hit counter script

ليبانون فايلز - باقلامهم باقلامهم - الدكتور نسيم الخوري

لبنان مجدداً: وقف الحملات الإعلامية أو وقف إطلاق النار

الإثنين ٢٧ أيار ٢٠٢٤ - 00:00

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

دار نقاش في "المجلس الأعلى للإعلام المرئي المسموع" في باريس في العام 1983 حول أحوال فرنسا واللغة الفرنسية والإعلام في لبنان. كان السؤآل الأهم الذي طُرح علينا: هل إن وسائل الإعلام المتنوعة والمتعددة المواقف والوظائف والتمويل هناك هي خلف الانهيار السياسي والتشظيات العربية والحزبية فعلياً أم إن أهل السلطات في بلدكم قد تخلّوا فعليّاً عن مقوّمات سلطاتهم، فانبهروا بوسائل الإعلام واستغرقوا فيها ملاذاً فعالاً لإظهار سلطاتهم العسكرية والشعبية المتراجعة بهدف تعويضها لدى الناس الذين يديرون ظهورهم لكلّ رموز السلطات بحثاً عن السلام؟ أهو الإعلام أحد الملاذات فعلاً أو أنه مركز تفرّق السلطات مراز عداوة ونفوذٍ في لبنان بمختلف أشكالها ومراميها وأساليبها؟
كم يبدو قديماً هذا السؤآل بعد 40 سنة من إنشاء المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان (17/1/1989)؟
لكن؟ من مهمّات هذا المجلس بهويته الفرنسية المعروف بالـ: CSA مراقبة دقيقة جدّاً لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة تصل إلى حدود التنبيه خطيّاً لأيّ مذيعٍ أو صحفي يلحن حتّى بلغته الفرنسية باعتبار أنّ "الفرنسية لغة مقدّسة" في العرف والوجدان والتراث الرسمي. وكانت الصيغة الأولى المعنية بالأمر في فرنسا تُسمّى: "السلطة العليا للإتّصالات السمعية البصرية"(1982-1986) وكان لي شخصيّاً الحظوة بفترة تدريبية هناك في باريس في الـ 1982، وبقيت أتسلّم المجلّة الشهرية التي تصدر عن المجلس الأعلى الفرنسي حتى الـ 1994 في كلية الإعلام والتوثيق في الفنار. قرأت مقالاً بالفرنسية يحاول كاتبه أن يرمي أو يحمّل تراجع اللغة الفرنسية اليوم لا العولمة وتنوع الشاشات والإتّصالات، بل المهاجرين إلى أوروبا من كافة بلدان العالم، وخصوصاً المسلمين منهم نتيجة كوارث تهجيرهم بسبب الربيع العربي وتقصير دولهم وأنظمتهم باعتبارهم لا يلحنون وحسب، بل يجهلون لغة البلدان وتفاليدها ولذا فهم يحمّلون فرنسا وأوروبا أعباءً مالية وثقافية وازنة بنتائجها السلبية. طبعاً، يمكنني أن أقبل هذا الكلام في ميدانه الصحيح، مع تدفّق الشرق المتفجر بقوة نحو الغرب المتحير خصوصاً مع طوفان غزّة بالوحول والدماء والكوارث اليوم لكن لا يمكن عدم التأكيد على التشدّد القانوني والترحيل والتدقيق مع المهاجرين والمسلمين خصوصا هناك. وكي أكون منصفاً، أُرى أنّ تراجعا وإرباكاً من السهل ملاحظتهما في مجال "تقديس اللغة الفرنسية" وتراجعها وعبر السنوات الأخيرة عبر مجلة ومنشورات وقوانين "المجلس الأعلى الفرنسي" الذي قدّمته هدية لـ "المؤسسة اللبنانية الحديثة" التي أسّسها الأب خليفة في الفنار - المتن مطبّقاً فيها فلسفة مدام مونتيسوري التربوية، بحيث تستقبل تلك المؤسسة العريقة هناك طالباتها وطلابها من مختلف الطوائف والمذاهب وفيها العديد من أولاد الرعايا والدبلوماسيين العرب والأجانب.
وفي التجربة اللبنانية وبعد مناقشات طويلة ثمينة ومباشرة في فندق الكارلتون إثر عودة البرلمانيين من الطائف حاملين الدستور وثيقة أهمّ ما فيها: "إعادة تنظيم الإعلام المرئي المسموع في لبنان"، دفعتني تجربتي المتواضعة في المجلس الفرنسي أن أعلن ما يلي:
عندما نتكلم عن حريّة الإعلام، بجب أن نتساءل كم نحن قادرون على إنتاج مواد إعلامية تصون لبنان من المستقبل والماضي؟ وهل ستظل هذه الساحة فالتة؟ يجب أن نضع قانوناً لضبط هذا الإنفلات لأننا لم ننجح بعد في وضع معايير على مقاس وطننا الحر الصغير. يمكننا أن نستفيد بمكانتنا في العالم ونتعاون بما سأقترحه وهو إنشاء مجلسٍ أعلى للخبراء بإشراف وزارة الإعلام على نسق المجلس الفرنسي بهدف تقريب الساحات والسياسات واللغات بعد الحروب والخرائب المنتشرة، ويمكننا أن نسّميه "المجلس الأعلى للإعلام المرئي المسموع في لبنان" والذي تمّ تأسيسه بالفعل في العام 1994( يراجع كتاب وقائع: ندوة اعادة تنظيم الإعلام في لبنان، 17-18-19 أيّار 1991، مناقشات الجلسة الثانية).
لفت الأمر نظر الرئيس حسين الحسيني يومذاك والذي طلب تفاصيل وضعتها بتصرفه عن هذا المجلس الفرنسي، وكان رئيساً للبرلمان اللبناني ولطالما اعتبر نفسه أحد عرّابي الطائف بالطبع بعد العرابة الأبرز المملكة العربية السعودية والرئيس الشهيد رفيق الحريري والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير ومباركة الأمم المتّحدة وأميركا تحديداً عبر سفيرتها في لبنان آنذاك ابريل غلاسبي "الطبّاخة" الشهيرة التي كانت أدوارها الريادية مُقيمة في أحاديث حسين الحسيني حين تجهيز ورقة إتفاق الطائف في بيروت: تعيش هذه السفيرة اليوم بين كاليفورنيا وكيب تاون حيث تملك شقّة تُطلّ من شرفتها هناك على الجبال وتشعر فيها وكأنّها، على حدّ قولها في مقابلة صحافية وكأنها ما زالت تعيش سعيدةً تتذكّر لبنان الذي تعشقه ولها فيه صداقات وتتابع أخبارهم وكأنها لم تتركه بعد.
أعود إلى المجلس الأعلى اللبناني الذي وُلد من دون صلاحيات تقريرية بل له صفات استشارية مرتبطة بوزراء الإعلام في بلد فلتت فيه عقالات الألسن واشتعلت الرؤوس المتشنجة بما تجاوز الوطن إلى الأوطان واللغة بقداستها وقضايا فصاحتها وعامياتها إلى لغات العبث والإرتجال الذي جعل لبنان الغارق في الكوارث حتّى أذنيه هدفاً خطيراً يتشاطر مسؤولوه بعجزهم الفاضح والكامل على طحنه. يبقى للعامة مجموعة من الوسائل المتنافسة الفقيرة ببرامجها التي تبدو وكأنّها قد تؤلف شاشة واحدة حيث الطراوة في تعبئة الفترات وعاميّات الكلام وكأنها من ضمن إيقاعات العصر غير اللبناني ولا العربي ولا حتّى الغربي، منفِّرة المشاهدين بعلك وقصقصة المقترحات والأفكار والأخبار ووقائع المؤتمرات والندوات وفراغ الطاولات المستديرة والمقابلات السخيفة والمقالات والبرامج المترددة بين التعرّي والتستر والجدية والتسخيف وكلّ هذا يكوّن ظواهر كثيرة تنقل عن بعضها بعضاً، لكنّها لا تقول شيئاً جديداً لأنّها بأحجامها واقوالها ومقترحاتها لا تفعل شيئاً، وكأنّها أيضاً في حالة عجز، في هذا الزمن القاحل والصارخ قائلاً: وقف الحملات الإعلامية والسياسية قبل وقف إطلاق النار.
مؤلّف وأستاذ جامعي
عضو الهيئة العليا للإشراف على الإنتخابات البرلمانية

  • شارك الخبر