hit counter script

ليبانون فايلز - مقالات مختارة مقالات مختارة - د. فادي الأحمر - اساس ميديا

ماكرون من جديد في المنطقة: أين المبادرة؟

الخميس ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٣ - 06:16

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

إيمانويل ماكرون من جديد في المنطقة نهاية الشهر الجاري في زيارة ستقوده إلى دولة الإمارات العربيّة والمملكة السعوديّة ومصر. هذا ما تؤكّده مصادر قريبة من الإليزيه.
في الإمارات سيشارك الرئيس الفرنسيّ في اجتماع القمّة العالميّة المنعقد في أبو ظبي والذي يسبق انطلاق المؤتمر الثامن والعشرين للأطراف المشاركة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ "COP28" (30 تشرين الثاني – 12 كانون الأول). قمّة يحضرها رجال سياسة ورجال دين. وموضوعها أزمة التلوّث المناخيّ في العالم. بيد أنّ كارثة الحرب على غزّة، التي تهدّد بـ "تلوّث" المنطقة بالحروب بسبب وحشيّتها وتداعياتها الجيوسياسيّة، ستكون حاضرة بقوّة في القمّة وفي المؤتمر، وسترافق الرئيس الفرنسيّ في زيارته.

تبدّل الظروف بين الزيارتين
الظروف التي رافقت زيارة ماكرون الأولى للمنطقة بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) كانت مختلفة عمّا هي اليوم. حينذاك كان الدعم لإسرائيل في تصاعد، والتعاطف معها كبيراً عقب هجوم حماس، وتأييد ما سُمّي "الدفاع عن النفس" واسعاً. حينها تحمّس الرئيس الفرنسيّ "الشابّ". انجرف بالدعاية الإسرائيليّة التي تشبّه حماس بداعش. فارتجل اقتراح تحالف إقليميّ – دوليّ لمحاربتها. وليُظهر براغماتيّته، اقترح توسيع مهامّ التحالف الدوليّ القائم ضدّ داعش لمحاربة حماس! وأعلن جهوزية فرنسا للمشاركة! فوجئ الجميع! سخر البعض. وسقط الاقتراح.
كيف يبدو المشهد عالمياً وأميركياً وأوروبياً وعربياً وفرنسياً إزاء الحرب في غزّة عشيّة زيارة ماكرون الثانية للمنطقة.

المشهد عشيّة الزيارة الثانية
قبل التوسّع في المشهد تجدر الإشارة إلى أنّ الزيارة تحصل خلال "الجولة الثانية" من تبادل الرهائن والمعتقلين بين حماس وإسرائيل التي لم يُطلق فيها سراح أيّ رهينة تحمل الجنسيّة الفرنسيّة.
1- في المشهد العالميّ: تراجع التأييد لإسرائيل في حربها على غزّة. لا بل ازدادت الضغوطات لإنهاء الحرب. هذا ما اعترف به وزير الخارجية الإسرائيليّ إيلي كوهين منذ أسبوعين. وأضاف: "أقدّر أنّ هناك نافذة زمنيّة تراوح من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع حتى يبدأ الضغط الدوليّ الثقيل".
2- أميركيّاً تزداد الضغوطات على الرئيس جو بايدن، الداعم الأوّل لإسرائيل. وأبرزها تراجع شعبيّته للمرّة الأولى منذ انتخابه، خصوصاً في ولايات تشكّل مرتكزاً للديمقراطيين في الانتخابات (مثل ميتشيغان وبنسلفانيا وجورجيا)، وفي وقت بدأت عملياً المعركة الانتخابيّة في أميركا منذ بداية الشهر الجاري. دفعت هذه الضغوطات بالرئيس الأميركيّ إلى زيادة الحركة باتجاه رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو للقبول بصفقة تبادل الأسرى التي تجري حالياً. وربّما ستزداد لقبول إسرائيل فعليّاً بهُدن إنسانيّة والسماح بدخول مساعدات بكميّات أكبر إلى قطاع غزّة.

أوروبا مقسومة... والعرب ضدّه
3- أوروبياً: برز الانقسام في الموقف حيال الحرب الإسرائيليّة على غزّة. انقسام يبدو أنّه يتنازع فرنسا من الشرق والجنوب والشمال:
- على حدودها الشرقيّة تذهب ألمانيا، ومعها دول أوروبا الوسطى، بعيداً في دعم إسرائيل. ربّما يمكن فهم هذا الموقف في إطار الانسجام مع الموقف الأميركيّ نظراً لحاجة هذه الدول إلى استمرار دعم واشنطن لأوكرانيا في حربها ضدّ روسيا. ولكنّه أيضاً يبدو "تكفيراً" عمّا فعله النازيّون باليهود في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. فقد وجدت ألمانيا في التهديد الذي شكّله هجوم حماس على وجود إسرائيل فرصة مناسبة لتقديم المزيد من "أضاحي التكفير" من خلال التضحية بالشعب الفلسطينيّ وقضيّته المحقّة.
- على حدودها الجنوبيّة والشماليّة، تستمرّ إسبانيا وبلجيكا، ومعهما إيرلندا، في رفض الحرب الوحشيّة الإسرائيليّة، وتطالبان بوقف النار الفوريّ في غزّة. وقد أعلن رئيسا حكومة البلدين عزمهما الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة وطرح هذه المسألة في الاتحاد الأوروبيّ.

4- عربياً: بلورت القمّتان العربيّة والإسلاميّة موقفاً عربياً وإسلامياً متشدّداً في رفض الحرب على غزّة، والمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، وبرفض التهجير القسري للفلسطينيين، وبضرورة العودة إلى حلّ الدولتين بحدود 1967 وبحسب المبادرة العربيّة للسلام. ويقوم الوفد الوزاري المنبثق عن القمّتين بزيارة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن للضغط في هذا الاتجاه.

ارتباك جيوسياسيّ في المشهد الفرنسيّ
في الداخل الفرنسيّ تزداد الضغوطات على إدارة الرئيس ماكرون للعودة إلى سياسة التوازن في الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ. رسالة السفراء من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المعارضة لسياسته شكّلت نقطة فاصلة فيها. بيد أنّ هناك عوامل أخرى سبقتها ورافقتها:
- المظاهر المعادية للساميّة.
- ومخاطر انقسام داخل المجتمع الفرنسيّ.
- تحوّل في الرأي العامّ الفرنسيّ لمصلحة الفلسطينيين.
- تزايد التظاهرات المؤيّدة للفلسطينيين وأعداد المشاركين فيها.
من البديهي القول إنّ انحياز الرئيس الفرنسيّ لإسرائيل ربّما في جزء منه شخصيّ. فقبل أن يُنتخب رئيساً عمل ماكرون سنوات في مصرف روتشيلد (سليل العائلة اليهوديّة الشهيرة في أوروبا في عالم المال والتي ساهمت في بلورة مشروع دولة إسرائيل الصهيونيّ منذ القرن التاسع عشر، وفي تمويل هجرة اليهود من مختلف دول العالم إلى دولة إسرائيل الموعودة). لذلك يخضع الرئيس الفرنسيّ للضغوط الإسرائيليّة التي تزداد عليه في كلّ مرّة يقترب فيها من سياسة التوازن.
لكن أبعد من الأسباب الشخصيّة، يعود سبب ارتباك الموقف الفرنسيّ إلى الواقع الجيوسياسيّ:
- ففرنسا دولة في قلب القارّة الأوروبيّة وليست جزيرة مثل بريطانيا لتكون أكثر تحرّراً ووضوحاً في خياراتها الاستراتيجيّة. وهي دولة مؤسّسة للاتحاد الأوروبيّ وأحد أعمدته الأساسيّة.
- هي دولة متوسطيّة، تقع على حدود الشرق الأوسط ولها حدود بحريّة مع العديد من الدول العربيّة، ومع إسرائيل، وتقود شراكة متوسطيّة بين الاتحاد الأوروبيّ ودول المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي. ولها علاقات تاريخيّة وثقافية مع العديد من دول المنطقة ومصالح اقتصاديّة وتجاريّة.
- هي دولة أطلسيّة، حريصة على التحالف الاستراتيجيّ مع الولايات المتحدة الأميركيّة، الضروريّ لأمن أوروبا، خاصّة في ظلّ الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسيّ لأوروبا.

هل يحمل ماكرون مبادرة ما في جعبته؟
لا يبدو ذلك مؤكّداً. فهو لا يحمل سوى الارتباك في الموقف. بالتالي ربّما ستُشكّل زيارته للشرق الأوسط فشلاً يُضاف إلى سلسلة السياسات الفاشلة التي ميّزت رئاسته، خاصّة في الشؤون الخارجيّة.
الفشل في لبنان، ليس الأهمّ جيوسياسياً بالنسبة لفرنسا، لكنّه الأكثر وضوحاً. وسيزداد إذا ما عرّج ماكرون على لبنان في ظلّ استمرار انسداد الأفق في الملفّ الرئاسيّ اللبنانيّ والغموض الذي يلفّ موقع قيادة الجيش، والأهمّ استمرار الحزب في قراره خوض حرب الإلهاء في الجنوب ضدّ الجيش الإسرائيليّ.

  • شارك الخبر