المريب، كما من خلال الأمثلة التاريخية في منطقتنا وفي المناطق "المتخلفة" من العالم، الملتحقة بركاب أسيادها، والمأخوذة بالأوهام والأساطير والتخرصات القيامية والغيبيات الدينية، إلى أن الرابح سيكون، بالبداهة، وبالاستنتاج الأولي، خاسراً، في الأخير الأخير، وإن كان هو مَن يقتل هذه الشعوب، وينتصر عليها، ويسحقها، ويشرّدها، بمعية مَن يتواطأ معه، علناً، وموضوعياً، هنا، أو على مقربة ومعبدة، وفي كلّ مكان من العالم.
في الغالب الأعمّ، ليست الشعوب هي التي ستفوز "بالمليون"، ولا الثورات النقية الجَسورة والمسروقة، ولا أيضاً الدول، من حيث هي كينونات دستورية، ديموقراطية، مدنية، حرّة، مستقلة.
اتفاق سايكس - بيكو، الذي كان لا يزال ساري المفعول حتى الأمس القريب، والذي كانت مفاعيله جميعها قد أفضت، في المختصر المفيد، إلى وقوع منطقتنا العربية في مخالب الاستعمار الغربي، والاستبداد القوموي العربي، والديني الإسلاموي، والشرّ الصهيوني الأقصى، طوال المئة عام الماضية، سيسلّم مقاليد الأمور، عاجلاً أم آجلاً، إلى ما ستفضي إليه الزلازل القائمة في المنطقة العربية، وما يترتّب عليها من مشاريع في كواليس الأمم، وأروقة المصالح الدولية.
لا يمكن الجزم بما سيكون عليه مستقبلنا البعيد. لكن المعادلات القائمة قد تكون تشي، بأن الفوز عندنا، سيكون، ظاهرياً، آنياً ومرحلياً، لما بقي من هياكل النظام الديكتاتوري، وهيكليات النظام الديني الظلامي، والجماعات التكفيرية الإرهابية المسلحة التي تنهب وتذبح وتدمّر وتفتك وتخرّب وتشوّه وتغتصب. لكن هذا الفوز الآني المريض، والموهوم، سيكون هو نفسه مفتاح الهزيمة النهائية الكبرى التي سيُمنى بها هؤلاء السفلة.
سيفوز أيضاً، آنياً ومرحلياً، مَن يتلاقى مع هذه القوى، إقليمياً ودولياً. أذكر على التوالي: النظام الإسرائيلي الصهيوني، بما هو دولة عنصرية، دينية، قائمة على الاغتصاب والقتل والإلغاء؛ النظام العالمي، بما هو دولٌ ذات مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية.
هل يبقى للشعوب العربية، للثورات، ولأحلام التائقين إلى الحرية والحقّ والحياة، "مرقد عنزة" في هذا الخضمّ التراجيدي الرهيب؟
صعود الغرائز الدينية، والقبلية، والمناطقية، مضفوراً برسوخ بعض الأنظمة الاستبدادية القائمة، وبما تفرّخه وتستنبته من قوى واتجاهات وجماعات "قيامية"، إسلاموية، و"تلمودية"، قد لا تترك بصيص أمل قريباً واحداً لهذه الشعوب المطعونة في كراماتها وأحلامها وسبل عيشها. فما العمل؟
أرى أن الاحتمالات الموضوعية، هي هذه التي نشهد بعض علاماتها العربية بالعين المجرّدة، وبالعقل الموضوعي: الوقوع في اليأس، التسليم بالأمر الواقع الذي ترتسم معالمه رويداً رويداً، الالتحاق بقوى الأمر الواقع، الهجرة، أو... البحث عن "حلول أخرى". فما هي هذه الحلول الأخرى؟
الأرجح أن الشعوب العربية، قد لا تربح، في اللحظة الراهنة. لكنْ، يربح مَن يصبر، ومَن يرفض، ومَن يتمرّد، ومَن يهيّئ التراكمات الإنسانية، الفكرية والبنيوية الدفينة، المخصبة. هؤلاء كثرٌ، بعضهم مرئي وبعضهم غير ظاهر، وبعضهم الآخر لم يولد بعد، في حياتنا العربية. هم كثرٌ، وإن تفرّقوا الآن أيدي سبأ، تحت وطأة الإبادات الجماعية، و"التوافقات"، التي أزهقت الكثير من الأحلام. لقد دقّ هؤلاء الكُثُر، لكن المبعثَرون والمتفرّقون، المسامير الأولى في نعش الاستبداد السياسي والعائلي والأمني والعسكري، وهم يدقّون المسامير، مسماراً تلو مسمار، من حيث لا أحد يرى ويدري، في نعش الظلامية التكفيرية الدينية، الإسلاموية، في شقّيها وجناحَيها المتصارَعين، معاً وفي آن واحد. قد يطول زمان القهر في حياتنا العربية، ولكن ليس إلى الأبد. علينا جميعنا أن نتعظ من مآل "الأبد الأسدي"، كيف أصبح شلواً يتلوّى بين أنياب الأقدار. ولا بدّ أن نتعظ أكثر عندما سيصير مدعاةً للسخرية، والتهكم، والشفقة، والتلمظ، وعبرةً لكلّ مَن يعتبر، ومَن لا يعتبر!
يجب أن "يربح المليون"، أهل لبنان، المسروقة أحلامُهم، والمجهضَة رؤاهم الفكرية والثقافية، لا هؤلاء الذين يصادرون مؤسسات الدولة، ويمنعون انتخاب رئيس لها. يجب أن يربح أيضاً شعبُ سوريا الجَسور، النقي، الثائر، المسروقة ثورته، لا هؤلاء الذين يفبركهم النظام البعثي الأسدي الاستبدادي، بمعية نظام الملالي وأدواته، ولا ما يستنبته من ظلاميات دينية، وما يستدرجه من مصالح دولية. فليعلم الكلّ أن هؤلاء وأولئك جميعهم، يتلاقون، عملانياً، في لبنان وسوريا، مع أهداف المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، وإن اختلفت الأقنعة والوجوه... والأيدي.
هل يعتقد أحدٌ ما، أن النظام الإيراني، أو النظام الخليجي، أو حتى النظام اليمني القائم، سيفوز في اليمن؟ مَن يفز الآن، هناك، لن يطول فوزه، وإن طال به الزمان!
أعرف تماماً أن الشعب اليمني، هو الخاسر الأكبر، في هذه اللحظة، أكان الشعب في هذه الجهة أم في تلك، أم كان ممعوساً غصباً عن إرادته، تحت سنابك الطرفَين. لكنْ، سيخسر إلى متى؟!
لا أحد، وأيضاً أنا، يجب أن يتغافل عمَّن يجب أن "يربح المليون" في إيران، وفي دول الخليج العربي!
تحتاج حياتنا العربية الراهنة، كما يحتاج الإسلام نفسه، إلى الكثير من تبصّر أهل الحرية والعقل والتفكير النقدي والتأمل في شؤون الدول والمصائر والتاريخ والجغرافيا والدين.
تحتاج حياتنا إلى الفكر العقلاني، وإلى استنهاض قوى التغيير المدنية، في مجتمعاتنا، للمساهمة في بلورة الاحتمالات، وفي خلق تيار ثقافي، شعبي، مدني، هائل، يضمّ أهل العقل والحلم والتغيير والحرية.
أوجّه دعوة حارّة، من على صفحات هذا المنبر، إلى أن تتحلّق، ها هنا، أقلام العقل الجَسور، الرافض، العاقل، النيّر، النقي، الحالم، والمتماسك التحليل، للمشاركة في عملية البحث هذه.
لا بدّ من الألم. لا بدّ من الصبر. ولا بدّ من الأمل. نحن محكومون بالأمل، على قول الشاعر. من دون ذلك، لا يفكرنّ أحدٌ في أنه قد "يربح المليون"!
 

  • شارك الخبر