hit counter script

ليبانون فايلز - مقالات مختارة مقالات مختارة - جوني منيّر - الجمهورية

"طلائع الأقصى" تحاكي القرار 1701

الخميس ٧ كانون الأول ٢٠٢٣ - 08:17

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

إستمع للخبر


ليس تفصيلاً قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة سريعة للسعودية ودولة الإمارات قبل أن يعود الى موسكو ليستضيف بعد ساعات الرئيس الإيراني. فمنذ إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في حقه بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في آذار الماضي وبوتين يغيب عن الاجتماعات الدولية «حتى لا يتسبّب بحَرج للدول المنظمة». وبالتالي، فإنّ اهمية زيارته الخليجية تكمن في توقيتها المتعلق بحرب غزة والنتائج المترتبة منها.

والواضح أنّ الادارة الاميركية تراجعت حماستها للحرب الدائرة في غزة، قياساً الى ما كان عليه موقفها غداة عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول الماضي. يومها دعمت واشنطن العمل العسكري الاسرائيلي بنحو كامل ومطلق، لا بل انخرطت فيه بنقل القوة العسكرية الضاربة للجيش الاميركي الى المنطقة.

أما اليوم فعدا خروج الخلافات بين واشنطن وتل أبيب الى العلن، فإنّ الادارة الأميركية عمدت الى إنزال عقوبات في حق مستوطنين اسرائيليين، وهي خطوة نادرة في تاريخ العلاقات الأميركية ـ الاسرائيلية.

وعملت إدارة بايدن على تحويل قضية تبادل الأسرى بين الاسرائيليين والفلسطينيين الى عملية سياسية تفتح الباب أمام ترتيبات سياسية كبرى تُعيد رسم الخريطة السياسية في الشرق الاوسط.

لكن الحسابات الاسرائيلية كانت مختلفة كلياً، حيث اندفع نتنياهو مع الاحزاب الدينية المتطرفة في استكمال مشروع «اقتلاع» الفلسطينيين من غزة والضفة مرة واحدة ونهائية على ما يعتقدون. وفي ذلك «خطوة تاريخية» ستسمح لهم لاحقاً بالتعويض داخلياً عن كارثة عملية «طوفان الأقصى».

وقيل انّ وزير الخارجية الأميركي انطوني بلينكن وخلال زيارته الأخيرة الى اسرائيل، قال خلال مشاركته في اجتماع الحكومة المصغرة، أي حكومة الحرب، انّ ادارته ترفض خطوات اسرائيل لتهجير الفلسطينيين. كذلك أكد تمسّك واشنطن بضرورة وضع حدود زمنية لوقف الحرب، على أن لا يتجاوز هذا الموعد مهلة الشهر. وأيضا شدد على رفض استهداف فلسطينيي الضفة الغربية.

وقيل انّ كلام بلينكن أزعَج اليمين المتطرف. ذلك أنّ التقارير التي كانت وردت الى واشنطن أشارت الى تركيز الوزير المتطرف بن غفير على الضفة الغربية حتى قبل غزة. وهو يعمل لاقتناص الفرصة لتوسيع حركة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين. ولأجل ذلك عمدَ الى توزيع السلاح على جميع المستوطنين في الضفة بذريعة «الدفاع عن النفس»، فيما الحقيقة أنه يريد العمل على دفع الفلسطينيين الى خارج الضفة.

أمّا نتنياهو فهو يتمنّع عن تقييد عمل الأحزاب المتطرفة بذريعة أنه ليس في مصلحته التصادم مع هذه الاحزاب ما سيهدد ائتلافه الحكومي، أما الحقيقة فإنّ نتنياهو أصبح متحالفاً في العمق مع هذه الاحزاب المتطرفة.

لذلك باشرت واشنطن في إظهار النقاط الخلافية مع الحكومة الإسرائيلية، تمهيدا لدفع تل أبيب الى وقف الحرب مطلع السنة المقبلة. فلإدارة بايدن المحشورة داخلياً بسبب الإنتخابات الرئاسية، رؤية أخرى لجهة عدم اضاعة الوقت والذهاب لإنجاز ترتيبات عريضة على مستوى المنطقة بعد أن أنضَجت نار غزة «طبخة» الترتيبات في الشرق الاوسط.

فإيران اصبحت جاهزة لإنجاز الصفقة، خصوصاً انّ الاستراتيجية التي عملت وفقها وحققت لها تقدما كبيرا على مستوى النفوذ في ساحات الشرق الاوسط والمعروف بمحور المقاومة، استهلكت حرب غزة كثيراً من عناصر قوته ما جعل عامل الوقت في غير مصلحته، وبالتالي أصبحت المصلحة الايرانية تقضي بوضع ما عُرف باستراتيجية الصبر جانباً، والذهاب الى ترجمة المعادلة الميدانية بمعادلة سياسية حان وقت ترسيمها.

ووفق هذا التوقيت الحساس إختار بوتين لحظة عودته الى المسرح العالمي من بوابة الشرق الاوسط التي حافظ فيها على حضوره النافذ من خلال قواعده العسكرية في سوريا. ويبدو أنّ الترتيبات على الساحة الدولية باتت تسمح له بهذه العودة، والمقصود هنا الاداء الغامض لإدارة بايدن.

وكان لافتاً الاعلان وبنحوٍ مفاجئ عن إلغاء الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلنسكي مشاركته المقررة عبر الانترنت لاجتماع مع مجلس الشيوخ الأميركي، والذي كان يهدف الى تأمين حزمة مساعدات جديدة تعتبرها كييف أساسية وضرورية لاستكمال حربها العسكرية ضد الجيش الروسي. وظهرت تفسيرات في أنّ إلغاء زيلنسكي مشاركته هذه سببه معرفته بعدم تجاوب مجلس الشيوخ الأميركي مع مطالبه.

وبعد الهجوم العسكري الفاشل للجيش الأوكراني تراجعت المساعدات العسكرية الاميركية له بحجّة أولوية دعم اسرائيل. وهو ما يعني ضمناً أنه لم يعد امام زيلنسكي سوى البحث عن تسوية سياسية مع بوتين تقضي بالقبول ببعض مطالبه. وهذا ما وضع بوتين في وضع أفضل، جعله أكثر هدوءاً في تعاطيه مع حرب غزة، وسمح له تالياً بالخروج من عزلته والقدوم الى الخليج العربي للبحث عن دور بلاده.

وخلف الدخان المتصاعد من غزة، كانت حركة تواصل لا بل تفاوض ناشطة تحصل بين واشنطن وطهران عبر الوسيط العماني.

وهذه الحركة كانت قد أنتجت عدم توسّع دائرة الحرب في المنطقة. وأيضاً «دَوزنة» جبهة لبنان. لكن ثمة من يعتقد أنّ الكواليس تعجّ بمشاريع التسوية السياسية، والتي يجب أن تمهّد للمؤتمر الدولي الذي سيعقب إعلان وقف النار.

وخلال الأيام الماضية استقبل وزير الخارجية الايراني حسين امير عبداللهيان نظيره العماني في طهران. وبعد الاجتماع جَدّد عبد اللهيان قرار بلاده بعدم توسيع دائرة الحرب. لكنّ كلامه حمل كثيراً من الغمز، وهو ما أوحى بأنّ مهمة وزير الخارجية العماني لها علاقة بالمشهد العريض في المنطقة.

فخلال المرحلة الأخيرة تصاعدت أعمال احتجاز السفن عند «باب المندب» والبحر الاحمر تحت عنوان مساندة غزة. وعلى رغم من إعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن هذه العمليات وتَنصّل إيران منها، إلا أنه كان واضحاً للأميركيين أنّ إيران تقف خلفها. وعلى رغم من ذلك بقي الرد الأميركي تحت سقف مضبوط جداً.

فاختطاف السفن بعد اختيارها بدقة ومراقبة مسارها، ومن ثم تنفيذ عمليات الاحتجاز، إنما كل ذلك بحاجة الى تدريبات عالية وتقنيات كبيرة غير متوافرة لدى الحوثيين بمفردهم. لذلك كان الاقتناع بأنّ إيران أشرفَت مباشرة على هذه العمليات. وهي قد تكون رسائل جوابية ميدانية على مفاوضات تدور في الكواليس وتتعلق بمدى نفوذ إيران. وفي إحدى المرات عملت سفن حربية اميركية على إحباط عمليات الاختطاف، ما فسّر أنه عدم موافقة أميركية على حجم النفوذ الذي تطالب به طهران. لكن الجواب الايراني جاء عبر توجيه صاروخ الى السفينة الأميركية. صحيح أن الصاروخ غير متطور وكان معروفا أن من السهل إسقاطه، إلا أن الرسالة الايرانية كانت واضحة بالتمسك بالحجم الذي تطالب به ولو بالقوة.

واشنطن اكتفت بتلقّي الرسائل الميدانية الايرانية والتي لا تحمل طابع الخطورة وتهدف الى تسييلها في كواليس التفاوض، لكنّ ذلك لم يمنع من ارتفاع الاصوات في لجنة الشؤون الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ والتي انتقدت ما وصفته «التراخي» من جانب ادارة بايدن مع الحوثيين وايران على حدّ سواء، والاستمرار في اتّباع سياسة الاسترضاء.الا انّ هذا لا يعكس حال الادارة المتمسكة بإنجاز تسوية تاريخية في الشرق الاوسط قد حان وقتها.

على انّ تمسّك البيت الابيض بسياسة عدم التصعيد إنما يأتي متناغماً مع التراخي في تطبيق العقوبات على ايران. ولهذا دلالاته العميقة. فلقد ارتفعت مبيعات النفط الايراني لتبلغ 42 مليار دولار عام 2022، وهو مبلغ أعلى بـ 25 مليارعن العام الذي سبقه، وأعلى بـ 19 مليار عن العام 2020.

ووسط الحملات الداخلية يتهم الجمهوريون وعلى رأسهم السيناتور تيد كروز الادارة الاميركية بتَعمّد تجاهل تَهرّب ايران من العقوبات، ويعملون لإعداد مشاريع قوانين تحضّ الادارة على تطبيق أفضل للعقوبات. وفي الواقع يعمل الجمهوريون على قطع الطريق أمام ادارة بايدن لإنجاز «صفقة» يالطا شرق أوسطية جديدة. وهذا هو التوقيت الذي وجد الكرملين أنه مناسب للدخول الى التحولات الجاري التحضير لها في الشرق الاوسط، خصوصا أن ظروف الحرب في أوكرانيا أصبحت أفضل، والتي قد تكون جزءاً من الصفقة الشاملة.

ووسط هذه الصورة الشاملة فإنّ الملف اللبناني ليس بعيدا عنها. صحيح أن الأثمان الطروحة ضخمة والتحولات المرتقبة كبيرة، إلا أن لبنان معني خصوصا من بوابة الجنوب. فالحرب ستقفل على إخراج ايران من الساحة الفلسطينية واستعداد قطر ومصر لاحتضان الحضور السياسي لحركة «حماس» بحلة جديدة. وفي جنوب سوريا تبدلات مستمرة من خلال السويداء لإنشاء إدارة ذاتية تحت كنف الدولة السورية. لكن المكوّن في السويداء، وبالتالي في جنوب سوريا، سيشكل عازلاً يمنع ايران من إنشاء خط تماس مع إسرائيل.

يبقى جنوب لبنان حيث يتكفّل القرار 1701 بفك الترابط العسكري بين إيران واسرائيل.

وهذه كانت بالضبط مهمة رئيس المخابرات الفرنسية برنارد إيمييه في بيروت، والتي ستليها زيارات أخرى وضغوط أكبر.

ولأنّ التفاوض العريض في المنطقة الذي يطاول الشريان التجاري البحري العالمي في باب المندب والبحر الاحمر، فلا بد من صنع أوراق في لبنان لمواجهة «صفقة» القرار 1701.

لذلك برزت فجأة «طلائع طوفان الاقصى». فمن جهة يمكن لـ»حماس» أن تستقطب معظم الشباب الفلسطيني في المخيمات من درب حركة «فتح»، بسبب التأييد الكبير لـ»حماس» في حربها مع اسرائيل. ويأتي ذلك استكمالاً للهدف الذي واكَب معارك مخيم عين الحلوة منذ فترة. ومن جهة أخرى يوجّه رسالة الى الساعين لتنفيذ القرار الدولي بأنّ البديل من الحضور العسكري لـ»حزب الله» هو الفوضى الفلسطينية. وهذا ما يشكّل أيضاً تحدياً للجيش اللبناني الذي تعوّل عليه العواصم الغربية لإمساك الوضع الامني في الجنوب الى جانب قوات الطوارىء الدولية (اليونيفيل) بعد انتهاء الحرب.

لكنّ الخطوة لاقت رفضاً لبنانياً خصوصاً من السُنّة إضافة الى المتمولين الجنوبيين الشيعة، ما استوجَب التراجع خطوة الى الوراء. وهذا يؤشّر الى حجم الضغوط التي سترتفع أكثر مستقبلاً على لبنان، على وَقع المفاوضات الاقليمية الصعبة والمعقدة، خصوصاً أنّ لبنان يعيش أصلاً ظروفاً داخلية خطيرة.

  • شارك الخبر