2018 | 03:08 شباط 21 الأربعاء
بو عاصي: استعدنا الثقة كوزارة شؤون عبر الشفافية والمعايير الواضحة | رائد الخوري لـ"او.تي.في.": إذا لم يحصل تغييرات على الموازنة سيكون هناك عجز يزيد عن 10 الف مليار | "أم.تي.في.": اجتماع سيجمع الخبراء الانتخابيين من "التيار" و"المستقبل" الاربعاء سيحضره باسيل ونادر الحريري |

منع التدخين... مغامرة ومكابرة

رأي - الخميس 30 آب 2012 - 22:17 - جهاد الملاح

حلّ موضوع منع التدخين في لبنان، مادة جديدة للسجال والترقب وسط القضايا الكثيرة التي تشغل البلاد، فانقسم اللبنانيون بين مؤيّد ومتحمّس وبين متذمّر ورافض، أو متهكّم على بلد يُسمح فيه القتل والخطف والنشل والإرهاب والفساد ويُمنع فيه التدخين، وعلى سياسيين أكثر ضرراً من مواد السيكارة، بينما أصرّت الحكومة، وإن على استحياء، على أنها ماضية في تطبيق قانون المنع.
إن منع بعض الدول التدخين في الأماكن العامة، ارتبط ارتباطاً مباشراً بقدرة هذه الدول على إعادة تنظيم الحريات الفردية بما يفيد النظام العام ويتلاءم مع المفاهيم الجديدة للأمن الإنساني، لكن الأهم أنه أتى في مرحلة متقدمة من عمر تلك الدول المستقرة إلى حد كبير سياسياً واجتماعياً. فمواطنوها أصبحوا قادرين على تطبيق عقد اجتماعي ذاتي في ما بينهم أولاً، وبين كلّ منهم وبين المجتمع ككلّ ثانياً، في أمور عدّة، من الانتماء الوطني الواضح المعالم، مروراً بتقاسم الضرائب والحيّ النظيف والشارع المنظّم، وصولاً إلى عدم التدخين في الأماكن العامة.
أما في لبنان، فالعلاقة بين الحريات الفردية والمصلحة العامة تعاني أزمة هائلة، على خلفية غياب مفهوم الدولة الجامعة واختلاف النظرة إلى الوطن والانفلات الأمني الكبير، وهي أزمة تجعل من الصعب جداً استنساخ نماذج الدول المتطورة والمستقرة، خصوصاً في القضايا التي تتطلب الضبط الذاتي للحرية الفردية، ومنها قضية منع التدخين. ولعلّ خير دليل على هذه الأزمة أنّ اللهجة التي تطغى على الاستعدادات الحكوميّة اللبنانيّة لمنع التدخين في الأماكن العامة، هي لهجة المنع بالقوّة والترهيب بشرطة السياحة ومحاضر المخالفات والغرامات.
في الحقيقة، إنّ رغبة الدولة اللبنانيّة في منع التدخين في الأماكن العامة، لم تقترن بمنهجيّة علميّة كان من شأنها أن تجعل فرض المنع آخر مرحلة، وذلك بعد الانتهاء من مراحل عدّة تتضمّن حملات مكثفة على الأصعدة كافة، وترفد حملات منظمات ونشطاء المجتمع المدني في إظهار العواقب المأساويّة لآفة التدخين، كما قد تُسهم استطراداً، في عدم ربط المواطنين زيارة المطاعم والمقاهي المغلقة، بالتدخين، وبالتالي تخفّف من الضرر الاقتصادي الذي قد ينجم عن منعه.
فتلك الحملات كانت ضعيفة على الصعيدين الإعلامي والاجتماعي، بينما كانت الحكومة تعيّن تواريخ الاستحقاقات بشكل عشوائي، إلى أن وصلت إلى مغامرة فرض منع التدخين في الأماكن العامة بالقوة، وهي مغامرة تختلف عن المنع في المؤسسات العامة، إذ تكاد تكون نتائجها معروفة سلفاً، حيث ستبدأ القصة ببعض محاضر المخالفات، وبعض الإشكالات، لتتلاشى تدريجياً، ثم تلقى مصير قصة رمي النفايات وربط الأحزمة وإشارات المرور وكاميرات ورادارات المراقبة على الطرقات، على الرغم من أنّ الأخيرة أعلى درجة في أولويات الدولة، من منع التدخين، ومن المفترض أن تكون لها الأسبقيّة في مسار التطوّر المدني.
لا شك أنّ التدخين آفة كبرى وأنّ التفكير في منعه يُسجّل كنقطة إيجابيّة للسلطة اللبنانيّة، إلا أنّ الظروف والمعطيات الراهنة، بدءاً من ضعف هيبة الدولة وتخطّي الحريّة الفرديّة لحدود النظام العام، وصولاً إلى أعداد الفقراء الذين يهربون إلى التدخين، مما هو أخطر منه، تحتّم على الحكومة عدم المغامرة والمكابرة حاليّاً، وإرجاء محاولة تنفيذ قانون المنع، لعلّها تتجنّب ضرب هيبة الدولة مجدّداً.
ولا بأس إن تفّهم المجتمع المدني أنّ البدء بالحملات المكثفة، والمدروسة سيكولوجياً والمتضمنة إعلانات صادمة، إلى جانب التدرّج في بعض الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية والجمركية، أكثر جدوى من محاولة منع التدخين بالقوة في الظروف الحالية، التي من شأنها أن تُطيّر القانون بين أعمدة الدخان المتصاعدة داخل آلاف المقاهي "المدعومة" وعند أي خضّة سياسية أو أمنية، فيُحكم بالتالي عليه بالفشل الذريع ويعود إلى أدراج الدولة، في انتظار زمن رسمي آخر أقلّ عشوائية وأخفّ تخبط.