hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

463

17

12

12

37

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

463

17

12

12

37

باقلامهم - الدكتور أنطونيوس أبو كسم

مسؤولية الدولة ومرور الزمن على جرائم الحرب: كورونا جديدة

السبت ٢١ آذار ٢٠٢٠ - 06:49

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

كنت قد أثرت في آب الماضي إشكالية "السلم الأهلي بوجه العدالة" في لبنان، حيث اعتبرت أنها أنتجت عقداً اجتماعياً جديداً قائماً على العدالة بالتراضي (http://www.lebanonfiles.com/news/1494646). وهذا العقد الاجتماعي الجديد ما بعد الطائف يستند إلى مبدأ العدالة بالتراضي. هذا العقد الاجتماعي المستجدّ يقوم للأسف على مبادئ شاذّة كالإفلات من العقاب فيما خصّ جرائم القانون الدولي الإنساني إضافةً إلى العدالة الانتقائية والاستنسابية. وتطبيقاً لهذه المبادئ، فإنّ الدولة اللبنانية لم تقم بأيّة خطوة تشريعية أو دبلوماسية تخوّلها ملاحقة هذا النوع من الجرائم. عناوين عدّة استُهلكت بصدد عدم مقاربة الموضوع، أبرزها الخوف من تدويل أيّة قضية جزائية، والهروب من كلّ ما هو دوليّ. وأبرز النتائج، الإرباك الذي أصاب الدولة جرّاء التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والابتعاد عن التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان مّما أدى إلى محاكمات غيابيّة. هذا الانكفاء المحلّي عن ملاحقة الجرائم الدولية يضع لبنان في موقع المتلقّي ويجعله أسيراً لإرادة المجتمع الدولي والدول النافذة، بدلاً من أن يكون مبادراً.

موقع لبنان التشريعي فيما خصّ جرائم القانون الدولي الإنساني

حتّى تاريخه، صادق لبنان على اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949 في 3/10/1951 وانضمّ إلى البروتوكولين الإضافيين للعام 1977 بتاريخ 23/7/1997. إلا أنّه لم ينضم إلى اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية للعام 1968 والتي دخلت حيّز التنفيذ في 11/11/1970 والتي تضمّ 55 دولة طرف. كما وأنّ لبنان لم ينضمّ إلى معاهدة روما للعام 1998 (المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية) والتي دخلت حيّز التنفيذ في 1/7/2002 والتي تضم حالياً 123 دولة طرف.

في القانون الدولي الجنائي الحديث، إنّ القانون الدولي الإنساني يعاقب على أربع جرائم: جرائم الحرب، الجرائم ضدّ الإنسانية، الإبادة الجماعيّة وجريمة العدوان (حسب المادة 5 من نظام المحكمة الجنائية الدوليّة). هل يستطيع لبنان ملاحقة هذا النوع من الجرائم؟

من المفاهيم الخاطئة، أنّ ملاحقة الجرائم الدوليةّ يتطلّب محاكم جنائية دوليّة. إنّه بالإمكان ملاحقة هذه الجرائم أمام المحاكم الوطنيّة. إنّ الدّول التي تحترم موجباتها الدولية يقع عليها موجب اتخاذ الإجراءات التشريعيّة لملاحقة هذه الجرائم وملاحقة المجرمين. وللأسف، إنّ لبنان ليس من هذه الدول، بالرغم من أنّه دولة طرف في اتفاقيات جنيف للعام 1949. إنّ لبنان ملزم باحترام تطبيق هذه الاتفاقيات، وملزم بتطبيق المواد 49 (من الاتفاقية الأولى)، 50 (من الاتفاقية الثانية)، 129(من الاتفاقية الثالثة)، 146 (من الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين خلال النزاعات المسلّحة الدوليّة) و85 (من البروتوكول الأول)، والمواد 157 و158 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي الخاصة بموجب ملاحقة الجرائم الفظيعة.

وبالتالي إنّ لبنان ملزم باتخاذ إجراءات تشريعية احترماً لاتفاقيات جنيف تتيح له ملاحقة انتهاكات القانون الدولي الإنساني وفقاً للصلاحية الشاملة أو الولاية القضائية العالميّة (Universal jurisdiction)، حيث تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أيّ إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقيات، كما وتتعهد بأن تتخذ أيّ إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى هذه المخالفات. فلماذا لم يُقدم لبنان على تعديل قانون العقوبات ليشمل هذا النوع من الجرائم وعلى فرض عقوبات قاسية تجاهها؟ هل يخشى ملاحقة مجرمي الحرب أو أنّه يتهرّب من فتح هذا الباب حرصاً على السّلم الأهلي؟ أو أنّ محاكمه وقضاته غير مؤهلين لهذا النوع من المحاكمات الجنائية؟ إنّ تطبيق هذه الصلاحية قد يخلق مشاكل دبلوماسية مع الدول خصوصاً تلك الشقيقة والحليفة، وعلى سبيل المثال الأزمة الاسبانية الصينيّة.

تطبيقاً لمبدأ "لا جريمة من دون نصّ"، لا تستطيع المحاكم اللبنانيّة حاليًّا ملاحقة انتهاكات القانون الدولي الإنساني، حيث أنّه غير منصوص عنها في قانون العقوبات اللبناني. إنّ هذه الثغرة التشريعيّة بعدم تطبيق اتفاقيات جنيف للعام 1949، تجعل لبنان ليس بصاحب اختصاص لممارسة الاختصاص الشامل. هذا الاختصاص يستند إلى المبدأ التالي، أنّه كل دولة طرف تلتزم بملاحقة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة أو بالأمر باقترافها، وبتقديمهم إلى المحاكمة، أياً كانت جنسيتهم، مهما كان مكان ارتكاب الجرم ومهما كانت جنسيّة الضحايا. كما وأنّ هذه الاتفاقية تلزم الدول بمحاكمة المرتكبين تطبيقاً لمبدأ "aut dedere aut punire".

إنّ المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقيات تشمل الجرائم التالية: القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، وتعمُّد إحداث آلام شديدة أو الإِضرار الخطير بالسلامة البدنية أو بالصحة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة، وأخذ الرهائن، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.

مسؤولية الدولة اللبنانية وموجباتها فيما خصّ ملاحقة مجرمي الحرب

على مستوى القانون الدولي العام، يمكن مساءلة الدولة اللبنانية لعدم احترام التزام دوليّ عبر الامتناع عن وضع موضع التنفيذ اتفاقيات جنيف الآنفة الذكر. كما وأنّ لبنان ملزم باحترام تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1261 الصادر في 25 آب 1999 والذي ألزم كافّة الدول بوضع حدٍّ للإفلات من العقاب وبملاحقة مرتكبي الانتهاكات الفظيعة لاتفاقيات جنيف للعام 1949. إلّا أنّ هذا التقصير التشريعي تقابله مسؤولية الدولة الأخلاقية لعدم مقاضاتها مجرمي الحرب الذي ارتكبوا جرائم فظيعة بحقّ الشعب اللبناني. هذه الجرائم تنقسم إلى حقبتين: جرائم ما قبل الطائف وجرائم ما بعد الطائف. في ما خصّ الحقبة الأخيرة، لم نرى أقلّه شكوى واحدة ضدّ مجرمٍ إسرائيلي، ولم نرى أيّاً من الأحزاب أو المجتمع المدني مهتمّاً فعلياً بمقاضاة المسؤولين عن المجازر التي ارتكبها العدوّ الإسرائيلي بدءاً من مجزرة قانا 1996 وصولاً إلى مجزرة قانا 2006 وكامل جرائم عدوان تموز 2006. هل هذا بسبب الجهل القانوني أم بسبب عدم النيّة بفتح هذا الباب لعدم استفزاز الدول الحليفة لإسرائيل؟ لماذا تجرّأ فلسطينيون وشنّوا حملة مقاضاة لقيادات عسكرية إسرائيلية أمام محاكم وطنيّة أجنبيّة كالمحاكم البلجيكية والمحاكم الإسبانية وأمام المحكمة الجنائية الدوليّة ولم يتجرّأ أي لبناني مقاضاة عسكريٍ إسرائيلي واحد؟

أمّا فيما خصّ حقبة ما قبل الطائف، لقد حمت الميليشيات نفسها من الملاحقة عبر قانون العفو رقم 84/1991 الذي أقرّه مجلس النواب ويشمل الجرائم المقترفة خلال الحرب الأهليّة. تجدر الإشارة إلى أنّ قانون العفو مخالف لاتفاقيات جنيف وليس له أيّة قيمة في القانون الدولي الإنساني. فهل يتجرّأ مجلس النواب الحالي اتخاذ الاجراءات التشريعية الخاصة بوضع اتفاقيات جنيف موضع التنفيذ أو يخاف من "كورونا" الملاحقات التي قد لا تستثني أحداً حيث أنّ ذاكرة اللبنانيين لا يمكنها أن تنسى جرائم القتل على الهوية والتهجير والتنكيل والخطف والتعذيب والمجازر وغيرها من الجرائم الفظيعة التي ارتكبها لبنانيون وغير لبنانيين. يقتضي التنويه أنّ المفاعيل القانونية لملاحقة جرائم القانون الدولي الإنساني: عدم مرور الزمن وعدم الاعتداد بالحصانات الرسمية.

الممارسة الدوليّة للولاية القضائية العالميّة: ملاحقة قيادات العدوّ الإسرائيلي نموذجاً

على كلّ حال، هناك حوالي 110 دولٍ تمارس الاختصاص الشامل، وأنّ محاكمها بإمكانها ملاحقة جرائم القانون الدولي الإنساني، كلّ حسب شروط معيّنة، وبالتالي هناك إمكانية لملاحقة كلّ مجرم حربٍ لبناني أو غير لبناني ارتكب جرائم ضدّ الشعب اللبناني أمام إحدى هذه المحاكم الوطنيّة الأجنبية. ومن الدول التي تطبّق مبدأ الولاية القضائية العالميّة والتي يقيم فيها لبنانيون ويحملون جنسيّتها: فرنسا (قانون آب 2010)، كندا، أستراليا، ألمانيا، السنغال، بلجيكا والأرجنتين.

ومن الأمثلة على ملاحقة إسرائيليين لارتكابهم جرائم حرب، نشير إلى القانون البلجيكي للعام 1993، والذي يطبق مبدأ الاختصاص الدولي الشامل، حيث أتاح لكل متضرر من إحدى جرائم القانون الإنساني أن يسوق إلى العدالة المرتكبين دونما التوقف عند صفاتهم الرسمية (استبدل بآخر أكثر ليونة في 5 آب 2003 مستثنياً ملاحقة رؤساء الدول، رؤساء الحكومات، وزراء الخارجية أثناء قيامهم بمهامهم، إضافة للذين يتمتعون بحصانات معترف بها في القانون الدولي). لجهة قضاء الملاحقة، لقد قبلت في العام 2001 الشكوى ضدّ رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون (إضافة إلى عدّة شكاوى مرفوعة ضدّ عدد من القادة أبرزهم الرئيس الموريتاني معاوية سيد أحمد، الرئيس العراقي صدام حسين، الرئيس الروندي بول كاغامي، الرئيس الشيلي أوغوستو بينوشيه). كما وأنّه في العام 2009 تقدّم فلسطينيون يحملون الجنسية البلجيكية بشكوى ضدّ 14 قيادياً وضابطاً إسرائيلياً لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة جرّاء "عملية الرصاص المصبوب". وكانت المحاكم البلجيكية في العام 2001 قد قامت بمحاكمة أربعة متهمين من الجنسية الرواندية لارتكابهم جريمة الإبادة الجماعية في إقليم بلادهم.

في العام 2003، استند القاضي الإسباني بالتزار غارزون إلى القانون Ley Orgánica 6/1985, de 1 de julio, del Poder Judicial  ، لممارسة الاختصاص الشامل للمحاكم الإسبانية بصدد شكوى مقدمة من قبل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ضدّ وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بنيامين بن أليعازر وستة مسؤولين عسكريين إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب خلال قصف الطيران شارع الدرج في قطاع غزة في العام 2002، والذي أسفر عن استشهاد القيادي في حماس صلاح شحادة و14 مدنياً. كما لاحق سابقاً الديكتاتور التشيلي أوغوستو بينوشيه وضباطاً سابقين من الجنسية الأرجنتينية.

وفي أيلول الماضي، قبلت المحاكم الهولندية شكوى فلسطيني يحمل الجنسية الهولندية ضدّ نائب رئيس الأركان الاسرائيلي بينني غانتس وقائد الطيران الحربي الإسرائيلي أمير إيشيل عن مسؤوليتهما عن مقتل 6 من أفراد عائلته في مخيّم البرج جرّاء "عملية الجرف الصامد" ضد قطاع غزة في العام 2014.

تجدر الإشارة أنّ النزاع المسلّح في سوريا منذ العام 2011، قد دفع عدداً من الضحايا لتقديم شكاوى أمام مسؤولين سوريين أمام المحاكم السويدية والإسبانية والفرنسية وألمانيا. بالمقابل، تقوم السويد وسويسرا وألمانيا بمحاكمة لاجئين سوريين معارضين ارتكبوا جرائم حرب ضدّ جيش النظام أو ضدّ مدنيين.

إنّ تطبيق هذا المبدأ ليس بمستحب من قبل الدول، إذ يعرّض قياداتهم العسكرية تحديداً للملاحقة. خلال مناقشة "نطاق مبدأ الولاية القضائية العالمي وتطبيقه" في اللجنة السادسة (اللجنة القانونية) للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في 11 تشرين الأول 2017، تحفظت بعض الدول على مدى تطبيق هذا المبدأ لناحية شموله رفع الحصانات وشموله جرائم جديدة، مّما يجعل ممارسة هذه الصلاحية أداة سياسية بيد البعض أو وسيلة قضائية تعسفية. ومن أبرز الدول الذين قدموا ملاحظاتهم في هذا الخصوص (إيران باسم دول حركة الانحياز) وسوريا، والجزائر، المملكة العربية السعودية، كوبا، بنغلادش وإسرائيل (راجع محضر الجلسة AG/J/3549 ).

ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية: انتفاضة تشريعية بوجه أمراء الحرب؟

إنّ تطبيق هذا المبدأ يفتح الباب أمام أهالي الشهداء لملاحقة من قتل أبناءهم كما كفيل بفتح الباب أمام أهالي المخفيين قسراً للادعاء جزائياً ضدّ من يشتبه أنّه أمر بإخفاء أو خطف أو شارك أو سهّل عملية إخفاء أبنائهم. وليس عامر الفاخوري مجرم الحرب الوحيد أو العميل الوحيد، فالعمالة لا تقتصر فقط على التعامل مع العدوّ الإسرائيلي بل تتعدّاه لتشمل دولاً أخرى، علماً أن عملاء إسرائيل كثر وموزعون على أغلبيّة الأحزاب، وهذا ما تؤكده ملاحقات الأجهزة الرسمية التي شملت عدداً من الأشخاص الحزبيين المعروفين والأمنيين غير المعروفين خلال السنوات الفائتة، عدا عن الأشخاص الذين لا يمكن ملاحقتهم بسبب الحماية السياسية المحليّة والخارجية والجواسيس والمخبرين. وعليه إنّ الانتفاضة الحقيقية  تكون بالمطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب. فالغرف الاستثنائية في المحاكم الكمبودية (محكمة ذات طابع دولي) والتي أنشئت في العام 2006 لا تزال تحاكم المسؤولين عن ارتكاب جرائم فظيعة خلال الحرب المرتكبة ما بين ١٩٧٥ و١٩٧٩. ولماذا لا ينضمّ لبنان إلى نظام روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدوليّة؟ إنّ المدعي العام لهذه المحكمة قد أعلنت انتهاء الدراسة التمهيدية للحالة على أن تبدأ مرحلة التحقيق في ارتكاب جرائم حرب على الأراضي الفلسطينية.

إنّ تعديل قانون العقوبات اللبناني وإدراج جرائم جديدة كجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وعدم إخضاعها لمبدأ مرور الزمن سيكون "كورونا" جديداً قد ينتشر بسرعة ويصيب أعداداً كبيرة، بالرغم من أنّ مناعة القضاء ضعيفة وعدد قاعات المحاكم الجزائية قد لا يتسع والزنزانات غير مجهّزة إلّا بالآلات الحادّة والممنوعات حيث ليس مستحيلاً الاتصال بالمشغّل. هل يشهد لبنان وباء العدالة الجنائية يوماً ما؟

  • شارك الخبر