hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

677147

1409

257

10

635626

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

677147

1409

257

10

635626

ليبانون فايلز - مقالات مختارة مقالات مختارة

فرنسوا إبن الأعوام السبعة: ماما ليش بيكرهونا؟

الأربعاء ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢١ - 06:51

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بحكم "التلاصق" الجغرافي، وصلات القربى بين شعبي لبنان وسوريا، تبدو اللهجة السورية في لبنان مألوفة، لكن صراعات الماضي القريب والبعيد، وتداعيات أزمة النزوح السوري، حركت مشاعر الكراهية، المكبوتة والمعلنة، لدى شرائح كبيرة من اللبنانيين، وأمضاها تلك التي تطاول طفلاً سورياً في السابعة من عمره ذنبه أن لا ذنب له في تحمّل ما لا يُحتمل سوى أنه يتحدث باللهجة السورية، على الرغم من كونه وُلِد وتربّى ويعيش طفولته في منطقة الأشرفية في بيروت.

إكتسب فرنسوا عيسى أو كما يحب أن ينادوه "فرانكو"، اللهجة السورية من والدته سماح لوجود والده عبد المسيح في الـ "سناك" القريب من المنزل. الوالدان سوريان حلّة ونسباً (من درعا). الأب يعيش في لبنان منذ أكثر من 35 عاماً، ويستحيل، متى تحدث إليك، أن تلاحظ أي أثر للهجة الشوام أو الحلبيين أو سواها من لهجات أبناء سورية. لهجة الأب بيروتية خالصة، لا تتمايز عن لهجة أبناء الأشرفية بشيء.

"أنا كل الوقت وحدي، رفقاتي ما بيلعبوا معي لأني سوري" بهذه الكلمات وبحزن شديد يختصر فرانكو معاناته بسبب لهجته السورية بين أصدقائه في الحي البيروتي حيث يسكن مع عائلته. وُلد فرنسوا، وسط الأشرفية، في حي متواضع، بين عائلات لبنانية زرعت في داخله شعوراً بالإختلاف تُرجم رفضاً له ونفوراً منه وتنمّراً مدمّراً لنفسية الطفل.

اعتبر فرنسوا، الذي يتلقى تعليمه في مدرسة القديس يوسف في الأشرفية، انه لا يختلف عن غيره من الأطفال بشيء، حتى وإن اختلفت لهجته عنهم. واستغرب كيف بعض أطفال حيّه يقولون له "أنت سوري بتنام عالأرض" وهو ينام على سرير عادي مثلهم تماماً. في الجلسة العفوية مع "نداء الوطن" باح فرنسوا بما ينغّص عليه حياته وكشف عن مواقف التنمر التي لطالما تعرّض لها، في كل مرة حاول فيها الإنخراط مع حلقة لهو تضم أطفالاً من سنه أو رغب بمشاركتهم اللعب. تارة يتوجهون إليه بالكلام النابي طالبين منه العودة الى سوريا، للّعب وطوراً يزعجونه ويضربونه ويطردونه بالقوة.

كمعظم من هم في سنّه، يعشق فرنسوا ( أو فرانكو) لعبة كرة القدم. وهناك، في ملعب مجاور لمنزله، يتجمّع أولاد الحي في أيام العطل، وساعات الفراغ للعب والركض خلف الكرة المستديرة. مراراً أبدى رغبته بمشاركتهم اللعب ولم يتقبّلوه في صفوفهم كواحد منهم. وتكراراً يعود فرانكو الى البيت خائباً محبطاً محطّماً ليطرح على والدته سؤالاً، تجهل حتى الساعىة الإجابة عليه "ماما ليش بيكرهونا لهالدرجة؟"

تطغى على شخصية فرانكو صفة الخجل، وعند التعرّف عليه أكثر عن كثب تظهر لك شخصية أخرى جريئة وطموحة وذكية. فهو الذي يحلم بأن يصبح "يوتيوبر" كي يطل على العالم كله من دون أن يميّز بين جنسياتهم أو طوائفهم أو غيرها من عوامل الإختلاف ويحاول التأثير بهم على طريقته.

يقف الوضع الإجتماعي عائقاً أمام حلم فرانكو الخجول، إذ يقول حين تسأله عن حلمه حين يكبر "كان بدي صير يوتيوبر بس ما عاد بدي لما عرفت أن أغراضه غاليين"، ويقصد الهاتف الخلوي والإشتراك في الإنترنت أو شراء لابتوب. أما أكثر ما يميّز شخصية هذا الطفل هو تشبّعها من قيم المحبة والتسامح وعدم الإستسلام للواقع ومحاولة إظهار شخصيته والتعريف عن نفسه علّه يصادف من يتقبّله كما هو، من دون أن يضطر الى تغيير لهجته.

في السياق، حاول فرنسوا التشبّه بوالده لإتقان اللهجة اللبنانية قائلاً "حاولت قلّد بابا بالحكي ما قدرت". كما حاول مرة أخرى أن يتحدّث بلغة الإشارات في أحد الأنشطة الترفيهية التي أقامتها بلدية المنطقة حتى يتمكن من اللعب مع بقية الأولاد والمشاركة في النشاط من دون أن يتم طرده أو رفضه إذا تحدّث بلهجته السورية.

لا يطلب فرانكو الكثير، جلّ ما يريده ألا يشعرونه بأنه مختلف عن بقية الأولاد من عمره ولا يعاملونه على أنه مرفوض بين رفاقه. هو يقضي اليوم معظم أوقاته مع والدته في المنزل يتصفّح "يوتيوب" ويرافق كلبه الجديد في نزهات حول المنزل كما يحاول التمرن على كرة القدم بمفرده كونها رياضته المفضّلة وسبق لفرانكو أن فاز بميدالية في أحد النشاطات الرياضية المرتبطة باللاجئين السوريين في المنطقة.

عبدالمسيح، والد فرنسوا، يحمل الجنسية السورية لكنه ترعرع وتعلّم وعمل في لبنان منذ 35 عاماُ، واجه في خلالها الاضطهاد (المعنوي) ورفض بعض المجتمع اللبناني له، إلا أنه تمكّن من تخطي كل هذا من خلال إصراره على التأقلم وتخطي الحواجز النفسية التي وُضعت في طريقه. وهكذا صمد وقرر إنشاء عائلة في لبنان. تزوّج ورزق بفرنسوا وهو يحاول منذ ذلك الحين بشتّى الطرق إبعاد معاناته والمضايقات التي تعرّض لها والتجارب المرّة، عن طفله.

"لا أريد أن يعيش فرنسوا ما عشته أنا في لبنان"، قال عبدالمسيح. وأشار الى أن الإنخراط في المجتمع اللبناني صعب جداًّ فمهما حاولت إظهار أنك منه يأتي من يذكّرك بأنك مختلف. يتفهّم عبدالمسيح هذا الأمر خصوصاً أن الصورة النمطية التي تركها بعض أبناء بلده في لبنان لا تمثّل غالبية الشعب السوري ولكنها تدفع بالبعض الى إعتماد نظرة شمولية للحكم على كل من يحمل الجنسية السورية، بحسب رأيه. وعلى الرغم من كل الصعوبات يحاول عبدالمسيح التأقلم ومساعدة طفله "فرانكو" على مواجهة التحديات بحب وسلام. ويدعمه معنوياُ للصمود بوجه الضغوط النفسية ومشاعر الكراهية التي يتعرّض لها من المحيط القريب.

على الرغم من إيمان عبدالمسيح الراسخ بأن الكراهية دائماً يمكن أن تُواجه بالحب، والحب لا بد أن ينتصر في النهاية إلا أنه على ثقة بأن لا مستقبل لإبنه في لبنان، وهو يحاول تأمين الهجرة لعائلته علّه يستطيع أن يساعده في الخارج أن يتعلّم ويندمج بالمجتمع الجديد حتى يتمكن من تطوير نفسه أكثر وشق طريق مستقبل لائق له.

والدة فرنسوا سماح ترافقه معظم الأوقات وتحاول دائماً تشجيعه للمبادرة بالتحدث الى أصدقاء جدد والتعريف عن نفسه ودفعه لإظهار جانب شخصيته لهم إيماناً منها أنه عندما يتعرفون على إبنها سيرغبون باللعب معه مهما كانت خلفيته أو جنسيته أو لهجته.

وعند سؤالها ما إذا كان هذا الأمر يشكل عامل ضغط عليها ويشعرها بالتعب لإضطرارها دائماً الى استيعاب أشكال الكراهية التي يتعرّض لها طفلها ومظاهر التنمر ومحاولة حمايته نفسياً وتحصينه وتقوية شخصيته، قالت سماح وفي صوتها شيء من الحزن والأمل "أنا ما بتعب، ولكن بزعل..." وأضافت متأسفة "حرام يصير عنده عقدة من أنه هو سوري، حرام".

وكشفت والدة "فرانكو" على أن وحيدها بات أحياناً هو المبادر إلى تجنّب اللعب مع الأطفال أو الإقتراب منهم خوفاً من أن يتعرض للرفض أو للتنمر من قبلهم. وأشارت الى انها تشعر بأن إبنها بات يفضّل الوحدة والصمت ويعتبر أن اعتماد هذا الأسلوب قادر على حمايته من مواجهة أي كراهية ممكن أن يواجهها بسبب لهجته السورية وجنسيته.

تعالج سماح كل مشاكل بيتها الصغير بالسلام والهدوء بعيداً من أجواء الكراهية وعدم تقبل الآخرين وإختلافاتهم، ولا تفعل ما قد يفعله الآخرون، من غرس أفكار البغض في عقول أولادهم وتربيتهم على مفاهيم تعزز الكراهية. بالإشارة الى بعض أطفال الحي يرددون ما يسمعونه من أهلهم "هيدا معه كورونا ما تقربوا عليه" أو يطبقون مبدأ الفصل "انت سوري بتنام عالأرض، روح العب ببلدك..." عبارات وكلمات لم يتفوه بمثلها فرنسوا يوماً.

في الوقت الذي تحارب سماح عيسى وتكافح لتغذية طفلها فرانكو بقيم المحبة والسلام وتغمره بكل ما لديها من عاطفة وطمأنينة لتشعره بأن كل مآسي هذا العالم ومشاكله بسيطة أمام إيماننا وحبنا وتقبلنا لواقعنا وللآخرين. وشددت سماح على انها على علم بضرورة وأهمية متابعة ابنها من قبل اختصاصي صحة نفسية خصوصاً في مثل هذا العمر الذي يكوّن فيه شخصيته. لكنها في الوقت نفسه أسفت بأنها لا تملك أي توجيهات سليمة ترشدها لكيفية معالجة هذا الأمر ومتابعته مشيرة الى الوضع الإجتماعي والبيئة التي تعيش فيها.

ما يميّز عائلة عيسى المتواضعة إصرارها على مواجهة الكراهية والإضطهاد والتمييز بالحب، وقد نجح الزوجان سماح وعبدالمسيح إلى حد ما في ترسيخ هذه القناعة في ذهن طفلهما على الرغم من الحواجز النفسية التي يضعها "بعض" المجتمع اللبناني التي تحول دون الإندماج بين الأطفال. وكل ما يُرجى أن تتلاشى الكراهية في كل مجتمعات العالم كي لا يُحرم الأطفال من الحلم بالعيش في مجتمع مثالي متسامح ومنفتح اضطروا، مكرهين أو مخيّرين، للعيش فيه. والرسالة التي توجهها عائلة فرانكو الى كل العالم "لا تظلموا أطفالنا ولا تحكموا علينا بأحكام مسبقة قبل أن تتعرفوا علينا".

قد يتمكن فرنسوا يوماً ما من تحقيق حلمه وهدفه بأن يصبح "يوتيوبر" ويتحدث عن تجربته بجرأة أمام الجميع وكيف حارب الكراهية بمساعدة عائلته بكل حب وانتصر على كل العوائق الاجتماعية التي واجهها كونه سوري الهوية ويعيش في منطقة لها تجارب مؤلمة مع النظام السوري، عمرها أكثر من أربعة عقود.

كريستل خليل- نداء الوطن

  • شارك الخبر