hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

2168

86

7

36

1402

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

2168

86

7

36

1402

ليبانون فايلز - باقلامهم - الدكتور أنطونيوس أبو كسم محامٍ دولي وأستاذ جامعي

هل يلجأ مجلس الأمن إلى "التدخّل الديموقراطي" في لبنان؟

الإثنين ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٩ - 06:25

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أرسى مجلس الأمن – الجهاز التنفيذي للأمم المتحدة - هرميّة جديدة لقواعد القانون الدولي، حيث أصبح مصدراً لقواعد قانونية مُلزمة وآمرة تسمو على القانون الدولي التعاقدي؛ مما حدا بمجلس الأمن أن يصبح مشترعاً دولياً جديداً، يُصدر قرارات ذات طابع تشريعي ملزمة للدول، منشئاً بذلك نظاماً دولياً جديداً قائماً على الإلزام. كما واستطاع مجلس الأمن تكريس نهجٍ جديدٍ من التدخّل في شؤون الدول وصولاً إلى فرض قواعد دستورية وطنيّة، تحت شعار حماية الديموقراطيةّ.

لم يسلم لبنان من "التدخل الديموقراطي" لمجلس الأمن، حيث تدخّل مجلس الأمن مرتين بموجب قراريه 1559(2004)، و1757(2007). والسؤال الذي يطرح حالياً، هل يمكن لمجلس الأمن وفقاً للقانون الدولي الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي وفرض انتخابات نيابية مبكرة؟
1- مشروعية التدخل الديموقراطي لمجلس الأمن
إنّ مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول قد كرّسه ميثاق الأمم المتّحدة في الفقرة السابعة من مادّته الثانية، التي تنصّ على أنّه " ليس في هذا الميثاق ما يُسوِّغ لـِ "الأمم المتحدة" أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، [...]". إلاّ أنّ نصّ هذه المادّة طرح الاستثناء، حيث أضاف بشكلٍ واضح " [...] على أن هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع"، مخولاً بالتالي مجلس الأمن مخالفة هذا المبدأ في حالات تهديد السلم والأمن الدوليين، عنوان الفصل السابع من الميثاق. وبالتالي لم يجعل الميثاق هذا المبدأ مطلقاً بطبيعة الحال بالرغم من قيمته القانونيّة على المستوى الدوليّ.
لقد ابتدع مجلس الأمن هذا النصّ ليتدخّل في الشؤون الدستورية للدول الأعضاء، مما جعل قواعد القانون الدولي المنبثقة عن قرارات مجلس الأمن أسمى من الدساتير الوطنيّة. على أنّ هذا "التدخّل التشريعي"ن وبالرغم من كلّ مبرّراته، لا يسوّغ لمجلس الأمن فرض نظامٍ دستوريّ معيّن على دولة عضو. وهذا ما ذكّرت به محكمة العدل الدولية في الفتوى التي أصدرتها بتاريخ 16/10/1975، بشأن مسألة " الصحراء الغربية (Sahara occidental)"، حيث أكّدت أنّه لا يمكن لأيّة قاعدة قانون دولي أن تفرض أن يكون للدولة شكل معيّنن وهذا ما تُثبته تعدّدية الأنظمة للدول الموجودة حالياً في العالم.
وعادت وأكّدت محكمة العدل الدوليّة باريخ 27/6/1986، في قرارها حول "الأعمال العسكريّة وشبه العسكرية في نيكاراغوا (Activités militaires et paramilitaires au Nicaragua )"، على مبدأ سيادة الدول بشكلٍ واضح، معلنةً أن انضمام دولة لنظريّة معيّنة لا يُشكّل انتهاكاً للقانون الدولي العرفي، وأيّ تحليل مخالف يؤدي إلى تفريغ مبدأ سيادة الدول من مضمونه. هذا هو المبدأ الأساسي الذي يرتكز عليه القانون الدولي.
إنّ الأساس القانوني لسلطات مجلس الأمن يرتكز طبعاً على ميثاق الأمم المتحدة؛ إلا أنّ القراءة العميقة لهذا الميثاق تكشف أنّ مجلس الأمن قد أُعطِي ضمنياً سلطة التشريع (pouvoir normatif)، حيث أنّه بإمكانه تحت إطار الفصل السابع، اتخاذ إجراءات لتعديل قواعد القانون الدولي. لكنّ اختصاص مجلس الأمن لا يتعدّى مسائل تهديد السلم والأمن الدوليين، حيث أنّ الإجراءات التي يتخذها تكون مرتبطة بحالة معيّنة. فهو يتمتّع بسلطة استصدار قواعد آمرة (jus cogens) لحالات ملموسة (situations concrètes). وبهذا المعنى، فإنّ المادتين 39 و41 معطوفتين على المادتين 25 و48 من ميثاق الأمم المتحدة، تتيح لمجلس الأمن القيام جلياً بعمل تشريعيّ بهدف "التدخّل الديموقراطي".
إنّ قرارات مجلس الأمن الأحاديّة تؤدّي إلى نتائج قانونية مُلزمة لكافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وذلك بموجب المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث "يتعهّد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق"، فليس هناك مكان للإراديّة لقبول أو رفض تنفيذ قرارات مجلس الأمن.
وهذا ما أكّدت عليه محكمة العدل الدولية (الفتوى الصادرة بتاريخ 21/6/1971)، ومؤخراً المحكمة الخاصّة بلبنان، التي اعتبرت غرفة الدرجة الأولى لديها وفي قرارٍ أصدرته بشأن الدفوع بعدم الاختصاص وعدم قانونية المحكمة التي قدّمتها جهة الدفاع في قضيّة المدّعي العام ضدّ عياش وآخرين (27/7/2012) ، أنّه "تستند الأعمال التي يقوم بها لبنان والقرارات التي يتخذها امتثالاً لقرار مجلس الأمن 1757(2007)، وتتوافق مع التزاماته المنصوص عليها في مشروع الاتفاق، إلى واجبه بالالتزام قرارات مجلس الأمن وفق المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن الالتزامات المحددة في مقدمة الدستور (الفقرة ب)". وهذا ما أكّدت عليه غرفة الاستئناف لهذه المحكمة في قرارها الصادر بتاريخ 24/10/2012.
لذلك، فإنّ الصلاحية الاستنسابية لمجلس الأمن باتخاذ إجراءات "تشريعيّة" بموجب الفصل السابع، تسمو على قواعد القانون الدولي الأخرى، قد تستند في أغلب الأحيان إلى المادة 41 التي يلجأ إليها باستمرار، وتحديداً الفقرة التي تنصّ على التالي: " لمجلس الأمن أن يقرّر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير [...]".
2- سلوكيات التدخل الديموقراطي لمجلس الأمن في لبنان
قبيل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، وبغية التصدّي لمشروع تمديد ولايته لثلاث سنوات إضافيّة، أصدر مجلس الأمن القرار 1559(2004) في 2 أيلول 2004 –بموجب الفصل السادس–، "مدركٌ أن لبنان مقبل على انتخابات رئاسية"، حيث أعلن في الفقرة الخامسة الاجرائية من القرار عن "تأييده لعملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، تجري وفقاً لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أو نفوذ أجنبي".
وقد اتخذ مجلس الأمن هذا القرار من باب "التدخل الديموقراطي" لحماية تطبيق الدستور، حيث اعتبر أنّ تمديد ولاية رئيس الجمهورية مخالف للدستور، مستبقاً تعديل الدستور (المادة 49) لجواز تمديد الولاية الرئاسية.
حتّى في ما خصّ لبنان، تحوّل مجلس الأمن إلى مؤسسة إنفاذ للقانون الدولي التعاقدي، عبر تضمين قراراته التزامات تعاقدية. فبموجب القرار 1757(2007) –تحت الفصل السابع– أدخل مجلس الأمن الاتفاق الموقع وغير المبرم والمعقود ما بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان حيّز التنفيذ بموجب الفصل السابع. فبموجب هذا القرار، قام مجلس الأمن بالمصادقة على الاتفاقية الثنائية الدولية بدلاً من مجلس النواب، متخطياً الدستور اللبناني (المادة 52) في ما خصّ الاجراءات الدستورية الخاصة بالمصادقة على المعاهدات الدولية.
3- نماذج من التدخل الديمقراطي لمجلس الأمن
كثّف مجلس الأمن تدخّلاته في الشؤون الداخليّة للدول على مستوى التدخّل بالشؤون الدستوريةّ. فبموجب قراره رقم 554(1984)، المؤرخ في 17 آب 1984، أعلن بطلان "الدستور الجديد" لدولة جنوب إفريقيا بطلاناً مطلقاً، كونه يتناقض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأنّه يزيد من ترسيخ الفصل العنصري. والملفت في هذا القرار أنّ مجلس الأمن لم يلجأ إلى الفصل السابع، أي أنّه لم يتصرّف بهدف صون السلم والأمن الدوليين.
كما وأن مجلس الأمن لم يتوانَ عن تجيير الصلاحيات الدستوريّة للدول لصالح فروع ثانوية قد أنشأها لهذا الغرض. فبموجب قراره رقم 1244(1999)، قرّر إنشاء إدارة مؤقتة لكوسوفو (MINUK)، عبر نشر وجود مدني ووجود أمني دوليين تحت رعاية الأمم المتحدة، مطالباً الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين ممثل خاص لمراقبة تحقيق هذا الوجود. وقرّر عدّة مسؤوليات رئيسة للوجود المدني، أبرزها أداء الوظائف الإداريّة المدنيّة الأساسيّة، وتنظيم المؤسسات الانتقالية للحكم الذاتي، بما في ذلك إجراء انتخابات، والإشراف على تطوّر تلك المؤسسات ومهمة حفظ القانون والنظام المدنيين.
إلّا أنّ الأمين العام للأمم المتحدة وفي تقريره عن بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في كوسوفو الذي قدّمه إلى مجلس الأمن، أعلن صراحةً أنّ هذه البعثة "ستتولى جميع السلطات التشريعية والتنفيذية ومن بينها إدارة القضاء". وعاد وتكرّر الأمر بخصوص الحالة في تيمور الشرقية، حيث أنشأ مجلس الأمن بموجب قراره 1272 (1999) « إدارة انتقاليّة تابعة للأمم المتحدة في تيمور الشرقية (ATNUTO) »، فوّضها ممارسة جميع السلطات التشريعية والتنفيذية، بما في ذلك إقامة العدل.
كما وأنّ مجلس الأمن لم يتردّد بالتدخل في الشؤون الدستورية للدول عبر التدخّل بمسألة تحديد زمن ولاية رؤساء الدول أو الحكومات أو إعلان تمديدها. بموجب قراره رقم 1721(2006) ، أعلن تأييده لقرار مجلس السلام والأمن في ساحل العاج بأن يظل الرئيس لوران غباغبو رئيسا للدولة اعتباراً من ١ تشرين الثاني ٢٠٠٦ لفترة انتقالية جديدة وأخيرة لا تتجاوز مدتها 12شهراً؛ وتجديد ولاية السيد شارل كونان باني، رئيس الوزراء، لفترة مماثلة. إضافةً إلى أنّه بموجب هذا القرار جدّد لمدة ١٢ شهرا ولاية الممثل السامي المعني بالانتخابات المحددة في الفقرة ٧ من القرار ١٦٠٣ (2005)، وقرّر بالنسبة إلى الممثل السامي، بالإضافة إلى هذه الولاية، دعماً تاماً لرئيس الوزراء، وبعد التشاور معه، أن يكون السلطة الوحيدة المخول لها القيام بالتحكيم للحيلولة دون ظهور أية مشاكل أو خلافات على طريق العملية الانتخابية، أو لحل تلك المشاكل أو الخلافات، وذلك بالتنسيق مع الوسيط.
لقد جعل مجلس الأمن من نفسه قيّماً على ممارسة الديموقراطيّة في أنظمة الدول الأعضاء، فاستطاع عبر التدخل العسكري فرض الديموقراطية في حالة جنوب روديسيا عام 1965؛ وتدخّل مراراً ليشرف على عمليات الانتخابات التي تحصل وفقاً لدساتير الدوّل الأعضاء. وهذا النهج بدأ بالاضطراد منذ العام 1988 حين قام فريق المساعدة للأمم المتحدة للفترة الانتقالية والمُنشَأ من قبل مجلس الأمن بموجب القرارين 632 (1989) و640(1989)، بتنظيم الانتخابات التشريعية في ناميبيا والإشراف عليها. ولم يتأخّر مجلس الأمن بالإشراف على الانتخابات التشريعيّة تحت غطاء عمليات حفظ السلام في عددٍ من الدول، أبرزها: نيكارغوا (1989) ، والصحراء الغربية (1991)، وسييراليون (1999)، وليبيريا (2004) ، وأفغانستان (2004 و2005) ، والعراق (2007)، والنيبال (2007) ومالي (2013).
وفي ما يتعلّق "بالتدخّل الديموقراطي" للمساعدة بوضع دساتير جديدة لمناطق شهدت نزاعات مسلّحة، نشير إلى أنّ مجلس الأمن وعبر قراره رقم 1401(2002)، قرّر إقامة «بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان»، توصّلاً لإعداد دستور أفغاني جديد جرى إقراره في 4 كانون الثاني 2004، من قِبَل المجلس التمثيلي «اللوياجيرغا» المؤقّت، ولإجراء انتخابات رئاسية، أفرزت رئيساً أفغانياً جديداً هو حميد قرضاي. كما وبموجب القرار 1511(2003)، قام بدعوة مجلس الحكم العراقي المعيّن من السلطات الأميركية الى أن يقدّم في موعد أقصاه منتصف كانون الأوّل من العام 2003، جدولاً زمنياً وبرنامجاً لصياغة دستور جديد للعراق وإجراء انتخابات تشريعية.
خاتمة
وسط التدابير الزجريّة التي يتّخذها مجلس الأمن استناداً للفصل السابع من الميثاق، يقتضي التفريق ما بين التدخل لحماية الديموقراطية أو بغية فرضها. كما أنّ "التدخل الديموقراطي" يجب ألا يتعارض مع القواعد الأساسيّة للقانون الدولي، والتي نصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة في مادّته الثانية، كمبادئ عدم اللجوء إلى استعمال القوّة بغية حلّ النزاعات الدوليّة، وسيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. فمجلس الأمن ليس فقط بشرطيّ دوليّ، بل أصبح صانعاً للقانون الدولي المعاصر وللعدالة الجنائية الدولية.
إلا أنّه لا توجد أي سلطة دولية مخوّلة لأن تراقب مشروعية أعمال مجلس الأمن، خصوصاً في ما يتعلّق بقراراته التي يقرّر بموجبها تدخل الأمم المتحدة عسكرياً لحفظ السلم أكان إنسانياً، أو ديموقراطياً أم قضائياً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ محكمة العدل الدولية التي تشكّل الجهاز القضائي الرئيس للأمم المتحدة، وحسب المادّة 92 من الميثاق، لم تُجْرِ هكذا رقابة (الأمر القضائي الصادر بقضية لوكربي والمؤرخ في 14/4/1992).
وبالتالي، هل إنّ "التدخّل الديموقراطي" لمجلس الأمن هو من باب الحرص على الدساتير الوطنيّة، أم لفرض قواعد المجتمع الدولي ؟ والمفارقة، أنّ مجلس الأمن لم يتدخّل لتقصير ولاية رئيس دولة أو لتقصير ولاية برلمان بموجب "التدخل الديموقراطي"؛ وبالتالي يُستبعد أن يتدخّل مجلس الأمن ديموقراطياً في لبنان بغية طلب إجراء انتخابات تشريعية جديدة. لكن لا شيء يحول دون اتخاذ قرار مماثل تحت الفصل السابع، إذا اعتبر أن الحالة في لبنان أصبحت تشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، جراء استمرار الاحتجاجات الشعبية وسط عدم انتظام عمل المؤسستين التشريعية والإجرائية. 

  • شارك الخبر