hit counter script

ليبانون فايلز - باقلامهم باقلامهم - الدكتور نسيم الخوري

خبراء في جمهورية الخرائب

الإثنين ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٣ - 00:00

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

الخبراء في لبنان الخرائب يملأون الشاشات والصحف والمقاهي ومعظمهم يربخون كما الدجاج فوق البيض الذي يفقس ذهباً ودولارات فريش. ضعنا لم نعد نميّز بين المخرّبين والخبراء.
كلّما سمعت أو رأيت خبيراً في لبنان، تذكّرت إبن خلدون بسرواله العتيق يكتب لنا مقدّمته الأبديّة بالريشة والدواة فوق "طبليّةٍ" خشبيّة، ومثله الجاحظ الذي ترك لنا 360 مؤلّفاً من الروائع ما زال معظمها أمام طلاّب العالم، كتبها مقرفصا أو قاعداً فوق حصير ممزّق وأمامه لوح خشبي ينقله من زاوية لأخرى.
كان كبار الكتّاب يمخطون بأكمامهم ويكتبون ويكتبون المؤلّفات التي أتحفوا عصرهم وعصورنا بأفكارهم وإبداعاتهم الزاخرة التي لن تنضب. لم يتشاوفوا أو يتمنطقوا في الشوارع والأسواق أو يرفعون بأعناقهم بحركات مصطنعة حتى السماء بحركات تجعلهم مختلفين ومميّزين عن باقي الناس.
رأيت خبيراً يقطع الشارع عكس خطى عشواء، فإذا به الخبير والمحلّل السياسي والإقتصادي والمالي عائد من عمله منهكاً، يتمتم ويحرّك أصابعه عشوائيّاً في الهواء. يتكلّم مع نفسه. ناديته وفوق أنفه نظارتان سوداوان كسواد عتمة السجون العربيّة أو كسواد الأمزجة اللبنانية مع أنّ الشمس ما أشرقت بعد. أتاني بنظّارتيه المُقيمتين فوق أنفه حتّى في الظلام بقصد تلميع صورة مهنة الخبرة. دعوته إعتذر لسؤآل أو مناقشة لقضية إقتصادية لم أفهمها، أجابني معتذراً وبفوقيّة صفراء قائلاً:
لا وقت لدي، على موعد مع وليد، أجبت: لكن وليد إستقلّ الباص منذ ساعتين إلى الضيعة كما فهمت، ضحك بسخرية قائلاً: لا وليد بك وليس وليد أبو غيّاض. دائماً يتّصل وليد بنا ونمرّ للتداول معه، وعندما نغيب أسبوعاً يسأل عنّا. بلعت ريقي وخلته مجموعة من الخبراء أمامي، ورحت ألعب بحصاةٍ في الزقاق، وقلت في نفسي: مدير عام الخبرة التي خرّبت لبنان. ثمنه معروف وهو من سلالة الكذّابين المنافقين الذين طلسوا تاريخنا الخرّب في الجمهورية العشوائيّة.
سألته: إذن أنت تقصد دولة نبيه برّي عندما تتكلّم معي عنه وليس جارنا الأستاذ نبيه أبو رحّال رحمه الله؟ أنت تقصد الرئيس سليم الحص وليس سليم إندراوس رحمه الله؟ وأنت تقصد الرئيس ميشال عون وليس ميشال العنبر؟ قال: طبعاً. ولو يا أينك أنت يا رجل؟
أين تعيش؟ محسوبك صار في عالمٍ آخر يا دكتور.
ألا تعلم بأنّه بعد مضي أسبوع من حفلة تخريجكم إيّانا من كليّة الإعلام، إستودعناكم وكنّا بضيافة السيّدة بهيّة الحريري على الغداء؟
يتمّ تكريمنا من السياسيين الذين يتّصلون بنا عشرات المرّات في النهار، ولا يمكنك تعداد الهدايا من الساعات إلى السيّارات بنمرها المميّزة والرحلات السياحية الى عواصم الدنيا ومنتجعاتها.
ما بك؟ ألم تلحظ المستشارين الذين يملأون السرايات والوزارات والإدارات؟
أجبته نعم يا سيّدي. لطالما لاحظت وألاحظ النفخ والحقد والخطب والنصوص الحارقة والمحروقة فوق النيران الملتهبة بالدولارات وذلك لنفض القش اليابس لكرسي الجمهورية التي باعوها عدّاً ونقداً منذ ال1989 في الطائف.
أتصوّرك أستاذي وكأنك ما زلت في كليّة الإعلام في الفنار. قلت: نعم العفو. معك حق أنت أستاذي. شيبتنا ما زالت تفلح في الجامعة التي فتّقت كلّ القطب وخيطان الوصل بين المجتمعات اللبنانية المتعددة، وصرنا بشراً نقيم في مدن المقابر لا فوق المنابر، ورواتبنا لا تتجاوز ال300 دولارأً بسبب إنهيار الليرة التي حرسها رياض سلامة وأعوانه تحت الأرجل، وها نحن نسرّ بكم طلاّبنا وفيكم ومنكم وزراء ووزيرات ينامون في الشاشات والوزارات والساحات.
ما زلنا حيث نحن لأنّ الزمان ثقيل جامد في لبنان. وكأننا دكاترة الجامعة ما زلنا في مدرسة إبتدائية وشجرة "الكينا" اليابسة شاهدة على ما أقول. إنّ أقلّ بناء مدرسة إبتدائية في أقاصي الجنوب والشمال هي أرقى وأفخم من فروع ومباني الجامعات المبعثرة في الأقضية والبلاد حتّى المعهد العالي للدكتوراه حيث لا مولدات ولا مازوت ولا ولا... ومئة لا ولا.
يروي إعلامي لبناني أمامي بأنّه يتناوب الفطور مع كبار المسؤولين ويوزّعهم غالباً على أيّام الأسبوع، ليصبح قجّة أسرار يتلاعب بمضامينها وتناقضاتها، ثم يأخذ عائلته ويصعد برانجه الأسود إلى قصره الصيفي آخر الأسبوع، لكنّ سياسيي لبنان لا يحتملون يلاحقونه ويزعجونه حتّى في أيّام راحته.
قال صديق له تبعه خلسةً متقفيّاً وجهته ذات صباح، فرآه من بعيد، أمام مطعمٍ على الواقف في "ساقية الجنزير" ينهش سندويش فلافل بين يديه الإثنتين ويمسح ما علق بيديه. قلت:
هذا هو بكر ومستشار عشواء والناطق الرسمي بلسان هولاكو والهولاكيين من حكّام لبنان.

 

  • شارك الخبر