hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

5062

177

40

65

1837

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

5062

177

40

65

1837

ليبانون فايلز - باقلامهم - جورج عبيد

جمال عيد الأضحى وشهادة آغيا صوفيا ومآرب الطاغية أردوغان

الخميس ٣٠ تموز ٢٠٢٠ - 23:34

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

جمال عيد الأضحى المبارك مرسوم ببهاء التضحية لوجه الله تعالى. عند المسيحيين لاهوت التية تمّ بيسوع نفسه، وقد نعته يوحنّا المعمدان قائلاً: "هذا هو حمل الله الرافع خطايا العالم"، بل هو الحمل المعدّ للذبح قبل كون العالم، وقد ذبح في الجمعة العظيمة بظلم كبير. رضي أبوه بقساوة الظلم وعنفه لينقذنا من كل عنف، ولتصير السماء بالقيامة حالّة فينا وفي الأيقونات والجدرانيات لنتذكّر بأن الله حيّ فينا.

في العهد القديم، وفي كتاب التكوين، لم ينفصم إبراهيم خليل الله عن الرمزيّة المسيحانيّة، بطاعته المطلقة لله. حبّه لله أعلى وأغلى وأقوى وأفعل من حبّه لوليده إسحق وهو من لحمه ودمه. عرف إبراهيم أن اللحم والدم من خلق الله وإليه تعود البشريّة المكوّنة منه. تحرّكت الرحمانيّة في قلب الله، لمّا أخذ إبراهيم سكّينه ليذبح ولده إسحق، في الأصل لم يرد الله إسحق ذبيحة أو قربانًا له، الله المحبّة لا يغتبط بالقرابين والذبائح، "فالذبيحة لله روح منسحق، القلب المتخشّع والمتواضع لا يرذله الله"، بل يغتبط بالقلوب المتعانقة المتحابة. على هذا صرخ الله بإبراهيم من فوق ناهيًا إياه عن ذبح إسحق، مشيرًا إلى كبش أي إلى حمل ليقدّمه مكان ابنه إسحق، وكأنه أشار بأن الحمل سيذبح في آخر المطاف من اجل خلاص العالم.

هذا العيد المبارك على مسلمي لبنان والعالم العربيّ يعنينا كتابيًّا وروحيًّا كما يعنيهم عباديًّا. نحن متأسّسون على الفكر الإبراهيميّ، الأديان الثلاثة الموحّدة لله من جذر واحد وإن تفاوتت الرؤى اللاهوتيّة بينها. فالمسيحيّة لم تنكر يومًا اليهوديّة، مشكلتها مع التاريخ العبرانيّ أنه تاريخ دماء وأرض، وهو التاريخ الذي حاول القضاء على يسوع المسيح صلبًا وهذا الأمر عينًا لا يعترف به الإسلام، وإن اعترف بعيسى المسيح، لم يعترف بصلبه ولم يعترف بالثالوث القدوس كركيزة عقيديّة وإيمانيّة، علمًا أنّ اللغة العربيّة التي نزل بها القرآن الكريم ثالوثيّة في الشكل والمضمون بتكوين ثلاثيّ لكلّ حرف منها، (ألف=ألف+لام +فاء) وهكذا دواليك، سورة الفاتحة بدورها تقول باسم الله الرحمن الرحيم...

وعلى الرغم من ذلك، فالمسيحية والإسلام يلتقيان على تغبيط مريم والتسليم بعذريتها، ويلتقيان بتكريم يسوع بتفاوت واضح ما بين الألوهة والنبوّة، ويقرّان بالقيامة ويسمونها يوم الحشر بعد الموت، ويحبّ المسلمون الرهبان والقسيسين لكونهم لا يستكبرون، وإذا غصنا في القراءة أكثر بالعمق الفلسفيّ والحضاريّ، فالله غير وارد أن يتصارع مع نفسه إذا أريد للديانات أن تتواجه سلبًا وتتصارع فيما بينها. فإذا كان متصارعًا مع نفسه فهو إله ممزّق، وإذا ما تمزّق فهو فان ومائت، وإن مات يموت العالم والتاريخ معه، وفي المسيحية أرسل ابنه ليموت عن الأمة كلّها، وليس ليموت العالم بموته.

تقودني المعاني الطيبة إلى كاتدرائيّة أجيا صوفيا لأتأمل بحدث تحويلها إلى مسجد في الشكل والمضمون، وفي المعاني الراسية خلفها.

قبل الغوص في التأمّل، لا بدّ من تذكير الإخوة المسلمين بأنّ أجيا صوفيا كانت كنيسة بل تحفة سماوية قبل دخول محمّد الفاتح إليها وإمامة الصلاة فيها وتحويلها بعد ذلك إلى مسجد سنة 1435م، في حين أن عمر بن الخطاب رفض دخول كنيسة القيامة في القدس الشريف وصلّى خارجها وكان إلى جانبه البطريرك القديس صفرونيوس بطريرك أورشليم. وفي سنة 1934 أعلن مصطفى كمال أتاتورك تحويل آغيا صوفيا من مسجد إلى متحف عالميّ حمل في طياته معاني التلاقي المسيحيّ-الإسلاميّ على جدرانها، وصمت المسيحيون وأذعن المسلمون ودخل الجميع في أنظومة العلمانيّة، بمعنى فصل الدين عن الدولة.

كما لا بدّ في الوقت عينه من تذكير الإخوة المسلمين الذين استدخلوا مسألة تحويل الأوروبيين مساجد الأندلس إلى كنائس ضمن النقاش السائد حول أغيا صوفيا، بأنّ طارق بن زياد لمّا دخل من دمشق في القرن الثامن الميلادي إسبانياـ تحولت الكنائس بعد حين إلى مساجد، وفي بعض الأقاليم التي بقي فيها المسيحيون ظلت كنائسهم على ما هي عليه. بعد نهاية العصر الأندلسي بفعل صراع ملوك الطوائف واستعادة الفرنجة لها سنة 1492م أي بعد سبع وخمسين سنة من سقوط القسطنطينيّة وتحويل محمد الفاتح لآغيا صوفيا إلى مسجد، استعاد الإسبان بحكم الأمر الواقع كنائسهم التي حولت إلى مساجد. آجيا صوفيا في الأصل التاريخي كانت كنيسة، ومرّ عليها قديسون وبطاركة عظام، من أنطاكيا إلى القسطنطينيّة. من هنا إنّ استدخال التاريخ الأندلسيّ في النقاش حول تحويل أردوغان أجيا صوفيا إلى مسجد مجوّف بالكامل والكليّة.

بعد هذا الاستعراض والنقد التاريخيين. كان على المسلمين العرب، أن يقرأوا المعاني الكامنة خلف فعل هذا الذئب الرهيب، وهم يعلمون حساسيّة تلك القضيّة التاريخيّة في الوجدان المسيحيّ الأرثوذكسيّ المشرقيّ والمسكونيّ، والوجدان المسيحيّ العام. إن كاتدرائيّة أغيا صوفيا جرح روحيّ وتاريخيّ لا يزال يتحرّك ويلتهب إلى أن أتى قرار أردوغان ليزرع فيه القيح فيصير أشدّ التهابًا وإيلامًا.

في الأساس إنّ قرار أردوغان بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وإن هي متحف في الضمير العلمانيّ التركيّ والعالميّ، ليس شأنًا داخليًّا على الإطلاق كما حاول بيان وزارة الخارجيّة التبرير ممّاأعطى الحجة لبعض الإسلاميين للتبرير، بل هو شأن مسيحيّ لأنه اعتداء سافر على المسيحيّة المشرقيّة وعلى الإسلام القرآنيّ وفيه رموز متعاطفة ورافضة لقرار أردوغان، وهو شأن يخصّ روسيا بالدرجة الأولى لكونها تظهر نفسها نصيرة للمسيحيين المشارقة، ويفترض بالروس دولة وكنيسة أن يترفّعوا عن مسألة أوكرانيا وعدم خلطها بقضيّة الكنيسة. ذلك أنّ القرار المتخذ من قبل أردوغان وقد هلّل له مسلمون كثر لم يفقهوا المعاني الكامنة خلف القرار، ومنهم الشيخ ماهر حمّود وحركة حماس هادف إلى ثلاثة أمور:

دعم صفقة القرن، والقرار الذي أخذه، وبرضى أميركيّ واضح سيدفع زميله بنيامين نتنياهو باتجاه تحويل المسجد الأقصى إلى هيكل سليمان وتأكيد مسالة طرد الفلسطينيين من الضفة الغربيّة إلى الأردن، وتوطين بعضهم في لبنان وسوريا. الآحاديّة الوهابيّة الإسلامويّة الإخونجيّة والعثمانيّة تبرّر بالضرورة نشوء دولة يهوديّة-قوميّة وآحاديّة، وكأنّي بكلام غسان تويني رحمه الله لا يزال يتفاعل حين قال بأن كلّ أصوليّة تنادي أخرى وتتماهى معها في بناء عالم آخر. إنه العالم الحروفيّ الخطير الذي يحوّل الدين إلى حرفة كما كتب السيد هاني فحص رحمه الله، ويجعله رحمًا للموت وليس للحياة، ومشتلاً للإرهاب، وقابضًا بحروفيته المغلقة وكما كتب غابرييال لو برا على حياتنا في المأكل والمشرب والملبس.
يربط الذئب العثمانيّ الجديد تحويل آغيا صوفيا إلى مسجد بحركة تمدّده في لبنان من جديد وليبيا وبقائه في إدلب فيبدو بأنّه مالك لأوراق القوّة التي تؤهّله دخول التسوية كلاعب إقليميّ من تلك الأبواب المترابطة وهو نائل دعم نتنياهو له بقوّة، وليست الغارة الإسرائيليّة التي اغتالت أحد قادة حزب الله في دمشق بعيدةً عن هذا التماهي بين نتنياهو وأردوغان (هذا لكي يفهم الشيخ ماهر حمود ويصوّب بوصلته وقراءته، ولا يعيدنا البتّة إلى الزمن الصليبيّ وقد استهدف المسيحيين المشارقة أكثر من المسلمين أنفسهم، الذين قايضوا فيما بعد بين الأندلس والقسطنطينيّة فاستولى عليها الأتراك). هل تساءل المعنيون في هذا النقاش ما معنى إعادة إحياء جبهة النصرة في عكار والضنيّة وطرابلس، ألا يستهدف استنهاض الفتنة المذهبيّة، بالمساهمة في تطويق العهد وحزب الله في لبنان؟
يريد أن يظهر نفسه بهذا القرار أنّه الناطق الوحيد لإسلام سياسيّ جديد فشل الخليج ولا سيّما السعوديّة في قيادته، ويريده متكوّنا به، وهو لا يزال يستهلك قضيّة اغتيال الصحافيّ عدنان الخاشقجي لمزيد من الإدانة الضاغطة لمحمّد بن سلمان، وهذا يعبّر عن صراع ضمن السنيّة السياسيّة بوجهيها العربيّ والعثمانيّ، فيأتي قراره بتحويل الكنيسة في الأصل إلى مسجد لاستنهاض همم المسلمين واستجماعهم وتحشيدهم إلى جانبه وتحفيزهم على دعمه ومؤازرته والاعتراف بسلطانه عليهم.
في عيد الأضحى المبارك، الإخوة المسلمون على مختلف مدارسهم ومذاهبهم مدعوون إلى التبصّر لا في الحدث، بل في المعاني المحجوبة والظاهرة من قلب الحدث. النضال الذي قام بوجه الاستعمار العثمانيّ وقد دام أربعمئة سنة واجهه مسيحيون ومسلمون كتفًا إلى كتف في المثلّث اللبنانيّ-السوريّ-الفلسطينيّ. شهداء السادس من أيّار في لبنان وسوريا الذين أعدمهم جمال باشا السفاح مسيحيون ومسلمون. كاتدرائيّة آجيا صوفيا ليست شهيدة مسيحية بل يفترض أن تكون شهيدة مسيحيّة-إسلاميّة، من أجل الحقّ والله هو الحقّ، ومن أجل ألا تكون ذريعة لتحويل المسجد الأقصى إلى هيكل سليمان، "فتكون الضلالة الأخيرة شرًّا من الأولى".

لا تجعلوا في عيد الأضحى المبارك من أجيا صوفيا نعجة مذبوحة على الرغم من أن الكليّ الحكمة كان الحمل المذبوح قبل كون العالم وعلى الصليب. بل تعالوا نحوّل أجيا صوفيا إلى آية قياميّة بعد إتمام مذبوحيتها التاريخيّة من أجل قيامة المشرق في الله الحيّ والواحد كما نقرأه في الفكر الإبراهيميّ والأكبر من جبابرة يجلسون على جماجم البشر ويحطمون العالم بكبريائهم وحقدهم. ليكن هذا العيد مساحة محبّة وسلام وضياء وعودة إلى ينابيعنا العذبة والأصيلة والبلوريّة وفيها نستشفّ حياتنا الجديدة.

  • شارك الخبر