hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

670656

1618

233

9

633299

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

670656

1618

233

9

633299

ليبانون فايلز - متفرقات متفرقات

جوّال في الشوارع: لست متسوّلاً ولا شّحَّاذ شفقة

السبت ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢١ - 06:54

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كان يؤدي على طريقته الإرتجالية لحن فيلمون وهبة لأغنية فيروز "فايق يا هوى لم كنا سوا والدمع سهّرني وصفولي دوا تاري الدوا حبك وفتّش عالدوا" عندما أطل أهالي أحد الأحياء السكنية في منطقة سنّ الفيل برؤوسهم من الشرفات، متسائلين من أين تطلع هذه الموسيقى الجميلة التي أعادتهم بلحظة الى أيام الزمن الجميل؟

ربّما يكون شاباً رومنسياً يعزف لحبيبته على طريقة الـ"proposal" الرائجة هذه الأيام لطلب القرب منها أو قد يكون أحد الهواة يتمرّن في إحدى الشقق، لكن المشهد أبسط بكثير، في منتصف الحيّ رجلٌ يعلّق على كتفيه آلة "أكورديون" ويعزف مقطوعات موسيقية قديمة تحاكي القلوب والآذان المتعطشة إلى الموسيقى الجميلة، متلفّتاً يميناً ويساراً علّ نظره يقع على من يقدّر فنّه وموهبته المتواضعين فيتكرّم عليه بما تيسّر من ليرات تؤمّن قوته اليومي.

توماس قسيس ليس متسوّلاً ولا يشحذ ملّيماً واحداً إنما هو فقط يحاول التأقلم مع الأوضاع المعيشية الصعبة والمذلّة التي ألمّت بنا وأصابت 80 % من الشعب اللبناني، وتوماس واحد من ضحاياها. بالأساس هو معلّم "جلي بلاط"، تلك المهنة التي ما عادت تطعم خبزاً اليوم، شأنها شأن العديد من المهن الأخرى فتحوّلت آلة الأكورديون، رفيقته من أيام زمان، مهنته الجديدة. يعلّقها مع كل صباح على كتفيه ويغدو في الطرقات يجول من منطقة الى أخرى ومن شارع الى آخر، يعزف مقطوعات شرقية للكبار ومعزوفات للأطفال وترانيم دينية في الأعياد، لا يخرج في فترات الصباح وقبل الظهر كي لا ينزعج منه الناس ويجلب لنفسه كلاماً مهيناًً قد يتلفّظ به ناشدو الهدوء في بداية النهار، فهو خصّص فترة ما بعد الظهر وحدّد دوام عمله من الثالثة والنصف وحتى السابعة مساءً، وقت نوم الأولاد، لممارسة هوايته على طريق البحث عن مدخول متواضع يؤمّن له لقمة عيش كريمة.

العزف مهنة أو متعة؟

ليست لتوماس عائلة تسانده في أيامه الصعبة، لم يتزوّج ولم ينجب أولاداً يلتفتون اليه ويرعونه في آخرته. هو ليس ابن معهد موسيقى، لم يدخله يوماً ولم يتلقَ دروساً على أي آلة موسيقية، هي مجرّد هواية لم يبق أمامه غيرها كسبيل للصمود في وجه الانهيار الاقتصادي وغلاء الأسعار الجنوني.

في بداية الحديث كان كلّ همّ توماس أن تصل الرسالة واضحة "أنا لستُ متسوّلاً ولستُ شحّاذ شفقة" وما لم يقله لسانه قالته عيناه المتعبتان اللتان يلفّهما السواد والخيبة من حياةٍ شاقّة حتى آخر نفس.

أيام زمان قبل سنوات، كان الشغل ماشي والأحوال جيدة وكان العزف في الهواء الطلق متعة بالنسبة الى توماس لكنه اليوم تحوّل الى تحدٍّ يومي يُحتسب على ميزان الدولار أو ما يوازيه، المتحكّم بشربة المي، يقول توماس "إذا ما بدقّ ما باكل"، فهو بات في الوقت الحاضر ينزل الى الشارع مرغماً، محتضناً آلته الموسيقية القديمة العهد وذات الوزن الثقيل، والتجوّل على مدى ساعات في شوارع وأحياء الدورة، سدّ البوشرية، الجديدة، الدكوانة، سن الفيل سائراً على قدميه يعزف للناس مقطوعات اشتاقوا أن يُطربوا إليها. ويروي أنه في إحدى المرّات وخلال تجوّله في واحد من شوارع البوشرية، جلس ليرتاح على جانب الطريق وبدأ يعزف مقطوعات شرقية الواحدة تلو الأخرى ويراقب بفرح اقتراب الناس وتجمّعهم من حوله، للحظة شعر أنه في مشهد من فيلم أميركي محاطاً بعيونٍ تضحك ووجوه مبتسمة حتى أن البعض كان يترنّح على هوى النغمات "ما كان الي قلب وقّف عزف" يستذكر المشهد ويضحك، يومها لم يلتفت الى الأموال التي وضعها المستمعون اليه في جيبه، هو لم يلحظ جيداً ما كان يجري، كان كلّ تركيزه على البهجة التي رسمها على وجوه هؤلاء الناس خلال مرورهم بالصدفة من أمامه واستماعهم الى عزفه.

أي مهنة في الشتاء؟

ابن الثالثة والخمسين عاماً يتمتّع بصحة جيّدة يشكر الرب عليها لأنه إذا أصابه أي مكروه أو عانى من أي مرض فلا حول ولا قوّة لديه للحصول على علاجات لن يكون بأي شكل من الأشكال قادراً على تكبّد كلفتها، وهو اليوم قلقٌ ممّا سيحمله اليه فصل الشتاء حيث الأمطار والصقيع ستحول دون تمكّنه من الخروج والتجوّل في الشوارع. والناس أساساً لن يسمعوا موسيقاه خلف الأبواب المغلقة على دفء منشود. ويقول "الحياة قاسية والبلد متعب والناس تعبانة بس الحمدلله أنا لست تعباً لكن هذه المهنة ليست دائمة وما حدا بيعرف بكرا شو في!" وإن كان يتخبّط وحيداً فإنه، في الوقت ذاته، يواسي نفسه بالقول إن وضعه يبقى أفضل من وضع سواه، "أنا اليوم أتعذب ولن أموت من الجوع مهما ساءت الأحوال لكن ماذا عن ربّ المنزل الذي يحمل مسؤولية عائلة وأولاد؟ هناك صعوبة حقيقية في تأمين لقمة العيش بكرامة في هذا البلد".

بالحديث عن سبل الصمود، يسرد توماس قصة والدة جدّة جدّته التي يفتخر بها، كانت عازفة أكورديون تعلّم أولاد الضيعة في بقعة حرجية على جسر اللوزية عندما وقعت حادثة أدت الى طوفان النهر تحت الجسر وسقط الأولاد في مياه النهر، عندئذ لعبت والدة جدّة جدّته دور المنقذة وأنجدتهم وتحوّلت بعدها الى منقذة بحرية وقامت بإنشاء نادٍ لتعليم السباحة... يروي هذه القصة ليقول إن الصمود في وجه التحديات من شيم عائلته "ربّما بعد العزف أجد مهنة أخرى في الشتاء من يدري؟ الأكيد أنني سأجد سبيلاً دائماً للاستمرار".

قصّة توماس نموذج صغير عن مجتمع مرهق ولكن يرفض الإستسلام لسياسة اجتماعية خرقاء وانعدام مسؤولية حفنة من المسؤولين، لم يتمكنوا من التصدي لأي أزمة معيشية ومعالجة اسبابها ونتائجها المدمرة.

مثل توماس، يعرف الناس فيكتور الذي يعزف في الأشرفية مختارات فرنسية وعلى الأرض قبعة تُرمى فيها ليرات قليلة، قبل هذا الزمن وبعده، مثل شباب كانوا يفترشون أحد أرصفة جبيل الداخلية المؤدية إلى الميناء ويعزفون مختارات للعابرين في ليل المدينة.

قد يرى البعض أن عزف الموسيقى في الشوارع هو نوعٌ من أنواع التسوّل المموّه فيما يعتبر آخرون أنه ممارسة للفن في الهواء الطلق لتسلية الناس وكسب المال في الوقت عينه بما يسدّ متطلبات الحياة البسيطة وعادة يكون هؤلاء العازفون طلاباً يمارسون هذه الهواية بغية الحصول على مال يمكنهم من إكمال دراستهم.

درجت ظاهرة العزف في الشوارع في الدول الغربية حيث تلقى رواجاً كبيراً ومعظم العازفين يضعون أمامهم علبة مخصّصة للنقود، بحيث يقوم الناس بعد أن يستمعوا ويستمتعوا بالمعزوفات بوضع المال في العلبة على وقع التصفيق تشجيعاً وتقديراً لجهودهم. حتى أن الظاهرة تطوّرت مع الوقت لتشمل مجموعات من الفنانين تقوم بتقديم عروض غنائية وأخرى راقصة لا سيما تأدية الرقصات الشعبية التقليدية ما لاقى قبولاً ورواجاً أكبر لدى الشعوب وخصوصاً السياح الذين يتعرّفون على الأغاني والرقصات التقليدية التي تمثّل تراث شعوب أخرى.

يذكر ان عدداً كبيراً من المنظمات والجمعيات الخيرية التي تنشط في مجال الاعمال الخيرية باتت تعتمد على تنظيم حفلات عزف وغناء في الشوارع يعود ريعها الى مشاريع إنسانية.

مع الوقت تمدّدت هذه الظاهرة من بلدان الغرب نتيجة الإقبال الكثيف فقامت تركيا بتخصيص شارع في ولاية قرشهير وسط تركيا لفناني الطرق من أجل ممارسة العزف على الطبل والكمان والبزق التركي كما الغناء وإضفاء جو من السعادة للأهالي والمارة، وتحوّلت قرشهير مدينة للموسيقى والثقافة والأدب والتاريخ. وحذت حذو تركيا قبل ان تنتقل الى البلدان العربية كمصر وتونس وغيرها حيث يتواجد عازفو الشوارع عموماً في مناطق الأسواق الشعبية وبعض أزقّة العواصم حيث يتجمع الناس ويسهرون ويحييون حفلات غنائية تجذب السياح بشكل أساسي.

زينة عبود- نداء الوطن

  • شارك الخبر