hit counter script
شريط الأحداث

ليبانون فايلز - مقالات مختارة مقالات مختارة - محيي الدين الشحيمي - اساس ميديا

لبنان بين الطائف السوري والطائف الإيراني… وتفريط أميركا به

الإثنين ١٣ أيار ٢٠٢٤ - 06:41

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتظهّر حالياً مقاليد اتفاق كونيّ كبير. حرّك كلّ المناطق المتناقضة ونقاط التماسّ والاشتباك بين الشرق والغرب في العالم، من تايوان الصينية إلى كييف الأوكرانية، وصولاً إلى كشمير وأرمينيا. تتربّع منطقة الشرق الأوسط على قائمة تطوّرات هذا الصفيح الساخن عبر قضيّة القضايا ومقدّمتها القضية الفلسطينية والحرب الدائرة في قطاع غزة، إضافة إلى دول المنطقة المتجاورة والإقليمية. وربّما لبنان أبرزها لأنّه يقع حالياً في وسط المواجهة الدائرة المحتدمة وكالة بين إيران ووحدة ساحاتها وأميركا ومناطق نفوذها…

دفع لبنان على مدار الأزمنة والعصور ديّة حلاوة موقعه الجغرافي وأهمّيته الاستراتيجية، هشاشةً في نظامه السياسي، شقاوةً في تطوّره المؤسّساتي، وترهّلاً في إصلاحه الإداري. فكيف استفادت وحدات الساحات الإيرانية من تواطؤ وتخادم الاتفاقات مع النفوذ الأميركي لكي تحكم السيطرة على لبنان؟!

تعتبر إيران لبنان أولويّة وحاجة ماسّة لتأمين سيرورة مخطّطات حكم الملالي، ونظامه الهادف إلى السيطرة على المنطقة العربية. تستكمل من خلاله الحلزونة الجغرافية المعبّدة، التي تصل بين أذرعها الثورية خارج إيران والحكم المركزي في طهران. في حين لا تعتبره أميركا قضية أساسية. بل لا تعيره أيّ اهتمام، فلا تراه سوى ملحق بأحد ملفّات المنطقة الجوهرية، بدءاً من القضية الفلسطينية وسوريا، وهو الآن في كنف وحضن ولاية الفقيه. هو معروض للبيع دائماً بالنسبة لأميركا.

3 أثمان كبيرة يدفعها لبنان

وبين إيران وأميركا دفع لبنان 3 أثمان كبيرة في تاريخه الحديث:

1- الثمن الأوّل: دفعه مع سياسة ربط النزاع مع سوريا. طبّقته الإدارة الأميركية معها، وخاصة في مرحلة إدارة الرئيس بل كلينتون الديمقراطية التي رفعت شعار “سوريا أوّلاً”. إذ قدّمت لبنان على طبق من ذهب إلى سوريا، إبّان مرحلة حرب الخليج الأولى ودخول الرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين دولة الكويت. عارضت سوريا العراق، فكان اتّفاق بيكر – الأسد في 13 أيلول 1990. شُطب على أثره اتفاق الطائف للمرّة الأولى. وكانت أبرز أسباب هذا الشطب ضعف بعض الموقّعين عليه، ومهادنتهم وإغراءهم بالمكتسبات السلطوية، وإغواءهم بالحصص، وبطش البعض الآخر الحاقد والمتضرّر من استقلال وسيادة لبنان وشذوذه عن القاعدة. فدخل لبنان مرحلة “الطائف السوري”.

لاححقاً حاولت أميركا عبر سوريا الوصول إلى تسوية كبرى وشاملة في المنطقة. سعت إلى تقليص النفوذ الإيراني الشره في وصوله إلى السواحل المتوسّطية. لكن كانت النتيجة عكس ذلك تماماً. استغلّت سوريا السياسة الأميركية، واستلبت إيران عبر نفوذها على لبنان. راعت واشنطن سياسة الأسد الأب. غضّت الطرف عن الحزب في لبنان على مدى عقد من الزمن مكّنت خلاله النظام السوري من تشديد قبضته على لبنان. وتمكّن الحزب، وإيران ضمناً، من إحكام بأسيهما في أوساط المكوّنات اللبنانية عبر حمايته الفساد وعبر شعار “الإدارة لكم والسلطة لنا”.

2- الثمن الثاني: بلغ الصدام بين إيران وأميركا أوجَه في عامَي 2003 و2004. سدّد لبنان الثمن الثاني بعد ولادة القرار 1559 الذي أدخل لبنان في أتون حقبة سوداء مستعرة. خسرت سوريا في خروجها من لبنان. لكن خسر لبنان أكثر عبر دخوله العصر الإيراني الجديد. كانت انطلاقته مع سلسلة من التفجيرات والاغتيالات، أوّلها محاولة اغتيال النائب والوزير السابق مروان حمادة، وأشرسها وجوهرها اغتيال كبير شهداء السياسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. أطبق الحزب وإيران على لبنان وعُلّق اتفاق الطائف مرّة ثانية عبر النهج الفارسي. وخلال هذا العهد استُبيح الدستور، وهُتكت القوانين. ساهمت المرحلة بمزيد من حالة الخراب اللبنانية، مع تأليب الجهات المحلّية اللبنانية بعضها على بعض. وظهر الدعم النافر لفريق على آخر عبر المال والسلاح.

3- الثمن الثالث: أدّى لبنان الفاتورة الثالثة بعد أحداث 7 أيار 2008، عندما احتلّ الحزب بيروت. كُسرت هيبة الدولة مع ارتفاع أعلام الأحزاب بدل العلم اللبناني. أسّست هذه المرحلة بداية الطعن الجدّي في لبنان، عبر العنف المسلّح، وتصفية الخصوم والقضاء عليهم عبر الاغتيال والتصفيات الجسدية. فقد قيّدت القدرة على التحرّك لمصلحة الدولة الديمقراطية. دخل لبنان عصر الطائف الفارسي مع تطبيق اتفاق الدوحة. خُلقت أعراف جديدة من أجل تقاسم السلطة في مجلس الوزراء. كانت تبتغي النيل من سلطة مجلس الوزراء، وحصر صلاحيّات رئيس الحكومة ببدع وتعدّيات طارئة. رُسمت أهداف الاحتلال الإيراني من خلالها بوضوح، وهي إبعاد الدولة اللبنانية عبر مؤسّستها التنفيذية عن المدار العربي.

“الكباش” بين إيران وأميركا زاد في وتيرة تدمير لبنان ومؤسساته. ما أدّى إلى ضمور لبنان وفكرته، وعبوره من حلم “الدولة” المدنية إلى وحل المذهبية، وليس الطائفية فقط، بل أضيق. وهذا على عكس ما سعى إليه اتفاق الطائف، الذي حمل لواء المواطنة وبناء دولة القانون والمؤسّسات.

لبنان سجين الاتّفاق الجديد

يمكن القول إنّ الدور الإيراني، في هذه المشهدية، “خادم” للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. فلا مشكلة عند الإدارة الأميركية، وخاصة الديمقراطية منها، في امتلاك إيران التكنولوجيا النووية المنضبطة ضمن حدود الاتفاق. لا توجد لديها ممانعة لطموح إيران الإقليمي وتمدّدها الجيوسياسي. خصوصاً أنّها تغرق المنطقة بالفوضى. وتزيد من ضعف الدول العربية. وهذا ما يجعل الكيان الإسرائيلي مرتاحاً أكثر.

بدّل نظام الملالي الإيراني أهدافه وقناعاته ناحية الكيان الإسرائيلي، فلم يعد يعمل على شطبه وزواله، بل بات يطالب بتطبيق القرارات الدولية. هذا ما أراح الأميركي. وحالياً تبطئ هذه الأحداث الخطوات الصينية الاستثمارية في المنطقة، وهو ما يصبّ كذلك في مصلحة أميركا.

إيران مقتنعة بأنّ انجرارها إلى إلى حرب مباشرة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. فحرب كهذه ستنهي كلّ مكتسباتها في الهيمنة والتمدّد. وأيضاً تؤمن الولايات المتحدة الأميركية بأنّ سقوط النظام الإيراني حالياً له انعكاسات استراتيجية، لا تصبّ في مصلحتها. لذلك يحرص الطرفان على اتّباع المراعاة الدقيقة لقواعد الاشتباك، مع ضبط المواجهة وفقاً لمصلحتهما.

تحاول الجمهورية الإيرانية من خلال قبولها بالتعاون الوظيفي والتخادمي مع أميركا مرحليّاً، ومن خلال المفاوضات الدائرة، أن تتحوّل في لحظة استراتيجية معيّنة إلى قطب إقليمي تنتقل معه من دورها في صناعة الفوضى، وتفجير بؤر الصراع في المنطقة العربية، إلى انتهاج دور الإدارة التشاركية الإقليمية لهذه المنطقة. تحاول بلوغ هذه المرحلة عبر نظريّة الصبر الاستراتيجي، والجبهات المستترة وحروب الظلّ بالوكالة. تستثمر في المنطقة العربية الواقعة بين البحرين الأحمر والمتوسّط في سبيل إدراك مرحلة النفوذ على المكشوف.

لا تمانع الإدارة الأميركية ذلك أبداً. فهي التي فتحت الباب العربي لطهران بعد سقوط بغداد في عام 2003. أدخلتها أيضاً المنطقة العربية في فترة الربيع العربي. وإيران تتطلّع عبر تسويق نظرية “وحدة الساحات” إلى السيطرة على القضية الفلسطينية، من خلال حرب غزة. إنّها المدخل العريض لدخولها قلب العالم العربي. والغريب أنّ الإدارة الأميركية تساعدها على ذلك.

تستمرّ هذه المشهدية الاتفاقية، فيما تحوّل لبنان إلى “أرض مشاغلة وإلهاء” في جنوب لبنان. أضحى مركزاً حصرياً لقواعد الاشتباك، التي سكتت في كلّ مكان ما عدا لبنان. تحوّلت فكرة “وحدة الساحات” إلى “ربط لبنان بكلّ الساحات”. وهذه دلالة على عجز الدولة وهشاشة نظامها. هي إشارة إضافية إلى انعدام مقدّرات الدولة، واضمحلال قوانينها، والنيل من دستورها.

لا تزال الأسباب المانعة لفكرة تطوّر الدولة موجودة ومشهودة. تبقي هذه الموانع لبنان رهينة وضحيّة الخرائط، والتراشق والتصادم وتقاسم النفوذ. هذه الموانع تبعد الدولة عن قيامها بأبسط واجباتها الشرعية. فهل يبقى لبنان رهينة؟ هل يستمرّ بهشاشته؟ هل يكون على الطاولة مع رئيس للجمهورية فيما العالم على مشارف اتّفاق عصري ومبتكر على ساحاته البينيّة الجديدة؟

  • شارك الخبر