hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

29303

1006

123

297

12047

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

29303

1006

123

297

12047

شريط الأحداث

ليبانون فايلز - مقالات مختارة - شربل بو مارون - الجمهورية

لبنان... بين خزرستان وفنزويلا

الثلاثاء ٢٥ آب ٢٠٢٠ - 07:06

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

اكتشف الصينيون صناعة الحرير قبل نحو 5000 عام، واكتسبوا مهارات مبهرة في تطويره وتطريزه وإتقان صنعه، حتى أصبح قبلة أنظار العالم القديم. مع حلول الألفية الأولى قبل الميلاد، بدأ الحرير يسلك طريقه من الصين إلى كافة أنحاء العالم القديم، انطلاقًا من الشرق الأقصى مرورًا بآسيا الوسطى، عابرًا انطاكيا والشرق الأدنى وصولاً إلى أوروبا، عبر شبكة من الطرق والمسارات المحدّدة، تصبّ في طريقين رئيسيتين، إحداهما شتوية والأُخرى صيفية، تلتقيان في مدينة قاشغر عاصمة إقليم تركستان الشرقية، «المعروفة اليوم بإسم شينجيانغ الذاتية الحكم، بعد أن احتلتها الصين عام 1949، غالبية سكانها من الإيغور الذين هم أقلية عرقية تركية تنتمي عرقيًا وثقافيًا إلى المنطقة العامة لوسط وشرق آسيا ودينيًا للإسلام». أصبحت هذه الطرق تُعرف في ما بعد بإسم «طريق الحرير».

انتظمت مسارات طريق الحرير منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وظلّت منتظمةً حتى مطلع القرن الخامس عشر، حيث بدأت بالاندثارلأسباب عدة أبرزها الحروب المغولية- العربية الإسلامية، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، حيث بدأت خلالها طرق الملاحة تتحول من البر إلى البحر، إذ اكتشف التجار مسارات بحرية أكثر أمنًا من الطرق البرية.

أدّى توقيع بعض المعاهدات بين الدولتين الصفوية (الإيرانية) والعثمانية (التركية)، ولا سيما منها معاهدة زهاب، إلى إعادة طريق الحرير والتجارة البرية لبعض الوقت، إلى أنْ اندثرت كليًّا مع حفر قناة السويس.

خلال الخمسة آلاف عام، لم يكن الحرير السلعة الوحيدة التي سلكت طريق التجارة البرية، بل كان طريق الحرير خلال كل تلك المدة معبرًا ثقافيًا واجتماعيًا له أثر عميق في المناطق التي يمرّ بها، كما وساهم في التبادل الحضاري وفي تطور الإنسانية وازدهارها.

كانت السيطرة على طريق الحرير تعني السيطرة على الاقتصاد العالمي، وقد انتقلت السيطرة عبر التاريخ من الصينيين إلى الرومان فالبيزنطيين، فالعرب المسلمين، إلى سلالة تانغ، مرورًا بالقبائل الصغد- تركية، وصولاً الى الأمبراطورية المغولية.

كل الشعوب السابق ذكرها معروفة التاريخ، لكنّ خانية الخزر يغفل بعض المؤرخين عن ذكرها، فقد كان الخزر شعبًا تركيًا شبه بدوي مؤلفاً من كونفدرالية من القبائل الناطقة بالتركية... أنشأت هذه الكونفدرالية في أواخر القرن السادس الميلادي أمبراطورية تجارية كبرى كانت تغطي القسم الجنوبي من روسيا الأوروبية الحديثة. لقد خلق الخزر أحد أقوى الأنظمة السياسية، وأصبحت خزرستان التي كانت شريانًا تجاريًا رئيسًا بين أوروبا الشرقية وجنوب غرب آسيا، واحدة من أهم الأمبراطوريات التجارية في العالم خلال العصور الوسطى، حيث قادت الجزء الغربي من طريق الحرير ولعبت دورًا تجاريًا رئيسًا كمفترق طرق بين الصين والشرق الأدنى وإمارة كييف-روس ( كانت الإمارة الأولى التي وحّدت غالبية القبائل السلافية الشرقية، وقد أعلن الأمير أوليغ كييف «أم المدن الروسية»). وعلى مدى ثلاثة قرون سيطر الخزر على المنطقة الشاسعة الممتدة من سهول الفولغا إلى القرم الشرقي وشمال القوقاز.

لم تكن قبائل إمبراطورية الخزر متحدةً عرقيًا، إنما كانت تجمعات من رُحّل السهوب والشعوب التي تبعتها وانضوت تحت القيادة التركية. فكانت إذًا اتحادًا قبليًا متنوعًا بقيادة الأتراك، يضمّ مجموعة متنوعة من الإيرانيين والمنغوليين الأوائل والأوراليين والسيبيريين القدماء... وكانوا يجذبون إليهم البدو والشعوب الأُخرى من بلاد الصغد (حضارة قديمة لأحد الشعوب الإيرانية) أما حكام الخزر فينحدرون من قبيلة «أشينا» التركية التي تمازجت حضاريًا وأُسريًّا مع الصغد، أما ديانة «خزرستان» فقد كانت اليهودية، وتُدين خزرستان بتحولها إلى اليهودية على يد «يهود القوقاز» الفرس.

لسنا هنا لنشرح العلاقة الفارسية - اليهودية التي تعود الى سقوط بابل على يد كورش الكبير الأخميني (الفارسي) وعودة اليهود إلى بلاد كنعان، حيث أعادوا ترميم هيكل سليمان بمباركة وتمويل فارسي، مرورًا بالحلف اليهودي- الفارسي أوائل القرن السابع، حيث اُعطي اليهود حكمًا ذاتيًا في أرض فلسطين، ولا تنتهي فصوله مع «خزرستان».

بالعودة إلى عالم اليوم، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2013 مبادرة «الحزام والطريق» وهي مشروع البنية التحتية الأكثر طموحًا في التاريخ الحديث. يمتد هذا المشروع على أكثر من 60 دولة في ثلاث قارات مستهدفًا 65% من سكان العالم. وسيكلف أكثر من 5 تريليون دولار.

تهدف الخطة إلى تسهيل التجارة العالمية مع الصين، من خلال تمويل الطرق والسكك الحديد وخطوط الأنابيب ومشاريع البنية التحتية الأخرى في آسيا وأفريقيا، وقد تمّ حتى الآن تنفيذ مئات المشاريع ولعلّ أبرزها طريق الحديد الذي يربط الصين بالمملكة المتحدة.

فمن بين الخطط التي تعتمدها الصين للتوسّع، استراتيجية «خيط اللؤلؤ»، وهي نظرية جيوسياسية تشير إلى شبكة من المنشآت والعلاقات العسكرية والتجارية الصينية على طول خطوط الاتصال البحرية، والتي تمتد من برّ الصين الرئيس إلى بورتسودان في شبه الجزيرة الصومالية (القرن الأفريقي). تمرّ الخطوط البحرية عبر عدد من المخانق البحرية الرئيسة، مثل مضيق المندب، مضيق ملقا، مضيق هرمز ومضيق لومبوك، بالإضافة إلى المراكز البحرية الاستراتيجية الأخرى في باكستان وسريلانكا وبنغلاديش ومالديف والصومال.

تُقرِض الصين تريليونات الدولارات لأي دولة ترغب في المشاركة، وقد حققت نجاحًا كبيرًا مع الدول الأقل ديموقراطية، على رغم من انّ الخطة محفوفة بالمخاطر. لكن الصين تمضي قدمًا، لأنّ أهدافها ليست اقتصادية بحتة، بل هي أيضاً جيوسياسية. لكن هذه السياسة تهدف الى ما هو أوسع وأخطر، ويُعرف بـ»ديبلوماسية فخ الديون»، حيث تعمد الصين إلى تقديم ائتمان مفرط إلى بلد مدين آخر، بنيّة استخراج تنازلات اقتصادية أو سياسية من الدولة المَدينة عندما تصبح غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالديون، وهذا ما حصل تحديدًا في مرفأي جوادار في باكستان وهمبانتونا في سريلانكا، فنتيجة التعثر في سداد الديون، استأجرت الصين المرفأ الباكستاني لمدة 43 عامًا، وفعلت الأمر نفسه في سريلانكا.

بالإضافة الى كل ذلك، تمثّل المخاوف البيئية إشكالية لكثير من المعارضين لمشروع «الحزام والطريق»، فالأمثلة كثيرة بما في ذلك إزالة الغابات على طول الطريق السريع - الذي يمتدّ عبر ماليزيا وإندونيسيا وبروناي (نحو 5 آلاف كيلومتر) - والذي يتسبب أيضًا في حدوث انزلاقات أرضية وفيضانات. فضلاً عن ذلك، يتمّ بناء محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، مثل محطة إمبا هونتلو في تركيا، الأمر الذي يؤدي الى زيادة الاحتباس الحراري وذوبان الأنهار الجليدية نتيجة انبعاثات الغازات الدفيئة الزائدة، إضافة الى التصحر وتآكل التربة نتيجة الرعي الجائر والإفراط في الزراعة، وسوء إدارة موارد المياه، وتلوث الهواء والمياه نتيجة لمشاريع البنية التحتية السيئة التخطيط خصوصًا في دول آسيا الوسطى.

الوجهة الأخيرة من جولتنا الجغرافية هي أميركا اللاتينية. ولكن فلننظر عن كثب إلى المثل الفنزويلي حيث التضخم مفرط، وغالبية السلع الأساسية مفقودة من السوق، والتصنيف الإئتماني سيئ جدًا، ومعدلات البطالة والفقر مرتفعة جدًا...

فاليوم، غالبية الناس تسوِّق لتحويل لبنان فنزويلا «ممانعة» جديدة، فمن جهة تحاول «مجموعة الأزمات الدولية» التابعة لجورج سورس حلّ الأزمة الفنزويلية، وتسوِّق لتحويل لبنان إلى فنزويلا جديدة، فيما يدفع محور الممانعة في اتجاه اعتماد الاقتصاد الممانع كفنزويلا والتوجّه شرقًا نحو ايران والصين.

ولكن للتوجّه شرقًا وجب علينا أنْ نسأل بعض الأسئلة اليوم: من هم حلفاء الصين الاستراتيجيون في العالم؟ من هي خزرستان الجديدة؟ علمًا أنَّ قيمة الاستثمارات المتبادلة بين البلدين تقاس بمليارات الدولارات،أضف إلى أنَّ الغاز الإسرائيلي سيُباع للصين، بحيث تبقى روسيا مصدر الغاز الرئيس لدول أوروبا. فهل التوجّه شرقاً يعني التطبيع مع دولة إسرائيل؟

ماذا عن ديبلوماسية فخ الديون؟ فديون لبنان قاربت المئة مليار دولار... ماذا عن الآثار البيئية، في حين يتردد أنَّ الكسارات ستنهش السلسلة الشرقية مما سيؤدي إلى كوارث بيئية غذائية نتيجة اختفاء الحاجز الطبيعي بين السهل الخصب والبادية الصحراوية، هذا إذا أغفلنا التغيير الديمغرافي الذي يمكن أنْ يحصل؟

ماذا عن التطهير العرقي الذي تمارسه الصين في حق إقليم تركستان الشرقية، وسكانها من الايغور المسلمين؟ ماذا عن اضطهاد الأقليات الدينية والإتنية الأُخرى وتحديدًا المسيحيين؟

أخيرًا، إذا كان علينا التشبه بدول أميركا اللاتينية، فلنأخذ تشيلي مثالاً، حيث حقق الـ»شيكاغو بويز» أو فتيان شيكاغو، معجزة اقتصادية حولت تشيلي أفضل اقتصاد في أميركا اللاتينية، حيث طبقوا سياسة منع الاحتكارات وفتح السوق للمنافسة وخصخصة القطاعات المنتجة والعمل على استقرار التضخم، وقد نجحوا في ذلك بفترة قصيرة.

فنحن اذًا اليوم على مفترق طرق، على حدّ قول الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد، إما لبنان في محور يساري ممانع يشبه فنزويلا، أو لبنان حيادي «تشيلي الشرق». الأيام وحدها كفيلة بتحديد أي كفة ميزان سترجح.

  • شارك الخبر