hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

6812

295

37

80

2292

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

6812

295

37

80

2292

ليبانون فايلز - مقالات مختارة - رضوان السيد - الشرق الاوسط

التراث والموروث والحضارة

الجمعة ١٠ تموز ٢٠٢٠ - 07:06

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أخبرني لبناني في أستراليا أن جاره ذا الأصول اللبنانية مثله رفض تعريض نفسه وأُسرته للفحص ضد «كورونا»، وقال للسلطات الصحية إن التداوي من الأوبئة ليس من تقاليد «الموروث» الديني عنده، وإنما المطلوب الحذر والتوكل! وسألتهُ: هل أصابه شيء؟ فأجاب أنه أُرغم على إجراء الفحوص له ولأُسرته، وما أصابهم شيء! والذي أعرفه أنه ما كان هناك أبداً موقف سلبي من التداوي خلال قرون الطواعين، حتى لدى أولئك الذين لم يكونوا يرون حصول العدوى، فمن أين أتى الرجل بأخباره عن «الموروث» المزعوم؟!
من ستين عاماً وأكثر لا يكاد يمر شهرٌ إلا ونقرأ مقالة أو رسالة أو كتاباً أو نظرية في ضرورة الخروج على «الموروث» الثقافي والحضاري والديني والأخلاقي من أجل التنور والتنوير وإطلاق العقل من عقاله للسماح بدخول الحضارة وشموسها إلى خبايا الزوايا المعتمة في الوعي واللاوعي (!). وفي هذا الأسبوع بالذات قرأتُ مقالتين إحداهما لزميل معروف عنوانها: «العروي يواصل دفاعه عن القطيعة»، والأُخرى: «نحن والتراث كيف نتجاوزُهُ بأخلاق؟»، ولستُ أُريد مجادلة الزميل المتابع لفكر الأستاذ العروي من زمان، شأن زميل آخر متابع أيضاً لتفكير الأستاذ محمد أركون. فقد جفت الأقلام واسودت الصحف، وما عادت هناك فكرة جديدة لدى خصوم التراث أو أصدقائه، وسواء أكانت تلك الفكرة مستندة إلى معلومة أو انطباع أو فهم معين أو صورة مسبقة عن التنوير الأوروبي الذي يراد منا اعتناقه من أجل التحرر من أوهام الموروث وجموده!
في الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان دارسو الإسلام والشرق الأوسط يكتبون في أمرين: عن انقضاء (Passing) المجتمع التقليدي لصالح الحداثة الاجتماعية والسياسية - وعن: إلى أين يتجه الإسلام؟ باعتبار أنه «فارقَ» التقليد، إنما إلى أين تتجه الأنظار العامة لمفكريه وجمهوره في الثقافة والسياسة... والدين. ورغم كل التطورات العاصفة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ما تعرض الجمهور وإسلامه لتحدياتٍ شديدة الهول مثل تحديات العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، أنت تستطيع أن تدعم استقلال الجزائر، بل وأن تساعد في إنشاء نظام جمهوري باليمن (رغم أن ذلك أخطر!)؛ لكنك لا تستطيع السماح بإرسال «مجاهدين» إلى أفغانستان باسم الدين، حتى لو كانت البلاد محتلة من الروس.
في الوقت الذي كانت فيه ظواهر «الإحياء والصحوة» والنشورية والمهدوية تتفاقم في الإسلام في ذلك العام السحري العجيب (1979)، كانت إدانات الموروث وتحميله أعباء ومسؤوليات وتفويتات وسحريات الصحويات والممارسات «الجهادية» تتزايد. ولستُ أزعُمُ أن «مجاهدي» أفغانستان من العرب وغيرهم إنما أثارتهم هجمات أركون وزملائه وتلامذته، فهم لم يكونوا قد أدركوا بعد أن «المجاهدين» والصحويين هم مثلهم تماماً، أي أنهم ثائرون على «التقليد» أو صورته المتخيلة: الحداثيون يريدون إسلاماً جديداً، والصحويون و«الجهاديون» يريدون إسلاماً (أصيلاً) يعتبرون أن «التقليد» انحرف عنه. رأيتُ الأستاذ أركون في الثمانينات بقبرص (التي كنا نحن اللبنانيين وبعض العرب نلجأ إليها للقاء هرباً من الحروب الداخلية - ولا أدري إلى أين سنلجأ الآن مع سيطرة نوعٍ آخر من «الجهاديين» على بلادنا!)، فتجادلنا في نقطة منهجية محددة: مسألة التأصيل أو (العودة إلى الأصول) لاستخدامها في «تحرير» الموروث من التقاليد الكلامية والفقهية. وقلتُ له: التقليد انقضى ألم تقرأ كتب بولك وتشمبرلين... وحتى صادق جلال العظم؟! ما نشهده وتشهده اليوم هم متمردون جدد مثل ثوار أميركا اللاتينية، هم يعودون للأصول من فوق التاريخ أو تحته، ويقرأون الكتاب والسنة على هواهم، ويسمون أنفسهم تسميات تراثية لا علاقة لهم بها ليتقربوا للجمهور، وقد بدأ الجمهور يكرههم لعنفهم ولغرائب التفسير والتقدير: يا رجل، ألم تمسسك «التاريخانية» بشُواظها حتى اليساري من تياراتها بحيث يدفعك ذلك إلى مراقبة وتتبع الإسلام في التاريخ، للتوصل إلى أن نفهم الموروث ونتجاوزَه دونما قطيعة أو إدانة؟ أنا أرى أن تلامذتك الذين يريدون تقليد النهوض الأوروبي مباشرة من دون تأويلاتٍ هم أصرحُ منك. وذهب أركون فكتب دراسته: استحالة التأصيل، لكنه ظل مصراً (لعيشه في البيئات الأوروبية والأميركية المهللة له) على أنه شأن التنويريين الأوروبيين مثل لايبنتز وسبينوزا وجون لوك وروسو الذين أعادوا قراءة الكتاب المقدس، يستطيع تحويل المسلمين إلى وجهة أُخرى من طريق إعادة قراءة القرآن قراءة غير تقليدية!
لقد صارت جوانب «الجبهة» واضحة عندما انطلقت في التسعينات ومن دون غموض القراءات الاستراتيجية والحضارية لعلاقات الإسلام بالغرب، وأنها علاقاتٌ صراعية، إذ إن الإسلام يملك «حواشي» وحدوداً دموية، نتيجة عدم دخول المسلمين في الحداثة، كما دخل صُناع الحضارة اليهودية - المسيحية! وشئنا أم أبينا؛ فإن هجمات «القاعدة» وأخواتها ومتولداتها على مدى عشرين سنة بين 1998 و2018 صارت في وعي العالم دليلاً لا يُدحَضُ على عنف الإسلام الذي لا علاقة له بالموروث والتقليد كما يزعم المستشرقون الجدد والحداثيون العرب! وهو الأمر الذي قاله لي هنتنغتون في نقاشٍ معه بالجنادرية بالرياض عام 2006.
لا أعرف إذا كان الأستاذ العروي أكبر المفكرين العرب الأحياء من وجهة نظري، ما يزال مصراً على القطيعة، فهو تحدث غالباً عن الفوات، وكتبه الأخيرة منذ «السنة والإصلاح» لا تدلُ على ذلك. أما الذي أنا على يقينٍ منه أن مشكلات الموروث والتقليد هي مسائل منقضية في الواقع، وينبغي أن تنقضي في الوعي. هو تاريخٌ ثقافي ندرسه كما تدرس سائر الأمم تاريخها. بملايين الضحايا ما استطاع ماو تسي تونغ في ثورته الثقافية إرغام الصينيين على القطيعة مع ماضيهم. لكن ثلاثين عاماً من التقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي المضغوط غيرت وصححت وفتحت الآفاق على الماضي والحاضر والمستقبل!
لدينا تأزماتٌ كبيرة وانشقاقات في الدين والاجتماع والوعي ناجمة عن اختلالات الحاضر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ولا عيب في حضارتنا ولا في موروثنا الديني والثقافي، وسواء أتأملناه بأخلاق أو دون أخلاق! الدولة الوطنية ذات الحكم الرشيد، واستعادة السكينة في الدين، هذان الأمران يحلان مشكلات الموروث، ومشكلات الحاضر!

  • شارك الخبر