2018 | 16:08 تشرين الثاني 17 السبت
علي بزي: كل يوم تأخير في تشكيل الحكومة ندفع أضعافا من الثمن الذي يسرق منا أي فرصة لتطوير البلد | "صوت لبنان(93.3)": البطريرك الراعي يغادر بيروت غداً متوجهاً الى روما | الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: مخططات واشنطن وبعض الدول في المنطقة لزعزعة العلاقات الودية مع بغداد لن تؤدي إلى نتيجة | أردوغان: تم توجيه الرد لمن حاولوا أن يجعلوا من تركيا حديقة لهم بدءا من معركة "جناق قلعة" وحرب الاستقلال وصولا إلى محاولة الانقلاب في 15 تموز | محكمة النقض المصرية تؤيد إدراج عبد المنعم أبو الفتوح و6 من عناصر الإخوان على قوائم الإرهابيين | وليد البعريني: الرئيس سعد الحريري يحرص في جميع مواقفه وكل أدائه السياسي على تجنيب لبنان أي أزمة سياسية وعلى المحافظة على الإستقرار | مقتل خمسة جنود وجرح 23 في كمين لجماعة أبي سياف في الفيليبين | "بلومبرغ": ترامب يقول إنه سيتحدث مع بومبيو والمخابرات المركزية الأميركية عن قضية خاشقجي | طارق المرعبي: ملاقاة الرئيس الحريري هي خشبة الخلاص للوطن | "المستقبل" للصيادلة: المرشح صالح دبيبو لا يمثلنا ولا تربطنا فيه أي علاقة وما يقوم به يصب في خدمة من يسعون الى النيل من وحدتنا | فرنسا: مقتل متظاهرة إثر حادث وجرحى في حركة الاحتجاج "السترات الصفراء" | الحاج حسن من تمنين التحتا: المشكلة ليست عند النواب الستة بل عند من يحاول تجاوز نتائج الإنتخابات |

أكراد سورية والحدود التركية: لعبة بيع الوهم مستمرة

مقالات مختارة - الأحد 19 آب 2018 - 07:15 - شورش درويش

خلال عشرينات القرن الماضي عمدت فرنسا إلى إزعاج تركيا إبان انتدابها على سورية، نتيجة للخلافات الحدودية المتواصلة بين تركيا الحديثة وسورية المستعمَرة والرغبة في إيجاد نوع من التوازن الفرنسي التركي. ذلك أن تركيا كانت على تماس مباشر مع سوريين تسببوا في إزعاج الحكم الفرنسي عسكرياً وسياسياً، لذا كان على الأخيرة أن تفكّر بما قد يزعج جارتها الشمالية. وعليه، يمكن فهم مسألة تأييد فرنسا الاتجاهات القومية الكردية النامية التي كانت ترمي إلى دعم وإسناد الحركة الكردية المسلّحة في تركيا، وبخاصة ثورة جبل آكري (آرارات) بقيادة إحسان نوري باشا (1927-1930)، ودائماً عن طريق النخبة القومية الكردية في سورية والمنحدرة من سفح المجتمع العثماني التقليدي: باشاوات وأغوات ومثقفون قوميون انتمى جلّهم إلى جمعية «خويبون» القومية الكردية والتي كان هدفها إنشاء كيان قومي كردي داخل تركيا الكمالية.


تمكّن القوميون الأكراد حينها من شد إزر ثورة أكراد تركيا والتنسيق معها ومدّها بالوسائل المتاحة، ليبلغ التنسيق إمكان شنّ أكراد سورية هجمات وأعمال تخريب في المنطقة الحدودية بغية إشغال تركيا وتشتيت اهتمامها، بيد أن فرنسا أحبطت تلك الجهود الكردية السورية نتيجة التفاهمات التي حصلت بينها وبين تركيا. ولعل حل مسألة النزاع الحدودي المتواصل كان أحد أبرز العوامل التي أفضت إلى تثبيط تطلعات النخب القومية الكردية ممن ما لبثت فرنسا أن أوقفت دعمها لهم بالتزامن مع انكفاء مشاريع الكفاح المسلح داخل تركيا.

إلى ذلك عمد الحكم الوطني منذ 1936 إلى ضبط إيقاع منطقة الجزيرة العليا التي كانت خزّان المشاريع الكردية السورية، من خلال ضخ السياسات العربية والمركزية التي حجّمت التطلعات الكردية، وبالتالي انتفى الخطر الكردي السوري الذي تسبّب بصداع لتركيا. فالقوميون الأكراد باتوا أكثر انشغالاً بمسائلهم الحياتية داخل سورية الغضّة وبات حلم «تحرير كردستان تركيا» أبعد.

سعى جمال عبدالناصر خلال سني الوحدة السورية المصرية إلى إنعاش ما كانت فرنسا قد بدأته من خلال الدعم المتواصل للحركة القومية الكردية في تركيا، إلى درجة تحوّلت معها الإذاعة الكردية التي أنشأها عبدالناصر في القاهرة في 1958 إلى أبرز المسائل الخلافية بين القاهرة وأنقرة وكادت تتسبب بقطع العلاقات بين البلدين. هذا في حين أن سياسة ناصر ورجله القوي في سورية عبدالحميد السرّاج كانت مغايرة بالنسبة إلى أكراد سورية، إذ عمد إلى ضرب الحركة الوطنية المتمثّلة بالحزب الكردي الأول في سورية عام 1957، ثم زج مؤسسيه وقياداته في سجون دولة الوحدة.

كان زعيم الجمهورية العربية المتحدة يدرك الأخطار التي قد تطاول الأمن القومي العربي إذ باتت تحدُّ «الوطن العربي» شمالاً تركيا المنضوية في حلف بغداد (المعاهدة المركزية لاحقاً).

مع حافظ الأسد دخل أكراد تركيا برفقة أكراد سورية مرحلة جديدة عنوانها حزب العمال الكردستاني، الذي تحوّل إلى وشيجة تربط بين أكراد البلدين. ففي الوقت الذي كان أكراد سورية يُجابهون بالتهميش وما يمكن أن يسمّى أشكالاً من «الإبادة الثقافية» والمضايقات الأمينة المتواصلة وسياسات التعريب النشطة، كان العمال الكردستاني يرفل تحت ظلال العلاقة الممتازة مع نظام الأسد الأب الذي عثر فيه على عنصر الإشغال لتركيا المتحالفة مع إسرائيل والمتحكّمة بمجريي نهري المنطقة الأساسيين، دجلة والفرات.

أفضى إخراج زعيم العمال الكردستاني من سورية في 1999 إلى توطيد العلاقة مع تركيا بعد وساطة مصرية تولّاها الرئيس السابق حسني مبارك حالت دون حرب وشيكة كادت أن تقض مضجع الحكم في دمشق، ليتوقف على إثر ذلك الخلاف العميق وينتهي الأمر باتفاقية أضنة في 1999 والتي أعطت تركيا الحق في التحرّك داخل العمق الحدودي السوري عند الضرورة.

مع تدخّل تركيا الحاد في الشأن السوري مطلع الثورة السورية عام 2011 استعاد النظام السوري سياسة إرباك تركيا عبر الإعلاء من شأن المشروع الكردي، وذلك من خلال منح أكراد سورية قدراً من الحكم الذاتي غير المعترف به رسمياً من قبل دمشق، وتأسيس قوّة عسكرية تحوّلت إلى كابوس تركي مزمن، إذ لا مجازفة في القول إن هذا الكابوس والذي هو حلم كردي في الأصل، بات كلَ ما يشغل تركيا داخل سورية كما صار ضابط إيقاع سياساتها السوريّة. وهذا على رغم صعوبة أن يشكل أكراد سورية أي خطر على تركيا وأمنها وحدودها، إذ لا يمكن المناطق الكردية المحكومة ذاتياً أن تتحوّل إلى منصة عسكرية تلحق الأذى بتركيا، لكن تركيا تخشى من تكرار تجربة كردستان العراق وتحوّل جوارها من دول مركزية محكمة إلى جوار مؤلّف من بقاع كردية محكومة ذاتياً على ما يحمله الأمر من إلهام ودفق سياسي وعاطفي لأكراد تركيا.

منذ تشكّل الكيان السوري، لم تعمد الحكومات المتعاقبة إلى دمج الأكراد في المجتمع السوري، بل أحيل الأكراد إلى عنصر تهديد مزعوم لتركيا وحدودها، والأنكى أن تركيا أيضاً تكثر من استخدام هذا الوهم على المستوى المحلي، وفي هذا الكثير من الظلم الذي يطال وجود وحقوق الأكراد السوريين الذين عبثت الحكومات المتعاقبة بتطلعاتهم، بل حتى بشكل هويتهم الفرعية (الكردية السورية) والتي باتت هوية كردستانية في الكثير من الأحيان.

وعموماً، تكشف الأوضاع على مدار مئة عام تقريباً من عمر الحدود السورية- التركية عن كذبة يراد لها الاستمرار ومؤدّاها: أن الحكومات والأنظمة السورية المتعاقبة تريد إخافة تركيا عبر الورقة الكردية، وأن تركيا تريد هذا التخويف بل تقوم ببيعه في سوقها الداخلية، في عملية تبادلية بين من يبيع الوهم ومن يشتريه ضمن معادلة: أكراد سورية أكبر خطر على الحدود والأمن القومي التركيين!
 

شورش درويش - الحياة