hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

639332

751

155

7

613968

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

639332

751

155

7

613968

ليبانون فايلز - متفرقات متفرقات

الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة باللغة العربيّة

الجمعة ١٠ أيلول ٢٠٢١ - 08:58

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لماذا نتفلسَف؟ وهل ثمّة حاجة للتفلسف؟ وهل معرفة حقيقة هذا العالم متوقّفة على ما هو ليس من العالم؟ على اعتبار أنّ واقعنا هو الواقع الافتراضيّ أو الرمزيّ حيث تجري فيه عروض المسرحيّات المُمنهجة التي تغيب في الهيئة التي ألفناه عليها.

يعتادنا الهمّ من هذا الواقع الذي هو عبارة عن خيبة أمل مستمرّة تُثير وتستوقد فينا قلق الغيظ وفتنته، ونخاف أن تبقى موائدنا مُعدّة لكلّ صنوف السأم والملَل ما دمنا نبكي دائماً رحيل القيَم. فنحن نعيش الآن، كما يقول سيوران، في زمن غياب الزمن حيث بتنا نَحسُد فيه الجثث على تحرّرها من الوجود، ولا سبيل للخلاص إلّا بالاتّحاد بنقطة التّماس (point de tangence) التي تُمّحى في درجة الصفر من الوعي. ولكن على رغم ذلك كلّه، تستوقفنا الصروح الفكريّة المتمرّدة، فنسعى دائما إلى التفكير في كيفيّة الانعتاق من ثقل القيود. وهذا ما يمكن أن نسمّيه بالوعي الراغب أو جهد الرغبة (conatus)، كما أحبّ أن يسمّيه سبينوزا. وقد نعني بالرغبة القدرةَ الإبداعيّة التي تسعى إلى تفكيك مأسَويّة التاريخ الإنسانيّ.

نتفلسف كما يقول ليوتار لأنّ هناك الرغبة، ولأنّ هناك غيابًا في الحضور، ميتًا في الحيّ، ولأنّ هناك مقدرتنا التي ليست موجودة بعد، ولأنّ هناك الاستلاب، أي فقداننا ما اعتقدنا أنّنا اكتسبناه، ولأنّ هناك الفجوة بين المعمول والعمل، بين المَقول والقول. أفلا ينطبق هذا القول على واقعنا الذي ألمأ عليه (احتوى عليه) مُغتَصبو العقول والأفكار النيّرة؟

إذا كانت الفلسفة هي فنّ تحرير الحريّة في أيّ مكان تحكمه دولة ما، وتحرير كلّ ما يمكن أن يعوق استخدام الناس عقولهَم، فالامتحان الحقيقيّ في وجود الدول وفي مدى نجاحها أو فشلها يتمثّل في اكتشاف الحياة الصالحة للحياة. كما أنّنا لا نستطيع أن نُرتج باب اللغة علينا، ذلك لأنّها أحد أهمّ المفاتيح لفهم العالم وتحقيق عمليّة التواصل فيه. وما أحوجنا إلى تفكيك اللغة كما عند درّيدا لمُساءلة المتقابلات الموروثة والمسلّمات البديهيّة. والمنهج الفلسفيّ هو الأقدر على فهم هذه الظاهرة الرمزيّة وفكّ أسرارها وتحديد طبيعتها. والحال هذه، فإنّ ترصّد أحوال الفلسفة العالميّة والتفكير في المشاكل الكبرى تفكيرٌ وتمرينٌ جديد على العالميّة، وهو أيضا فعلٌ فلسفيٌّ يمنح التفكير إمكانات الإفصاح عن اختبارات الكيان الإنساني، من خلال احتدام الجدالات الفلسفيّة الكونيّة التي تخوض معركة المعنى لتترصّد موقف العطالة فيه، ولإجلاء غبار الاستشكالات عنه. وإذا كانت ميزة الفكر الحديث تكمن في التوفيق بين العقل والتجربة وتفكيك السراب العقليّ، فهذا ما نسعى إليه من خلال خلق جزر لسانيّة تدعونا لنسكن صروحها المعرفيّة التي تحرّرنا من هيمنة الموروثات التقليديّة والخضوع والتبعيّة، ويتمّ ذلك بفضل مسألة اختبار العالم التي تتمّ بنيويًا وإنجازيًّا (ماتياس أوبرت).

هذا كلّه يَظهر في مشروع الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة الفرنسيّة الذي أعدّه الدكتور مشير باسيل عون، والذي يتضمّن 10 مجلّدات يَعكف على كتابتها مجموعة من الباحثين الأكادميّين من مختلف الأوطان العربيّة، وتصدر في دار النشر الكويتيّة صوفيا. في هذَين الاجتهاد والجهد إظهارٌ لمسار الفلسفة الفرنسيّة الذي يمرّ من خلال استِنبات عدّة فلسفات متشعّبة. وقد احتضنت الفلسفة الفرنسيّة المفارقات القائمة بين التفكير المنظّم والمشاكسة التفكيكيّة، كما افتَرشَ مسارها مهاد البنيوية الأصليّة، وذلك في سياق الإكباب على مسائل التفكيك والاختلاف، نظرًا لِما يتخلّل الواقع من بنى خفيّة مركّبة وملتبسة حيث تنتظم فيها كلّ التجلّيات الإنسانيّة المبنيّة على فكرة الكليّة الشاملة. كما جرى التنازع على تعيين الهويّة الذاتيّة وتحديد وظيفتها، فمنهم من ذهب إلى أنّ التاريخ يجري جريًا حرًّا خاليًا من كلّ ذات حرّة وواعية، إذ اعتبروا أنّ الذات هي من صنع الإيديولوجيا (ألتُسِّر)، ومنهم من اعتبرها من بقايا التصوّرات المِتافيزيائيّة التي ورثها العقل الغربيّ عن المثاليّة (درّيدا)، ومنهم من أراد أن يحرّرها من ربقة الموروثات التقليديّة والقيود (سارتر).

توزّعت الثنايا الفكريّة في المجلّد الأوّل (فلسفات البنيويّة والتفكيك والاختلاف، دار صوفيا، الكويت، 2021، 509 ص) بين مقولة السورة الحيّة البرغسونيّة (élan vital) ومقولة التشابك الجدليّ (برانشفيغ) القائم بينهما. واتّخذت هذه الجدليّة أشكالًا شتّى تبلورت في فلسفات التفكيك والوجوديّة والفِنومِنولوجيا. ثمّة من يقول إنّ الأوّل أثّر تأثيرًا كبيرًا في الفلسفات الفرنسيّة التفكّريّة والوجوديّة والشخصانيّة، والثاني أثّر في الفلسفات البنيويّة التي نشأت وتطوّرت في كتابات ستروس وألتُسِّر ولاكان. في هذا السياق يذهب بعضهم إلى أنّ الفلسفة الفرنسيّة غَرفَت من معين الفكر الأفلاطونيّ وتأثّرت بالنزعة الدِّيكارتيّة، وبما خَلّفته الفلسفة الألمانيّة من ابتكارات هيغل وفويرباخ وماركس ونيتشه وهوسِّرل وهايدغر، إضافة إلى عماد التحليل النفسيّ فرويد. فكان التواشُجُ عميقًا بين تأثيرات الفكر الألمانيّ كفلسفة درّيدا وتأثّرها بمضامين التفكيك الهايدغريّ، وسارتر وتمثّله فكرَ هوسرل، وهايدغر وفوكو ودُلوز وتأثّرهم بنيتشه. إضافة إلى اجتهاد الفلاسفة الفرنسيّين في استيعاب مكتسبات الإبيستِمولوجيا المعاصرة وإعادة صوغها، وذلك من أجل نقل العلم من مستوى التناول الفلسفيّ المعرفيّ إلى مستوى الإبداع الجماليّ. ومن الأمثلة التي تُساق على هذا التحوّل ما اجتهد دُلوز في بنائه من مقارنة فريدة بين المنحى الاكتشافيّ العلميّ والإبداع الفنّيّ، إضافة إلى إخضاع المفهوم الفلسفيّ لقضايا السياسة التي كانت تعمل في تفعيل الفكر النقديّ لتأويل الأحداث المُنضوية إلى المجتمع.

تحتوي الأجزاء العشرة في هذه الموسوعة على فلسفات البنيويّة والتفكيك (المجلّد الأوّل الصادر)، والفِنومِنولوجيا والفلسفات التفكّريّة والوجوديّة، وفلسفة تأريخ الفلسفة، وفلسفة الفنّ والجمال، والفلسفات الهيغليّة والماركسيّة والفلسفات التاريخيّة التفكيكيّة، والفلسفات المسيحيّة، والفلسفات الاجتماعيّة والنفسيّة والتربويّة والأخلاقيّة، والفلسفات السياسيّة والاقتصاديّة والقانونيّة والبيئيّة والإعلاميّة، وفلسفات الطبيعة والعلوم والإبّيستِمولوجيا. ولقد اقتصَر الاختيار على مواليد القرن العشرين من الفلاسفة الفرنسيّين المَمهور إنتاجهم بأحوال مجتمعاتهم. وتكمن الغاية في تَرصّد الأثر والتأثير في بلورة حركة التفكير الفلسفيّ ومجرى الأحداث، ومعالجة الأبعاد الفلسفيّة في فلسفاتهم، واعتمال أفكار الفيلسوف والتركيز على إبراز خصوصيّة إسهاماته الفكريّة التي يمكن استثمارها في سياق التحليل الاستعراضيّ والتقويميّ والنقديّ.

هذا في السياق العامّ الذي احتضن مقام الفلسفة الفرنسيّة، أمّا فلسفات الاختلاف والتفكيك التي تنطوي عليها أبحاث المجلّد الأوّل، فبيَّنت مقامات الاختلاف في جميع معانيها وتكثّراتها. ما يجمع هؤلاء المفكّرين (جورج باتاي، موريس بلانشو، إميل سيوران، رولان بارت، فرانسوا ليوتار، جيل دُلوز، ميشِل فوكو، جان بودريار، بيار بورديو، جاك درّيدا، سارَه كوفمان، فيليب لاكو-لابارت، جان-لُك نانسي، جيل ليبوڤِتسكي)، هي مسائل النقد والنقض والتفكيك والاختلاف والمخالفة والخُلف والاختياف والتخيّف. نستطيع أن نحصل منها على استثمارات كثيرة تَظهر في تنوّع مقامات الألعاب اللغويّة. فالاختلاف مناهضة صريحة لاستبداد الهويّة، والمخالفة في مثارات استفزازاتها، والخلف في شفيريّته التعطيليّة. وقد اختار هؤلاء الفلاسفة استراتيجيات ذات أبعاد فلسفيّة تمرّدية على المتشابهات الكيانيّة التي تترصّد الإشارات السالبة.

يتناول المجلّد الأوّل الذي تتنوّع فيه مراتبُ التفكيك فلسفاتِ الارتياب من الأصول التي كانت معتمدة حتى زمن الحداثة. وتتضمّن هذه الفلسفات العقل والحقيقة والهويّة والمعنى والمرجع والصواب والضلال والعقلانيّة والموضوعيّة العلميّة... كما تُبيّن مواطن الخلل في الواقع الكونيّ والإنسانيّ، وهي حريصة على أداء المقولة الفكريّة والحفر في طبقات المعنى مُساءلةً وتدبيرًا. بعد الاطّلاع على تنوّع المقامات الفكريّة وكيفيّة استثمار الألاعيب اللغويّة، يتبادر إلى الذهن الاستفسار الآتي: إذا كانت أفعال التحليل غير أفعال المساءلة، وأفعال المساءلة غير أفعال التأمّل، وأفعال التأمّل غير أفعال الحكم، فما بالها الخطابات المتنازعة عندنا تَستلّ منابعها من نفس ألعوبة المعرفة، على اعتبار أنّها السلطة المعرفيّة الحكميّة، مع العلم أنّ المعنى، كما ظهر عند فلاسفة التفكيك، في تَرحال مُطّرد، إذ إنّ الحضور عَصيٌّ على الإدراك، والغياب أشدُّ عمقًا وحضورًا من الحضور؟

ثمّة مفاهيم كثيرة في هذا الكتاب تُطرح بلبوس علميّة مع ما تتضمّن من عدائل عربيّة، إضافة إلى وجود الكثير من الألفاظ التي تكشف عن التباسات وضبابيّات لا مناصّ من اختراقها، نظرًا لما تتضمّن من تجاور المعاني وتشابهها واشتباهها، وهذا ما يبرّر كلّ مسعى لتسطير الحدود، ولا سيّما إذا ما أضفنا إلى حيثيّاتها صعوبة تأهيلها.

يبقى أن نُشير إلى أنّ هذا الكتاب حريصٌ على التأنّق الأسلوبيّ وما اقتضاه الجهد من استنبات الفلسفة في تربة غير تربتها. لا ريب في أنّ مثل هذا الجهد هو مطلوبها اليوم تأليفًا يعلّم ويجرّب ويفكّر ويستشكل ويحاور، وهو مطلوبها أيضًا وهي تنطق بالعربيّة وسيلةً لتفجير الكثير من الطاقات العربيّة. ولعلّها لا تَنبجِس من دون هذا الاشتباك حول الحداثة والبحث والتأويل، مع أنّنا لم نختبر ما اختبرته المجتمعات الغربيّة من نهضة فنيّة وأدبيّة وثقافيّة. لكن ما استطعنا فعله محاورتهم بمشاكلنا، لا بوصفهم أصحاب حلول، بل بوصفهم شهودًا نستدعيهم إلى مقام البيّنة (témoignage) وتقديمها.

ما يسعنا قوله في الختام: هل المطلوب، كما قال جورج باتاي، عِلم جديد يحرّر الوجود من الأخذ الكُليّ؟ وكيف السبيل إلى خلق أصوات تعلو نبرتها بعيدًا في صحراء فكرنا الماحِل ومعارفنا البائدة لكي تُصدي وتنجح في اختراق الغيبيّات وتفعيل الفكر وتفكيك الانقياد الأعمى؟

د. مارلين يونس - الجمهورية

  • شارك الخبر