hit counter script

ليبانون فايلز - أخبار إقليمية ودولية أخبار إقليمية ودولية

صحة الأطفال النفسية في زمن الحروب.. ما هو دور الأهل والمدارس؟

الثلاثاء ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٣ - 15:20

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

إستمع للخبر


الحروب أنواع، منها ما هو ظالم ومنها ما هو محقّ، جميعها يرتكز على القتل والقتل المضاد، لذلك هي لا تحملُ إلا الدمار والموت بغضّ النظر عن معادلات الربح والخسارة. إذاً، فأضرارها المباشرة معروفة وواضحة للعيان، تتمثَّل بالخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية وغير ذلك. أما غير المباشرة، فهي متعدّدة أيضاً، وقد تُعرّض بُنية المجتمعات لتغييرات مستقبلية جذرية.

أحد أبرز الأضرار غير المباشرة، اضطراب صحة الأطفال النفسية جراء تعرّضهم لمشاهد أو أخبار (أحاديث) الحرب القاسية، الذي سنسلط عليه الضوء كخطر حقيقيّ، ونبيّن دور الأهل والمدرسة في الحماية منه.

دور الأهل
من المؤكد أن المشاهد الدموية والعنيفة مؤذية للأطفال وللراشدين على حدّ سواء. لكن التكوين النفسي للطفل مختلف، فهو أكثر حساسية بسبب عدة عوامل، أبرزها: افتقاره للتجارب، اختلاف طريقة تحليله للأمور عن البالغين، تضخيمه للأحداث والمستجدات بما يتوافق مع مستوى تخيلاته. لذلك لا بدّ من تدخّل الأهل لحماية أولادهم من كل ما يؤذي هذه التركيبة النفسيّة الحساسة.

تقول المعالجة النفسية باتريسيا ضاهر، أن أول ما على الأهل فعله هو مراقبة ما يشاهده الأولاد على الشاشات، والتعامل بحذر مع نشرات الأخبار، ومن الأفضل أن يمتنعوا عن مشاهدتها بحضور صغار السنّ.

عملية المراقبة هذه يجب أن تتوافق مع عمر الولد، بحيث لا يُفصَل نهائياً عما يدور من حوله، وفي الوقت ذاته لا ينغمس في ما يؤذيه. هنا يكمن دور الأهل في التدخل لتحديد نوعية وكمية المعلومات أو المشاهد التي تناسب عمره. فمن غير المنطقي، على سبيل المثال، إبعاد مراهق عن مجريات الأحداث أو حجب نشرات الأخبار عنه، في حين لديه حسابات مفتوحة على وسائل التواصل الاجتماعي. في هذه الحالة على الأهل أن يناقشوه بما يشاهد ويسمع، وبالتالي أن يوضحوا له مدى الخطورة المباشرة لمشاهد العنف على الجهاز العصبي للإنسان.

كما تعتبر المعالجة النفسية جوانا أبوشقرا أن على وسائل الإعلام المرئية التعامل بجديّة قصوى مع أخبار الحروب، وتحذير المشاهدين قبل عرض أي مشهد دموي. لكن إذا صادف وتعرضّ الطفل لمثل تلك المشاهد، فعلى الأهل عدم التركيز عليها كحدث مهم، حتى لا تتعمّق في ذهنه، وفي الوقت ذاته عدم التقليل من أهمية ما طُبع في نفسه، وبالتالي السماح له بالتعبير عن المشاعر التي انتابته جراء مشاهدتها بصدق، وإجابته بصدقٍ عن أسئلته، ومؤاساته بأنه ليس مسؤولاً عما يحصل. والأهم في هذه الحالة أن يطلبوا منه تحديد موضع الخوف في جسده، فتشييء المشاعر المزعجة هو طريق الى إزالتها.

وتؤكد أبوشقرا في هذا السياق، أن إعادة الطفل الى اللحظة الحالية (هنا والآن) هو عامل مساعد على تخطي الصدمة. فالطفل الذي يظن نفسه محمياً، حتى من الموت، يُفاجأ بمشاهدة ما يحصل لغيره من الأطفال، فيولد لديه هاجس يؤرّقه، لذلك على الأهل طمأنته بأنه محميّ وسط عائلته وهو بأمان.

لتعود باتريسيا ضاهر وتضيف، أن "الاهتمام بما يشاهده الأولاد على الشاشات، لا يفي وحده بغرض حمايتهم، بل يجب أن يرافقها التنبّه لما يدور حولهم من تصرفات أو عبارات مرتبطة بالحدث، كإظهار الهلع من نقص المواد الأساسية، والانهماك في تخزينها بكميات كبيرة، أو إطلاق بعض العبارات العفوية المرافقة لهذه الظروف، مثل: "الله يستر"، "بدا تضرب إسرائيل". أو العبارات التي تأتي على سبيل المزاح :"عأي ملجأ بدنا ننزل"، "واصل دورنا"... كلها عوامل ستسبب لهم القلق وربما الهلع. فإن لم يكن بالإمكان إشاحة أنظارهم عما يحصل، فعلى الأقل يجب انتقاء الكلام الذي يُقال في حضورهم".
بالإضافة الى كل ما تقدّم، وبرأي ضاهر، "يُعتبر الحفاظ على الروتين عاملاً مساعداً في تخفيف آثار التداعيات وتخطيها بأقلّ أضرار ممكنة، كالحفاظ على أوقات الأكل والنوم والنشاطات واللقاءات. كذلك فتح حوارات إيجابية تتمحور حول المستقبل، وتخصيص أوقات لسماعهم، فالإصغاء للأولاد هو من أهم ما يمكن للأهل تقديمه، ويمكِّنهم (أي للأهل) من تحديد ومعرفة حجم تخيلات وهواجس أولادهم، فيتمكنون من تصويبها، أو على الأقل من ضبطها في حدود آمنة. كل ذلك يعزّز آليات الدفاع لدى الأهل ولدى الأبناء.
يبقى أن نقول إنّ تحضير الأطفال لمواجهة الحرب وشرح تبعاتها المفترضة مسبقاً، لن يساعدهم على تخطي الأخطار وتجنّب الأضرار النفسية مطلقاً، لأنها لو وقعت بالفعل لن تختفي الصدمة، فالصدمة التي تؤثر سلباً على الصحة النفسية ليست بحدوث ما لم يكن بالحسبان، بل بتعرضهم لها بشكل مباشر أو غير مباشر".

دور المدارس
تتابع ضاهر: "كما سبق وذكرنا، أن الأهم هو تعزيز الدفاعات الجيدة في مواجهة ما يعيشه أطفالنا، وللمدرسة دور رئيسيّ في ذلك، يأتي من خلال تعزيز التسامي (sublimation)، الذي يُعتبر من آليات الدفاع المفيدة في المواقف التي يكون فيها حل المشكلة مستحيلًا. في الوقت نفسه يتمتع التسامي بقدرة تميزه بشكل خاص عن الآليات الدفاعية الأخرى، لأنه قادر على تحويل المخاوف والقلق الى قيم سامية مقبولة دون أن يفقد شدّته.
أضف إلى أن في المدرسة يرى الطفل نفسه متساوياً في الأخطار مع غيره من الأقران، ويتماهى مع المجموعة بآليات دفاع جماعية تأتي في سياق طبيعي وسلس من خلال دروس التربية الوطنية والاجتماعيات.
وهنا لا بدّ من التنبيه الى الأخطاء التي ارتكبتها وترتكبها بعض المدارس في هذا الخصوص، فقد عاينّا في عياداتنا مؤخراً أولاداً يعانون من صدمات نفسية جرّاء عمليات المحاكاة (simulations) التي أجرتها بعض المدارس لخطط الإخلاء في حال تعرضت المدرسة لحدث مرتبط بالحرب. لذلك يجب علينا التنبيه، الى أن ذلك كان من الممكن أن يحصل بصورة عادية وعابرة لو أنه أقيم مع بداية العام الدراسي، خلال تعريف التلاميذ على المكان، أو في سياق دروس العلوم والتوعية على الحرائق، أو غيرها من النشاطات التربوية والعلمية، لكن حصرها بالظروف الراهنة وربطها عن قصد أو عن غير قصد بالجو المشحون مؤخراً، أدى الى زيادة القلق لدى الأطفال، فَهَمُّ الولد في حالات الحرب لا يكون محصوراً فقط بكيفية إخلاء المدرسة، أو الاحتماء، إنما بالعودة للاجتماع بأهله، والشعور بالأمان. فاجتزاء الأمان لا يؤدي إلا الى نتائج سلبية تحلّ محل النتائج الإيجابية المرجوة من المحاكاة".

متى يجب استشارة اختصاصي
الطفل بحسب أبوشقرا، يعطي مؤشرات كثيرة حين تضطرب حالته النفسية، ويمكن ملاحظة التغيّرات الطارئة من خلال الرسم، على سبيل المثال، أو سرد التخيلات بشكل قصصي، وغيرها. وتقول إن حالة الطفل ممكن أن تستمر لمدة ستة أشهر بين التعرض والتشخيص، لذلك على الأهل عدم التغاضي عن أي تطور سلبي لدى الطفل.

في الختام يتفق الاختصاصيون على أن استشارة معالج نفسي تصبح ضرورية إذا ظهرت على الطفل الإشارات الآتية:
1- شعور الأهل بأنهم عاجزون عن احتواء خوف الطفل.
2- اضطراب نومه (طول فترة النوم، أو صعوبته).
3- اضطراب أكله (زيادة أو نقصان).
4- ردات فعل عصبية وسريعة، بالأخصّ إذا لم تكن موجودة من قبل.
5- قلق دائم وتأتأة أثناء الحديث.
6- ملاحظة صعوبات مدرسية مستجدة

"النهار"

  • شارك الخبر