2019 | 12:19 آذار 20 الأربعاء
لافروف: التصريحات الأميركية حول خرقنا معاهدة نزع السلاح لا أساس لها من الصحة | تعميم للحريري للادارات والمؤسسات والبلديات: لإعطاء حق الاستفادة من الأفضلية الممنوحة للسلع المصنوعة في لبنان | الرئيس عون استقبل السفير البابوي لدى لبنان جوزيف سبيتاري مع وفد اعلامي يمثّل الصحافة المسيحية العالمية بحضور وزير السياحة أواديس كيدانيان | انضمام الوزير جبران باسيل الى جلسة اللجان المشتركة | طيران العدو الحربي نفذ غارات وهمية فوق النبطية واقليم التفاح | "التحكم المروري": حركة المرور كثيفة من ساحة انطلياس باتجاه الاوتوستراد الساحلي | بري دعا الى عقد جلسة عامة للاسئلة والاجوبة في 27 الجاري | وزير الخارجية الكويتية: نثق بدور اميركا في وضع خطة لعملية السلام | بومبيو: لا تغيير في السياسة الأميركية تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط | رئيس المفوضية الأوروبية: لا أتوقع قرارا بتأجيل “بريكست” | ابي نصر من بكركي: سنتصدّى للتغيير الديمغرافي عن طريق التوطين غير المستحق والهجرة وعدم معالجة اسبابها إضافة الى مسألة اللجوء السوري | الراعي لأعضاء الرابطة المارونية: اعطيتم مثالا رائعا للديمقراطية التي نحتاجها في لبنان لان اللبنانيين ينسون ان الديمقراطية هي الاسلوب الاساسي الذي يميز بلدنا |

في زمن الصيام قراءة أرثوذكسيّة لواقع الكنيسة

باقلامهم - السبت 16 آذار 2019 - 07:58 - جورج عبيد

لا يكتمل بهاء الصيام من دون الانكباب الروحيّ على قامة عالية وهامة مضيئة كالمطران الحبيب الياس عودة متروبوليت بيروت وتوابعها. إنه بحقّ وجه وطنيّ مشرقيّ، وصوت صارخ من أعماق أرضنا، وعمق قضايانا، محاور عميق يلامس الجراح بحب ونقاوة، ثمّ يسمو بنا من هذه الترابية الفاقعة إلى الحقيقة الساطعة المنكشفة من وجه حبيب مضيء منه أشرقت الوجوه ومن فمه تدفقت الكلمات عذبة رقراقة تعنى بهمومنا بكلّ جوانبها وتفاصيلها ومعانيها.

كنّا الصديق الحبيب عماد جوديّة المستشار الرئاسيّ والحكوميّ السابق وكاتب هذه السطور إلى تلك الحضرة الاستثنائيّة المنغرسة في دنيانا بأرومة مشرقية أنطاكية فذّة ونضرة، متطلّعة وتائقة ورانية إلى أب الأنوار ليكتمل فيها البهاء، وبعد الاغتسال بالينابيع البلوريّة المتدفقة من فوق، تتعمّد النظر بتمعّن وانتباه إلى كلّ جهة وصوب، حتى لا تتيه المعاني في السراب بل تدرك في الصواب.

ليس همّي في هذه العجالة الإضاءة على ما أكّدنا أو ما لم نؤكّد عليه. الأبعاد الجوهريّة في اللقاء وفي كلّ لقاء يصير، مشيرة إلى أنّ لنا كنيسة نحبّها جميعنا من كلّ قلوبنا وعقولنا، بطقوسها وأيقوناتها، بلاهوتها وحضورها، ننتمي إليها بجوارحنا ومشاعرنا ونلقى فيها الرب يسوع لا سيّما بالخبز والخمر، وبالكلمة المغذيّة من بعد جوع والمنجيّة لنا من كلّ هلاك وضلال. هذه الرؤى، تشكّل محور الشهادة الحقيقيّة، أي شهادتنا التي اكتنزناها بدءًا من دم مدرار مهراق سفك ظلمًا فوق تلّة أورشليم، إلى دماء شهداء أبرار غسلت هذه الأرض ومسحنتها ولا تزال تمسحنها. ونحن قد امتلكنا هذا الميراث وتكوّنا ولا نزال دائمي التكوّن ببهائه، نعبّ من ينابيعه، وننتمي إلى مداده بلا عقوق ولا جحود أو خيانات، لأنّ ما أعطيناه تمتمات حقيقيّة قالت منذ البداءة إن الله محبة، وما علينا سوى السلوك بموجب هذا المبدأ الجوهريّ والكبير بل الأزليّ.

ماذا يعني هذا؟ كلّ هذا يعني وبوضوح، بأن كنيسة الروم الأرثوذكس في انطاكيا وسائر المشرق لا تملك ميراثًا غير هذا تجسّده وتترجمه بنيويًّا أي في داخلها في مبدأ انوجادها ولحظات تجلياتها، في العبادة وخدمة الآخر، كلّ آخر تحيا معه في بركات الشراكة والأخوّة. لا يحتمل هذا الميراث إذا أسقطناه ببعض الأزمات والهنات أيّ تأويل وتجييش باطلين، لكونه عقيدة عيش وحياة، تنطلق من أيقونة تحرق كلّ شفاه تقبّلها قبلة غشّ. التأويل وقبلات الغش خيانة ما بعدها خيانة. كنيسة أنطاكية كنيسة السماء على الأرض، وتبقى أسمى من الأرض، وإن بقيت في العالم فهي لا بدّ أن تتأثّر بقضاياه وجراحه، لأنّها تحملها على منكبيها، وتقرأ العناوين، وتغوص بها لتجد العلاج لها بمنطق إنجيلها، من دون أن تخالط ما في العالم من آفات وآثام، من تشتّتت وانقسام، لأنّ الرسالة حينئذ تكون قد سقطت وتوحّلت.

ميزة الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكية أنها نشأت بهذه الرؤية وسكبتها وعبّرت عنها بالوحدة المجمعيّة المؤتمنة عليها والمحافظة على تراثها الأصيل والعاملة على ترسيخه. ما هي الوحدة وماذا تعني لها؟ هذا سؤال غير هيوليّ ولا هو افتراضيّ، إنها كيانية وكينونيّة، لأنّ الوحدة إرادات التقت وتجمعّت وصلّت وقرأت، فاتخذت الصفة العقيدية في تمسّكها بالإيمان القويم النازل على الأبرار والقديسين والمنكسب في كلّ من تبتّل للخدمة والرعاية، وهي مجمعيّة لا تنفصل عراها إطلاقًا عن الجوهر العقيديّ الثابت والصّلب، لأنها إن تمزّقت بطلت. يسوس هذه الوحدة بطريرك أنطاكيا بالمحبة والرعاية والدراية والحكمة، لافظًا من أدبياته كلّ آحاديّة أو إطلاقية فيها. ذلك أن الكنيسة الأرثوذكسيّة بحضورها المجمعيّ ليست نظامًا هرميًّا Systéme pyramidique بل هي نظام شورى حيث القرارات مجمعيّة وتخرج من فم المجمع بصوت واحد وقلب واحد وفكر واحد بعد نقاش وتصويت إذا لزم الأمر. البطريرك في المجمع أوّل بين متساوين، وهو في الوقت عينه رئيس الأبرشيات كلّها، أي أنه حين يحضر إلى أية أبرشيّة في الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس حدود ولايته يرأس الخدمة والاجتماعات. فتتوازن رئاسته مع استقلالية أسقف الأبرشيّة في تدبير شؤونها وإنشاء المؤسّسات فيها المتلازمة والمتوافقة مع عمق الرسالة وديمومتها ومع الاستقامة الإنجيليّة بسيرورتها. من هنا فإن أيّ أسقف له الحقّ بأن ينشء جامعة أو مدرسة أو مستشفى أو أي مؤسسة تعبّر عن جوهر كتابنا وروحيته، لكونه أسقفًا مستقلاًّ بالتدبير الإداريّ والرعاية لأبرشيّته ويقطع كلمة الحقّ باستقامة.

هذا هو التنظيم البنيويّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة وهو غير قابل للتبديل والتغيير ولا يحتمل التأويل. وغير منفصل، بالتالي، عن إرثها التكوينيّ والتاريخيّ. لا ينفي التنظيم عندنا وجود ثغرات وفجوات يتم استهلاكها للتسلل وإحداث الخلل، بعدم ترسيخ قيم المشاركة الفعالة بين جماعة المؤمنين والجماعة الإكليريكية بإحياء المجالس المليّة المعاونة للأسقف في الأبرشية أو للسيد البطريرك في الإدارة والحفاظ على وحدة الكنيسة وسلامتها، وهذا أمر يتطلّب المعالجة الفعليّة والفوريّة لنؤكّد أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة كاملة ومتكاملة بجميع اعضائها.

من هنا ليس واردًا استدخال الكنيسة في منطق الصراعات الكبرى، لا عند أساقفتها وبطريركها ولا عند نخبها وشخصياتها، فكل استدخال خيانة لهويتنا المشرقيّة وخلل في انتسابنا الكامل للجوهر الإلهيّ وخطيئة عظمى بحقّ مسيحنا، وهو ما يؤدّي بطبيعة الأمور إلى التباس غير محمود بأهدافه ومعاييره ومعانيه ونتائجه، في التعبير عن موجوديتنا ضمن هذا المشرق ممّا يجعل التعبير هزيلاً وربمًا باطلاَ.. ولتبيان بعض الأمور فالكنيسة بأمرائها الروحيين وفي سياق معالجة القضايا الخطيرة في المشرق كافّة، وقفت تاريخيًّا إلى جانب فلسطين وقضيتها، في مواقف صارخة وواضحة، عبّر عنها المثلّثا الرحمات البطريركان الياس الرابع وإغناطيوس الرابع، لم تخلُ أدبياتهما وأدبيات المجمع الأنطاكيّ المقدّس من استذكار فلسطين، وهي لا تزال قائمة في وجدان البطريرك الحبيب يوحنّا العاشر أطال الله بعمره، كما هي راسخة في ما ظهر من رؤى عظيمة عند المطران جورج خضر والمطران الياس عودة أطال الله بعمرهما. وفي مسألة الحرب على الإرهاب، ليس من التباس قائم، فسوء الفهم والانغماس بتيارات معيّنة وعدم الحوار الرصين أدّى في مرحلة معيّنة إلى تراكم في المعاني والمعاني المضادّة. وعلى الرغم من بعض المواقف، فكنيسة أنطاكية لا تستطيع أن تقف على الحياد في الحرب على الإرهاب الذي ابتلعنا وحطّمنا من هنا وهناك، كرمى لمشاريع وإرادات مستثمرة. فالحرب ضروريّة وأخلاقيّة مع مسوخ ووحوش تعيش خارج دائرة الزمن والكون. التسليم بنتائجها ومع وجود روسيا في مشرقنا انطلاقًا من سوريا، أفاد ويفيد الكنيسة في تطلعاتها ووثباتها. لقد قدّم ملاك بيروت المتروبوليت الياس قراءات ومواقف تجعله في الجوهر غير منفصل عن رؤية السيد البطريرك الحبيب يوحنّا، بل اتجه نحو التماهي وذلك في مواقف سطّرها الرجل بنبل ووقار سواء في المؤتمر الطبيّ لمستشفى القديس جاورجيوس أو في عظات له، قال فيها بأن أبرشيّة بيروت جزء من الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس وذات أرومة وطنيّة وهويّة مشرقيّة. وبالإذن من سيادته وكقارئ ألفت النظر بأن أبرشية بيروت وتوابعها هي أبرشية عاصمة لبنان الأولى، وهي لها خصوصيتها الموروثة منذ المثلّث الرحمات المتروبوليت إيليا صليبي، والخصوصيّة هذه لصيقة بالفرادة اللبنانية كخصوصيّة أخرى تختلف في بعض من وجوهها عن الفرادة السوريّة. وبمصداقية تامّة، فإن الوحدة المشرقيّة تتطلّب أحيانًا بل ترجو بعض الامتيازات وتتوسّلها في طبيعة التعاطي السياسيّ مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها. المتروبوليت الياس ليس هاوي انفصال وقد نبذ كل انفصال في كنيستنا.

ما هو معلن يصب في جوهر الوحدة المجمعيّة والهوية الكاملة ولا ينفصل- في الأصل والجذر- عن التراث. لقد سقط ترف الكلام في الربط ما بين الصراع الروسيّ-الأوكرانيّ، والروسيّ-الأميركيّ وما زُعم بأنّه خلاف داخليّ في الكنيسة. لم يعد النفخ ببوق الفتن أمام هذه الحقيقة سليمًا. لقد عانت الكنيسة الأرثوذكسيّة تاريخيًّا الكثير في المرحلة اللاحقة للحرب العالميّة الثانيّة، وبعيد نشوء الحرب الباردة، إذ صبّ النفوذ الأميركيّ على دعم كلّ توجّه داخل الأرثوذكسيّة بوجه الاتحاد السوفياتيّ والشيوعيّة ضمن برنامج متكامل أعدته الإدارة الأميركيّة لمنطقة الشرق الأوسط بغية تقوية العنصر الدينيّ هنا وثمّة بوجه المدّ الشيوعيّ. مسألتها الآن ليست مع السوفيات أو الشيوعيّة أي مع روسيا الملحدة، بل هي مع روسيا المؤمنة بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، مع روسيا المنطلقة من ثالوث استراتيجيّ يكوّنها في كل انعطافتها وهو الرئيس والجيش والكنيسة. فمتى سقط أقنوم من هذا الثالوث قربت روسيا من السقوط.

خطيئة البطريرك المسكونيّ برثلماوس الكبرى، أنه أدخل نفسه في الفلك الأميركيّ بإعلانه كنيسة أوكرانيا مستقلّة من دون العودة إلى التشاور مع إخوته البطاركة أو من دون الدعوة إلى مجمع كبير. موقف الكنيسة الأنطاكية كان داعيًا للتعديل سيّما ان روسيا المؤمنة غير روسيا الملحدة ولا يسوغ التعاطي مع دولة عانت من الشيوعية وهي الآن في أحضان السيد الرب تستمدّ منه كل قوّة بهذا الالتواء. وروسيا التي أمست موجودة في ديارنا بثالوثها العظيم تعنى بكنيسة أنطاكيا ليس بطرائق الاحتواء والامتصاص بل بالتأكيد على متانة الأخوّة الحقيقيّة بالتفاعل الروحيّ-الوجوديّ، وبالدعم المعنويّ والماليّ، حيث سيعنى جزء منه ببناء الكنائس المهدّمة في سوريا. فمن يضع المتروبوليت الياس خارج هذا السياق يجافي الحقيقة والواقع. البطريرك يوحنّا والمتروبوليت الياس غير منفصلين في الموقف والجوهر عن هذه الرؤى، وما سرّب في ليلة ليلاء عن إمكانية الانفصال ليس سوى زيف من بعد تأكيد سيادته غير مرّة بأنّ أبرشيّة بيروت جزء لا يتجزّأ من كنيسة أنطاكيا وسائر المشرق برئاسة صاحب الغبطة البطريرك يوحنّا العاشر يازجي.

الرجلان كبيران ومسؤولان، وهما يتعاطيان بمسؤولية وتوازن وكبر مع العناوين المطروحة للنقاش والمعالجة. الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية واحدة، هي راسخة وضاربة أرومتها بهذا المشرق، بل المشرق جزء منها إذا ساغت العبارة، ولا ينفصل عنها، علاقتها بكلّ الدول طيبة ومتوازنة ورصينة. وهي تحمل همّ سوريا ولبنان وفلسطين على منكبيها لأنها أراض مقدّسة للرب، وسنبقى على هذا النبض لأنها كنيسة الدم والحياة، كنيسة النور والنار، كنيسة الشهادة والقيامة.