2019 | 13:44 أيلول 15 الأحد
الداخلية المصرية تعلن مقتل مجموعة إرهابية في "جلبانة" بشمال سيناء كانت تستعد لتنفيذ عمل إرهابي | الخارجية الفرنسية تدين الهجمات على منشأتي أرامكو في السعودية | الراعي في قداس شهداء المقاومة في إيليج: العودة إلى صيغة المواطنة المدنية والتعددية والحرية والديموقراطية مناسبة لنصحح الواقع | أنقرة: اكتمال تسليم الدفعة الثانية من منظومة "إس 400" على أن تدخل الخدمة في نيسان 2020 | قاسم هاشم للـ"ال بي سي": لا يمكن التعاطي مع كل من كان له علاقة بالعدو او جيش العملاء بالمستوى نفسه | تعيين محمد شرفي رئيسا للسلطة المستقلة لتنظيم الانتخابات في الجزائر | الخارجية اللبنانية: السلطات الاثيوبية افرجت عن حسن جابر ونأمل في عودته سالما حرا وامنا | حنكش: نتمنى إرتقاء النقاش في المضمون وإحترام آراء بعضنا على إختلافها التهجم علينا بالشخصي لا يليق بما أوصانا به بشير الجميل | الحريري أدان الاعتداء الذي استهدف منشأتي النفط في السعودية: تصعيد خطير ينذر بتوسيع رقعة الصراعات في المنطقة | ظريف: واشنطن لجأت إلى سياسة الخداع الأقصى بعد فشل سياسة العقوبات القصوى | الإمارات: ننتظر ما ستعلنه السعودية بعد انتهاء التحقيقات في هجمات أرامكو | الرئيس الجزائري المؤقت يعفي الأمين العام للهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات من مهامه |

الكفاح في سبيل إلغاء الطائفيّة: العلمانيّة شرط إيمان سليم

باقلامهم - الثلاثاء 02 تموز 2019 - 06:09 - خريستو المرّ

يقول يسوع لتلاميذه ولكلّ مسيحيّة ومسيحيّ من بعدهم "إن أحببتم الذين يحبّونكم فأيّ فضل لكم، لأنّ الخطأة أيضا يحبّون الذين يحبّونهم"(لوقا ٧: ٣٢)، والخطأة في حديثه تعني الوثنيين. يحذّر يسوع أتباعه من هكذا "محبّة" لأنّها ليست سوى اجتماع وثنيّ على العصبيّة المنغلقة على ذاتها، تلك العصبيّة التي تجعل من الإله مُلكًا للقبيلة وصنمًا تستخدمه وسيلة غلبة في حروبها لمواجهة الجماعات الأخرى في صراعها للاستيلاء على الخيرات.
الطائفيّة في بلادنا هي نوع من أنواع تلك الوثنيّة التي حذّرنا منها يسوع. فالطائفيّة هي موقف فرديّ/جماعيّ يتّخذه إنسان/مجموعة يمكن في اتّخاذ الله والإيمان به وسيلة من أجل الحصول على حصّة من ثروات البلاد، وذلك في مواجهة مع أفراد/مجموعات أخرى من طوائف أخرى يحاولون الأمر عينه.
إنّ الموقف الطائفيّ يضع الطوائف المختلفة في مواجهة بعضهم مع بعض، أي في توتّر دائم ومواجهة دائمة، ما يجعل البلاد في حالة مأزومة بشكل دائم. لكنّ المستفيدين، في النهاية، من حصّة الأسد من هذا النزاع على مقدّرات البلاد ليسوا الذين يخوضون المعارك بكلامهم وكتاباتهم وأجسادهم، بل هم بالضبط الذين لا يخوضونها: إنّهم زعماء هذه المجموعات الطائفيّة، ودليلنا هو الثروات الهائلة التي يجنيها هؤلاء مقابل فتات الوظائف المدفوعة من مقدّرات الدولة (أي من الدين العام، الذي سيدفعه المواطنين أنفسهم وليس الزعماء) والتي يوزّعها الزعماء على بعض الأتباع الذين يؤدّون لهم حرّيتهم جزيةً وهم صاغرون. إنّ الحرّية هي الجزية المعاصرة للأتباع أمام الزعماء وللزعماء أمام القوى الخارجيّة. فالزعماء اللبنانيّون يسعون لتدعيم موقفهم داخليّاً بتدعيم العصبيّة الطائفيّة، وبيع مواقفهم خارجيّاً بالارتهان إلى دول أجنبيّة يدعونها للتدخّل طمعا بانتصارهم على منافسيهم وانتزاع حصّة أكبر من مقدّرات البلاد.
هذا ما يقود البلاد إلى حافّة الإفلاس وإلى تدهور في الخدمات العامّة. وبالإضافة إلى الدمار المادّي الكبير الذي يسبّبه الموقف الطائفيّ في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والأكاديميّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة، فإنّ الموقف الطائفي يسبّب دمارًا غالبا ما ننساه ألا وهو الدمار في الحياة الإيمانيّة. فالموقف الطائفيّ الذي يحوّل المجموعات والأفراد إلى أدوات بيد الزعماء (والقوى الخارجيّة خلفهم)، للنزاع على المغانم وتدمير مستقبل بناته وأبنائه، يستخدم الله نفسه لتحقيق مآربه! الطائفيّون وكهنتهم من رجال دين وإعلاميّين يستخدمون الله أداة صراع (وأحيانا حرب) لجني مغانم وسؤدد وتسلّط، وهذا مخالف للإيمان، فلبّ الإيمان بالله يكمن في محبّة الله بحفظ وصاياه، ولبّ وصاياه هو الدفاع عن المظلوم وردع الظالم، وإحقاق العدل الاجتماعيّ والاقتصاديّ ومعاملة الناس سواسية.
إنّ النظام الطائفيّ في لبنان هو الذي يديم الطائفيّة ويدفع الناس دفعًا لاستخدام الله كوثن صراع وحرب. الطائفيّة تشوّه الإيمان مدمّرة الحياة الإنسانيّة (فقر، أمراض...) ولهذا، فإن الاخلاص الإيمانيّ لله يقتضي أن نسعى ليل نهار لأنهاء النظام الطائفيّ، وذلك للعودة إلى إيمان أصيل يكمن في خدمة الله بخدمة الحياة على الأرض وخدمة حياة "عياله": الناس جميعًا، وخاصّة المهمّشين منهم. وبالنسبة للمسيحيّين فإنّ إخلاص المسيحيين ليسوع يفرض عليهم فرضا إيمانيّا ألا وهو أن يكونوا سبّاقين في التعاون مع مواطنيهم من الأديان والفلسفات جميعا لإنهاء الطائفيّة بجميع مظاهرها.
لا يوجد في الواقع الأرضيّ الذي نعرفه اليوم، طريقة في العيش تضبط من استخدام الله وسيلة سياسيّة، سوى شكل من الحكم يسمّى العلمانيّة. شكل الحكم هذا، ينزع فتيل الصراع، ويعيد للناس إمكانيّة أن ينظروا إلى أنفسهم كمواطنات ومواطنين في دولة حقيقيّة. لا يشعر اللبنانيّون واللبنانيّات والسوريّون والسوريّات ومواطنيّ العالم العربيّ برمّته بخوف على المصير من الطوائف الأخرى، أو على الإيمان، في البلاد التي هاجروا إليها وذلك لأنّها بالضبط بلاد علمانيّة. العلمانيّة شرط إيمانٍ سليم.
"في سبيل كلّ اللبنانيّين ندعوكم إلى الكفاح في سبيل إلغاء الطائفيّة"، هكذا تكلّم مجمع الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة عام ١٩٧٥ في بيانه النبويّ، الذي ينبغي أن يشكّل إلهامًا للمسيحيين والمسيحيات اليوم في لبنان، عوض التلهّي بالركض وراء زعيم طائفيّ أو آخر إلى جحيم أعمق يتوهّمونه خلاص، في خيانةٍ ليسوع المسيح ووصاياه.

خريستو المرّ
 

اشترك في النشرة الإلكترونية للحصول على اخر الاخبار. البريد الإلكتروني