2018 | 03:38 تشرين الثاني 14 الأربعاء
قوى الأمن: يُرجى من السائقين التروي في القيادة بسبب الأمطار لتجنّب حوادث الإنزلاق | متحدثة باسم الخارجية الأميركية: الولايات المتحدة تستنكر "بأشد العبارات" الهجمات الصاروخية من غزة على إسرائيل وتدعو إلى "وقف دائم" للهجمات على إسرائيل | مجلس الامن يعقد اجتماعا مغلقا لبحث التطورات في غزة | منسق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية: نطالب قطر ببذل جهد أكبر لوقف تمويل الإرهاب | مصادر للـ"ال بي سي": الاجتماع بين باسيل وجنبلاط ذو شقين الأول تثبيت العلاقة الثنائية والثاني تبادل الأفكار بشأن الحلول الممكنة لحل العقدة الحكومية | مصادر مطلعة على مواقف باسيل للـ"ام تي في": الحل موجود وباسيل لديه خيوط لانجاح مبادرته وهو متمسك بها | الخارجية الأميركية: نجل أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله ضمن قائمة العقوبات الأميركية | العربية: واشنطن ستعلن مزيدا من العقوبات والإجراءات ضد حزب الله | "ام تي في": حزب الله لن يقبل بطرح الحريري ومصرّ على توزير نائب من النواب السنّة المستقلّين | غوتيريس يطالب الأطراف المعنية بمنع نشوب حرب جديدة في غزة | باسيل بعد لقائه جنبلاط: النبرة عالية لكنّ الجوّ جيّد | وصول باسيل للقاء جنبلاط في كليمنصو يرافقه سيزار أبي خليل |

رئيس الجمهورية في افتتاح الدورة الاولى للبرلمان الاوروبي لعام 2018-2019

التقارير - الثلاثاء 11 أيلول 2018 - 16:38 -

حيّا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الاتحاد الأوروبي واصفا اياه بمساحة فريدة “تنصهر فيها أحلام الشعوب، وتتشارك المبادئ والمثل، في الوقت الذي يحافظ فيه كل شعب على خصوصياته، وعمقه الحضاري، وشعوره بالانتماء إلى أرض، ووطن، ولغة، وتراث"، ومشددا على "ان قوة البرلمان الاوروبي، هذا الصرح الديمقراطي، تكمن في بناء السلام الحقيقي في القارة الأوروبية وانتفاء نزعة الحرب لحل المشاكل واقتناع مجموعة كبيرة من الدول والشعوب بأن قوتها، ومصالحها، وازدهارها، هي في وحدتها لا في النزاع بينها، وفي مشاركتها قيم الديمقراطية."

واذ لفت الرئيس عون الى "انه ليس هناك أفضل من إذكاء نزعة التعصب والتطرف المذهبي والطائفي والعرقي ورفض الآخر لإحداث التفسخ المطلوب وتحفيز الشعوب وإشعال الحروب"، فإنه اكد ان لبنان "لا يجد إلا في الحوار والاحترام المتبادل والعودة إلى تطبيق المبادئ العالمية لحقوق الانسان والمجموعات والدول، سبيلاً إلى تبريد محركات العنف والحروب والتطرّف، التي جعلت من منطقتنا أتوناً مشتعلاً بالكراهية، والخوف، والاضطرابات"، معتبرا "ان ما يحيط بنا اليوم، يجعلنا أكثر تمسّكاً بالأسس التي نشأت عليها دولة لبنان، وعلى رأسها النظام الديمقراطي الذي، وعلى الرغم من بعض الشوائب التي لا زالت تعتريه، قد التقت حوله مكونات الشعب اللبناني، وعكس في جوهره رسالة لبنان، بلداً للتعايش والتنوع والغنى الحضاري والثقافي".

واشار الرئيس عون الى "ان المجتمع اللبناني بطبيعته ليس بيئةً حاضنة للتطرّف ورفض الآخر. وان احترام حرية المعتقد والتعبير والرأي وحق الاختلاف هو جزء من ثقافة اللبنانيين"، مشددا على "ان هذه الخصوصية اللبنانية تساعد لبنان على تخطي مشاكله وعلى ترسيخ سلامه واستقراره، كما تلهم دولاً أخرى معالم الدرب إلى مستقبل أكثر انسجاماً مع العصر وحقوق الانسان"، آملا "دعماً خاصاً من الدول الأوروبية" لما طلبه من على منبر الامم المتحدة بجعل لبنان مركزاً دائماً للحوار بين مختلف الحضارات والديانات والأعراق.

ولفت الى التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة الراهنة، مشددا على انه وضع على رأس أولوياته مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمحاسبة، كاشفا ان "العمل الأساسي سينطلق مع الحكومة الجديدة التي تقع على عاتقها مسؤولية تطبيق خطة النهوض الاقتصادي ومقرّرات مؤتمر "سيدر"، لإرساء الاستقرار والازدهار في البلاد."

وتطرق رئيس الجمهورية الى مسألة النزوح السوري فذكّر "بأنّه من أكثر تداعيات حروب دول الجوار ثقلاً علينا"، مطالبا "بتفعيل قرارات الدعم المادي التي اتخذت خصوصا في مؤتمر بروكسيل برغم تحفظنا على بعض ما جاء في بيانه الختامي، والمتعلق خصوصاً بمسألة العودة الطوعية للنازحين وربطها بالحل السياسي، وانخراطهم في سوق العمل في الدول التي نزحوا اليها". وقال: "إن لبنان يسعى لتأمين العودة الكريمة والآمنة للنازحين إلى ديارهم، ويرفض أي مماطلة في هذا الشأن، ويؤيد كل دعم لحل مسألة النزوح السوري المكثّف إلى أراضيه، على غرار المبادرة الروسية، ويرفض ربطها بالحل السياسي الذي قد يطول أمده"، لافتا الى " ان الشعب الفلسطيني لا يزال منذ العام 1948 يعيش في المخيمات في دول الشتات، وخصوصا في لبنان، بانتظار الحل السياسي وتنفيذ القرار 194، وها هي ملامح هذا الحل بدأت تظهر بعد 70 عاما من الانتظار منبئة بمشروع التوطين"، مشيرا الى ان المجتمع الدولي وكأنه "يعتمد سياسة وهب ما لا يملك لمن لا يستحق".

ولاحظ في ذكرى احداث 11 ايلول "ان السياسات الدولية التي لا تزال معتمدةً في الشرق الأوسط تزيد النقمة وترفع منسوب التطرف وتفسح المجال واسعاً للعنف والإرهاب"، لأنها "خالية من مقياس العدالة".
ودعا الرئيس عون البرلمان الاوروبي الى دعم ما طالب به مرارا، وخصوصا على منبر الامم المتحدة، " بجعل لبنان مركزاً دائماً للحوار بين مختلف الحضارات والديانات والاعراق".
كلام رئيس الجمهورية جاء في خلال الكلمة التي القاها ظهر اليوم في افتتاح الدورة الاولى للبرلمان الاوروبي لعام 2018- 2019 في ستراسبورغ، تلبية لدعوة رسمية هي الاولى من نوعها الى رئيس جمهورية لبناني. وكان رئيس البرلمان الاوروبي انطونيو طاياني Antonio TAJANI، وجه هذه الدعوة الى الرئيس عون لإلقاء كلمته في جلسة خاصة مفتتحا بها اعمال الدورة. 

الوصول الى البرلمان

وكان الرئيس عون وصل والوفد المرافق الى مقر البرلمان الاوروبي، عند الحادية عشرة والنصف قبل الظهر بتوقيت ستراسبورغ (الثانية عشرة والنصف، بتوقيت بيروت)، حيث كان في استقباله عند المدخل الرئيسي لمقر البرلمان الرئيس طاياني وعدد من نوابه واعضاء مكتب البرلمان. وقدّم الرئيس طاياني الى الرئيس عون الوفد الرسمي الاوروبي، قبل ان يتوجه واياه الى المنصة الرسمية التي ارتفع عليها العلمان اللبناني والاوروبي، وسط تصفيق الحضور الذين توزعوا على الشرفات الداخلية للمقر.

كلمة في السجل

وبعد عزف النشيد اللبناني ومن ثم نشيد الاتحاد الاوروبي، صعد الرئيس عون والوفد المرافق برفقة الرئيس طاياني والوفد الرسمي الاوروبي الى الصالون البروتوكولي في الطابق الاول، حيث قدم الرئيس عون للرئيس طاياني اعضاء الوفد اللبناني قبل ان يدوّن في السجل الذهبي للبرلمان العبارة التالية:
"ان التضامن قوة، وتوحيد وجوه التنوع من صلب رسالتنا. هذا ايضا دور اوروبا. وان مصيرا مشتركا يجمع في ما بيننا تجسّده الاميرة الفينيقية، اوروبا، ابنة ملك صور اجينور، التي منحتكم اسمها."

اجتماع موسّع

على الأثر، عقد اجتماع موسع بين الجانبين اللبناني والاوروبي، حضره عن الجانب اللبناني، الى الرئيس عون: سفير لبنان في بروكسل السفير فادي الحج علي، سفير لبنان في فرنسا السفير رامي عدوان، المستشارة الرئيسية للرئيس عون السيدة ميراي عون الهاشم، ومدير مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية الاستاذ رفيق شلالا.
وحضر الاجتماع عن الجانب الاوروبي الى الرئيس طاياني: الامين العام للبرلمان الاوروبي كلاوس ويلي Klaus WELLE، الأمين العام المساعد ماركوس وينكلير Markus WINKLER، مدير مكتب رئيس البرلمان دييغو كانغا فانو Diego CANGA FANO، الناطق باسم رئيس البرلمان كارلو كورازا Carlo CORAZZA، المدير المساعد اليساندرو كيوكيتي Alessandro CHIOCCHETTI، المستشارة الدبلوماسية ميشال شيركوني Michelle CERCONE، والمستشار السياسي فرنسوا غبريالFrancois GABRIEL .اضافة الى سفيرة الاتحاد الاوروبي في لبنان كريستينا لاسن.
في مستهل الاجتماع رحب الرئيس طاياني بالرئيس عون معتبرا ان هذه الزيارة محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين لبنان والبرلمان الاوروبي، وقال : " ان اعضاء البرلمان الاوروبي يقدرون التضحيات التي يقدمها لبنان في سبيل مساعدة النازحين السوريين اليه. ولكن يجب ان تتضافر الجهود لمساعدة السوريين على العودة الى بلادهم".

واضاف: "نحن نعمل لتمكينكم من خفض عدد النازحين في لبنان تدريجيا . اشكر لكم زيارتكم وانا سعيد انها تأتي في وقت انجزت فيه الانتخابات النيابية". واعتبر ان ما حصل في هذه الانتخابات كان مهما، والمراقبين الاوروبيين الذين تابعوا هذه الانتخابات اكدوا لنا الظروف الملائمة التي جرت فيها. واكد الرئيس طاياني ان ابواب البرلمان الاوروبي مفتوحة لاستمرار الحوار بين كافة الاطراف، لاسيما بين الاديان والطوائف، الذي يقوده لبنان والذي يعتبر مثالا جميلا من حيث تلاقي الطوائف المسيحية والاسلامية وقال: "لقد غدا لبنان نموذجا للحوار بين الاديان وانا اعمل دائما مع الدبلوماسية اللبنانية لشرح هذا الموضوع ولابراز وجه لبنان لاسيما واني سبق وعملت على هذا الملف".
ورد الرئيس عون شاكرا الرئيس طاياني على ترحيبه وتحدث عن الصعوبات التي تواجهها منطقة الشرق الاوسط وخصوصا ما يواجهه لبنان في ما خص النزوح السوري الذي رتّب عليه تضحيات وصعوبات كثيرة. وقال:" نأمل ان تكون اوروبا الى جانبنا لمساعدتنا في التخفيف من هذه الصعوبات، لاسيما وان الاستقرار بدأ يعود الى عدد كبير من المناطق السورية ويمكن عودة السوريين اليها ".
وايد الرئيس طاياني الرئيس عون في طرحه وقال: " نعمل لتكون هناك سياسة اوروبية للمتوسط لانه لا يمكن ادارة الازمة من اتجاه واحد، ويجب على اوروبا ان تكون حاضرة في ادارة الوضع في منطقة الشرق الاوسط وان نتعاون مع العاملين على خط اعادة النازحين ولاسيما مع لبنان، وانتم تقدمون اشارات ايجابية في تحقيق ذلك".

ولفت الرئيس عون الى ان لبنان حريص ايضا على التعاطي مع الاتحاد الاوروبي بكل مؤسساته ولاسيما البرلمان الاوروبي، مشيرا الى اهمية الشراكة الاوروبية وضرورة تطويرها وتفعيلها في المجالات كافة. فرد الرئيس طاياني بالقول "اننا ننحني لما يقدمه لبنان للنازحين السوريين لاننا اطلعنا مع الاسف على ما يجري في بلدان اخرى وكيف تمت معاملة النازحين عندهم لاسيما في ليبيا وغيرها، حيث تعرضوا للقتل والاغتصاب ولكل انواع الاساءات، بينما فتح لبنان ابوابه للترحيب بهم وتقديم كل الدعم لهم وكل ما يمكن ان يساعدهم. ونحن سنبقى الى جانبكم في سبيل هذه المهمة الانسانية الاستثنائية التي تقومون بها الى ان يتم حل الازمة وعودة النازحين الى بلادهم ".

وقائع الجلسة

وعند انتهاء الاجتماع، اصطحب الرئيس طاياني رئيس الجمهورية الى القاعة العامة للبرلمان الاوروبي، ودخلا معا من الباب الرئيسي وسط تصفيق النواب الحاضرين وكبار المدعوين. وجلس الرئيس عون الى يمين الرئيس طاياني على المنصة الرئيسية.

وحضرت اللبنانية الاولى السيدة ناديا عون، فجلست في المنصة الدبلوماسية المخصصة لكبار الضيوف الى جانب اعضاء الوفد الرسمي اللبناني.

وافتتح الرئيس طاياني الجلسة بكلمة رحب فيها برئيس الجمهورية وداعيا اياه لالقاء كلمته، وقال:
"اود ان اشكر الجمهورية اللبنانية على الالتزام الذي اظهرته بملف النازحين. هناك مئات الالاف من النازحين السوريين في بلادكم، وبفضل التزامكم تمكنا من تخفيض وجود النازحين في اوروبا، لذا لا يسعنا ان نتجاهل جهودكم، وعلينا ان نتحرك قدما ونعزز تعاوننا المشترك. ونعرف ايضا ان لبنان منخرط في الحوار بين الاديان وهو مثال جيد، علينا ان نحذو حذوه في كل مكان، وبلدكم منارة للاستقرار في منطقة المتوسط وهو يواجه اثار ما يجري في سوريا، ونريد لدول المتوسط ان تعمل من اجل السلام والحوار. لذا اشكركم فخامة الرئيس على مجيئكم الى هنا، وخصوصا لما يقوم به بلدكم من اجل الاستقرار والسلام والحوار في منطقة المتوسط".

كلمة الرئيس عون

بعد ذلك، توجّه الرئيس عون الى المنصّة المخصصّة لالقاء كلمات كبار الضيوف وسط الحضور، والقى الكلمة التالية:
"سعادة الرئيس Antonio Tajani

سعادة النواب،
يسرُّني أن أكون اليوم في مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، أمام ممثلين تشريعيين لثماني وعشرين دولة، اختارت أن تجعل القارة الأوروبية نموذجاً لا مثيل له في العالم، من التبادل والتكامل والوحدة في كافة المجالات حتى أضحت دول الاتحاد الأوروبي مساحة فريدة تنصهر فيها أحلام الشعوب، وتتشارك المبادئ والمثل، في الوقت الذي يحافظ فيه كل شعب على خصوصياته، وعمقه الحضاري، وشعوره بالانتماء إلى أرض، ووطن، ولغة، وتراث.
إن قوة هذا الصرح الديمقراطي تكمن في بناء السلام الحقيقي في القارة الأوروبية وانتفاء نزعة الحرب لحل المشاكل واقتناع مجموعة كبيرة من الدول والشعوب بأن قوتها، ومصالحها، وازدهارها، هي في وحدتها لا في النزاع بينها، وفي مشاركتها قيم الديمقراطية. ومن المؤسف ما نشهده حالياً من ظهور بعض النزعات الانفصالية التي تهدّد هذا الصرح الطليعي في تلاقي الشعوب.

أيها الحضور الكريم،
في هذه المرحلة من تاريخنا، التي خَفَتَ فيها صوت الانسانية وتخطت مصالح الدول الكبرى أقصى الحدود على حساب العدالة والتضامن الانساني، لا نجد إلا في الحوار والاحترام المتبادل والعودة إلى تطبيق المبادئ العالمية لحقوق الانسان والمجموعات والدول، سبيلاً إلى تبريد محركات العنف والحروب والتطرّف، التي جعلت من منطقتنا أتوناً مشتعلاً بالكراهية، والخوف، والاضطرابات.
فالحروب، وإن يكن الاقتصاد محركها الحقيقي، إلا أنها لا يمكن أن تندلع على أرضية صلبة؛ هي تحتاج لأرضية متفسخة متخلخلة جاهزة لتقبّل الاشتعال. وليس هناك أفضل من إذكاء نزعة التعصب والتطرف المذهبي والطائفي والعرقي ورفض الآخر لإحداث التفسخ المطلوب وتحفيز الشعوب وإشعال الحروب.

إن ما يحيط بنا اليوم، يجعلنا أكثر تمسّكاً بالأسس التي نشأت عليها دولة لبنان، وعلى رأسها النظام الديمقراطي الذي، وعلى الرغم من بعض الشوائب التي لا زالت تعتريه، قد التقت حوله مكونات الشعب اللبناني، وعكس في جوهره رسالة لبنان، بلداً للتعايش والتنوع والغنى الحضاري والثقافي.

لقد انقسم لبنان سياسياً في الآونة الأخيرة بسبب حروب الجوار ولكنه لم ينقسم وطنياً، ارتفعت الأصوات فيه عاليةً ولكنه لم ينحرف نحو العنف، وكان الخطاب لاهباً ولكن لهيبه لم يشعل النار. وعندما شذّ البعض وجنحوا نحو التطرف والفكر التكفيري سرعان ما لفظهم مجتمعهم وبيئتهم؛ فالمجتمع اللبناني بطبيعته ليس بيئةً حاضنة للتطرّف ورفض الآخر. واحترام حرية المعتقد والتعبير والرأي وحق الاختلاف هي جزء من ثقافة اللبنانيين.
هذه الخصوصية اللبنانية تساعد لبنان على تخطي مشاكله وعلى ترسيخ سلامه واستقراره، كما تلهم دولاً أخرى معالم الدرب إلى مستقبل أكثر انسجاماً مع العصر وحقوق الانسان، خصوصاً اذا ما نجحنا في ازالة الشوائب وبلوغ النضج الديمقراطي.

وفي هذا السياق، يثمّن لبنان عالياً الوعي الأوروبي لفرادته والذي عبّر عنه البرلمان الأوروبي من خلال القرار رقم 2150 ، وبخاصةً الفقرة الثانية منه التي "تؤكد على ما يتمتع به لبنان من خصوصيات وتنوع ديني وبأنه أعرق ديمقراطية في الشرق الأوسط حيث يتقاسم السلطة فيه مناصفةً المسلمون والمسيحيون، مما يجعل من لبنان نموذجاً للتعايش السلمي يجب تعزيزه ودعمه ليستمرّ كذلك".

أيها الحضور الكريم،
في شهر أيار من العام الحالي، شهد لبنان إجراء انتخابات نيابية على الرغم من بعض التجاذبات السياسية الحادة التي أخَّرت حصولها، وذلك وفق قانون انتخابي حديث ، يرتكز على التمثيل النسبي للمرَّة الأولى في تاريخ لبنان. وقد أفضى إلى تمثيل أكثر دقة وتوازناً من القانون الأكثري السابق، لكافة القوى السياسية، والى تنوع أكبر في مجلس النواب، يعزِّز الحياة الديمقراطية.
ولا بد لي في هذا السياق من التنويه بالعمل الذي قامت به بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات برئاسة السيدة ايلينا فالنسيانو Elena Valenciano التي رافقت مراحل الإعداد للانتخابات وعمليات الاقتراع التي جرت، وقدّمت في شهر تموز الماضي تقريرها الذي عكس انطباعا إيجابياً عن العملية الانتخابية، ، مقترحاَ عدداً من التوصيات الجديدة التي من شأنها ازالة بعض الشوائب، والتي ستؤخذ بعين الاعتبار دون شك في المستقبل.
ونتطلع في المرحلة المقبلة إلى تعزيز أطر التعاون بين مجلسنا النيابي والبرلمان الأوروبي، وتكثيف اللقاءات المشتركة وتبادل الخبرات، للارتقاء بالأداء التشريعي تناغماً مع متطلبات العصر والتطور.

 

أيها الحضور الكريم،
إن لدى وطننا الكثير من التحديات التي تواجهه، وعلى رأسها، الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وقد أطلقنا في الفترة الأخيرة الخطوط العريضة لخطة اقتصادية ترسم خارطة الطريق لتفعيل القطاعات الانتاجية، وتحديث البنية التحتية،. وقد جاءت هذه الخطة متناغمة مع مقررات مؤتمر "سيدر".
لقد وضعتُ على رأس أولوياتي مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمحاسبة. وقد بدأنا بالفعل بتحقيق بعض الخطوات الإيجابية على هذا الصعيد، لكن العمل الأساسي سينطلق مع الحكومة الجديدة التي تقع على عاتقها مسؤولية تطبيق خطة النهوض الاقتصادي ومقرّرات مؤتمر "سيدر"، لإرساء الاستقرار والازدهار في البلاد.

أيها الحضور الكريم،
لقد تحمّل لبنان عبء أزمات المحيط، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، وتسلل الإرهاب الى جروده الشرقية والشمالية جاعلاً منها منطلقاً لعملياته الدموية في الداخل اللبناني، إلى أن قام جيشنا بعملية عسكرية نوعية ، دحر خلالها الإرهابيين وتابع مع سائر الأجهزة الأمنية المختصة استئصال الخلايا الإرهابية النائمة حتى تم القضاء عليها نهائياً، وتحقق للبنان الأمن والاستقرار.
ويبقى النزوح، وخصوصاً السوري منه، من أكثر تداعيات حروب دول الجوار ثقلاً علينا، اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً ؛ فمن باب التضامن الإنساني استقبل لبنان أكثر من مليون ونصف نازح سوري، فرّوا من جحيم الحرب في بلادهم. لكن، في بلد صغير المساحة، كثيف السكان، محدود الموارد، يعاني من ضعف البنى التحتية وتزايد البطالة، لا بد أن تدركوا بسهولة مدى العبء الذي نتحمّله، في وقت لم يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته لدعم لبنان في التخفيف من تأثير هذا النزوح، انطلاقاً من مبدأ تقاسم الأعباء والمسؤوليات بين الدول.

وفي هذا الإطار، ندعو الى تفعيل قرارات الدعم المادي التي اتخذت خصوصا في مؤتمر بروكسيل برغم تحفظنا على بعض ما جاء في بيانه الختامي، والمتعلق خصوصاً بمسألة العودة الطوعية للنازحين وربطها بالحل السياسي، وانخراطهم في سوق العمل في الدول التي نزحوا اليها. ولا بد من التذكير هنا بأن لبنان هو بلد هجرة وليس بلد استيطان أو سوقاً مفتوحة للعمل، وأبناؤه المنتشرون في كل أصقاع العالم، وللقارة الأوروبية منهم نصيب كبير، هم خير شاهد.
إن لبنان، يسعى لتأمين العودة الكريمة والآمنة للنازحين إلى ديارهم، ويرفض أي مماطلة في هذا الشأن، ويؤيد كل دعم لحل مسألة النزوح السوري المكثّف إلى أراضيه، على غرار المبادرة الروسية، ويرفض ربطها بالحل السياسي الذي قد يطول أمده. ونذكّر هنا، أن الشعب الفلسطيني لا يزال منذ العام 1948 يعيش في المخيمات في دول الشتات، وخصوصاً في لبنان، بانتظار الحل السياسي وتنفيذ القرار 194، وها هي ملامح هذا الحل بدأت تظهر بعد 70 عاماً من الانتظار منبئة بمشروع التوطين، وكأن المجتمع الدولي يعتمد سياسة "وهب ما لا يملك لمن لا يستحق.

أيها الحضور الكريم،
يصادف اليوم ذكرى الحادي عشر من أيلول الحدث الذي غيّر مسار أحداث العالم، خصوصاً بعد أن أعلنت الولايات المتحدة على أثره الحرب على الإرهاب واعدةً بتحرير العالم منه، وبالحرية والديمقراطية للشعوب؛ ولكن الذي حصل، وبعد 17 عاماً ولغاية الآن، أن محاربة الإرهاب تلك عمّمت الإرهاب على كل العالم عوض أن تقضي عليه.
واقتبس هنا من كتاب مفتوح وجهته الى حكام العالم في العام 1995 أحذرهم فيه من خطر تنامي الأصولية التي بدأت تظهر في بعض الدول: " إن الأحداث الأخيرة في البوسنة والجزائر، وبنسبة أقل في باريس، ليست سوى إشارات تنذر بصراعات مهددة لغدنا، تعجز عن تداركها الروادع النووية والحروب التقليدية. إن الأصولية، وليدة انعدام التوازن في تطبيق الحق الدولي، والحرمان الناتج عن نمو غير متكافئ، قد تُغرق حضارة بكاملها في الظلامية.
فلا أحد بمنأى عن العنف الذي يولّده انفجار المشاعر العرقية والأصولية، والذّي تعجز أي حدود عن احتوائه. ألا يمكن لتلك الجراثيم، التي تغذّت في مختبرات الواقعية السياسية، أن تنقل العدوى الى أولئك اللامبالين والمشاركين، الذين تركوها تتكاثر؟"

وللأسف إن العالم بأكمله اليوم يعاني من نتائج مختبرات الواقعية السياسية ومن عدم التعاطي في حينه بجدية مع الإشارات المنذرة بالخطر.
أضف الى ذلك، إن السياسات الدولية التي لا تزال معتمدةً في الشرق الأوسط تزيد النقمة وترفع منسوب التطرف وتفسح المجال واسعاً للعنف والإرهاب.
لا شك أن هذه السياسات الخالية من مقياس العدالة، تؤدي الى التشكيك بصحة تطبيق الديمقراطية في الدول التي تُعتبر رائدة في اعتمادها إياها نظاماً سياسياً. فهل تحتمل الديمقراطية الحفاظ على حقوق الإنسان في الداخل، ونحر هذه الحقوق خارج الحدود تحقيقاً لمصالح دول كبرى؟

من نتائج هذه السياسة أنها دفعت بإسرائيل الى تهويد القدس وإعلانها عاصمة لها، ضاربةً عرض الحائط بالقرارات الدولية، وبالتصويت في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة. وهي لم تكتفِ بذلك، بل أقرّت قانون "القومية اليهودية لدولة اسرائيل".
واستكمالاً له أتى القرار الأميركي الذي اتُخذ مؤخراً بحجب التمويل عن وكالة الأونروا، وهو بداية لفرض التوطين على الدول المضيفة للاجئين ومنهم لبنان الذي يحظّر دستوره التوطين والتجزئة والتقسيم، وهو يرفض هذا الواقع أيضاً من أجل العدالة والمساواة بين البشر.

أيها الحضور الكريم
لقد جئت اليكم من لبنان البلد- الرسالة بحسب ما وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، حاملاً إيماني برسالة وطنٍ يختزن حضارة عميقة تمتد على خمسة آلاف سنة، سمحت بأبعادها المتعددة، لأبنائه المنتشرين في كل اصقاع الأرض أن يندمجوا مع مختلف الثقافات أينما حلّوا.

وأغتنم فرصة وجودي بينكم هنا، لأعود وأذكِّر بما طالبت به مراراً عديدة، وخصوصاً على منبر الأمم المتحدة، من جعل لبنان مركزاً دائماً للحوار بين مختلف الحضارات والديانات والأعراق، هذا المشروع الذي يتابعه سفراؤنا في مختلف بلدان العالم ونأمل أن يطرح في الدورة المقبلة للأمم المتحدة، في العام 2019، كما نأمل دعماً خاصاً من الدول الأوروبية.
ومَـن أكثر من دول أوروبا يعرف أهمية الحوار في رأب الصدوع وبلسمة الجراح وإرساء ثقافة السلام!
كل الشكر على استضافتي بينكم اليوم، وعلى حسن الاصغاء إلى كلمتي.
عشتم، عاشت أوروبا، عاش لبنان."

وما ان انتهى رئيس الجمهورية من القاء كلمته حتى وقف النواب الاوروبيين الحاضرين في الجلسة وعلا تصفقيهم لوقت طويل بعدما كانوا قاطعوا كلمة الرئيس عدة مرات ليصفقوا للمواقف التي اطلقها.
الرئيس طاياني

وبعد انتهاء رئيس الجمهورية من الفاء كلمته، توجه الرئيس طاياني بالشكر اليه وقال: " علينا ان نمضي قدما بالتعاون بيننا ونعمل معا من اجل ارساء اسس الحوار والسلام وحل مشكلة اللاجئين في بلادكم وبلداننا. هذا عمل ليس بالسهل، الا ان هناك ارادة بالوصول الى حل، ومعا يمكن تحقيق نتائج ايجابية لمواطنينا وللنازحين الذين لديهم الحق بالعودة الى بلادهم".

اضاف: " وانا واثق بان جميع السوريين لديهم الحق بالعودة الى منازلهم ومدنهم وقراهم. ان سوريا بلد عظيم لديه تاريخ عريق وهو واحد من اعرق التراثات في المتوسط". وختم بالقول: " علينا ان نجنب هذا البلد التعرض للدمار. وبفضل لبنان تمكن مئات الالاف من السوريين من الخلاص من جحيم الحرب. والان علينا ان نتيح لهم العودة الى بلادهم. شكرا لكم مجددا على كل ما فعلتموه".
إثر ذلك، رفع الرئيس طاياني الجلسة .
وبعدها، استقبل رئيس الجمهورية في مبنى البرلمان وبحضور الوفد اللبناني الرسمي وسفيرة الاتحاد الاوروبي في لبنان، مفوض شؤون سياسة الجوار في الاتحاد الاوروبي يوهانس هان وعرض معه المواضيع المتصلة بالنازحين السوريين في لبنان وما يقوم به لبنان في هذا المجال.

مأدبة غداء

واقام الرئيس طاياني مأدبة غداء على شرف الرئيس عون واللبنانية الاولى والوفد المرافق في الطابق السابع من مقر البرلمان، حضرها الوفد الاوروبي المشارك في المحادثات وعدد من نواب الرئيس ورؤساء الكتل النيابية الاوروبية وعدد من النواب الاوروبيين وكبار المسؤولين في الاتحاد الاوروبي.

والقى الرئيس طاياني، في مستهل المأدبة كلمة ترحيبية بالرئيس عون واللبنانية الاولى والوفد المرافق، جاء فيها:
"فخامة الرئيس، اللبنانية الاولى، ايها الاصدقاء اعضاء الوفد اللبناني الرسمي، اهلا وسهلا بكم في البرلمان الاوروبي في غداء العمل هذا الذي نقيمه على شرفكم. وهو مناسبة لنحيي العلاقات القائمة بين لبنان والاتحاد الاوروبي، واني في غاية السعادة لان التقي بكم واتناول معكم مواضيع تهمنا في المتوسط كما في سوريا حيث ان الوضع خطر هناك كما هو خطر في ليبيا على تلك الضفة الاخرى من المتوسط. نحن نعمل معا من اجل تحقيق السلام، وانتم تستقبلون عددا كبيرا من النازحين واللاجئين وهذه ايضا مشكلة تعاني منها اوروبا، التي عليها ان تشكر لبنان على التضحيات الجسام التي يقدمها، وقد استقبلتم مئات الالاف من النازحين من سوريا. وكما قلت، فان لهؤلاء جميعا الحق في العودة الى بلدهم وعلينا ان نلتزم جميعا العمل من اجل احقاق السلام في سوريا. وقد اوفد الاتحاد الاوروبي لهذه الغاية بعثات عدة للاطلاع على الاوضاع عندكم كما في سوريا، والرسالة التي اود ان احملها هي رسالة ايجابية وانتم قد تلقفتم الوضع المأساوي وفق ما يعرف عنكم من عراقة تقاليد الضيافة" .

اضاف : " لقد تابعنا تطور الاوضاع عندكم. ومن المفيد بالنسبة الينا ان يكون هناك في لبنان رئيس للجمهورية يمكننا ان نتناقش معه ونتحاور واياه . وهذا امر في غاية الاهمية ونعرف ان مسألة النازحين تتطلب صبرا وحسا للحوار . ونحن ننتظر تشكيل حكومة تساعدكم على القيام برسالتكم. واني مقتنع بانه سيكون بامكاننا مواصلة الحوار معكم وفق هذا التوجه خلال الاشهر المقبلة. ان ابواب لبنان مفتوحة ويجب علينا المضي قدما في تعاوننا المشترك، وهناك سفارة لبلادكم لدى الاتحاد الاوروبي لاستكمال ما تباحثنا به. ويطيب لي القيام بزيارة بلدكم الجميل الذي اعرفه كوني ايطالي من جهة وقد زرته كسائح في السابق، ويسعدني ان ازوره كرئيس للبرلمان الاوروبي بهدف توطيد الاستقرار والسلام اكثر فاكثر".
وختم بالقول :" فخامة الرئيس، اللبنانية الاولى، ان ابواب اوروبا مفتوحة لكم هنا في ستراسبورغ، ولديكم في شخصي صديق يسعده ايضا ان يفتح امامكم دارته في روما لاستقبالكم. واكرر شكري الجزيل لزيارتكم. انتم يا فخامة الرئيس صديق لاوروبا يمكنكم الاعتماد عليها. عاشت الصداقة اللبنانية- الاوروبية!"

ورد الرئيس عون بكلمة قال فيها: " اشكركم سعادة رئيس البرلمان الاوروبي على حفاوة الاستقبال الذي خصيتموني به، سواء على الصعيد الرسمي او على المستوى الشخصي ايضا. واني سعيد لكوني بينكم لاتناقش واياكم في مسألة الشرق الاوسط ولتبادل الافكار بما يتيح لكم تسهيل اتخاذكم للقرارات التي ترونها مناسبة في المستقبل" .

اضاف : " اننا متمسكون بان تقوم اوروبا بالتطلع صوب البحر الابيض المتوسط فنحن متجاوران، والمتوسط يشكل لنا طريقاً من طرق التواصل وهو ليس بحاجز بيننا. فهو يشكل عصارة الحضارات القديمة. ونتقاسم واياكم ارث الامبراطورية الرومانية التي كانت في اساس عالم اليوم . اشكركم مجددا على هذا الاستقبال".