hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

243286

6154

681

44

149108

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

243286

6154

681

44

149108

شريط الأحداث

ليبانون فايلز - باقلامهم باقلامهم - جورج عبيد

تعزية الحزانى

السبت ١٩ كانون الأول ٢٠٢٠ - 16:24

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

شاركت في مأتم لسيدة فاضلة لم يتجاوز الحضور فيه خمسة عشر شخصًا كان إمامه مطران الجبل سلوان موسي. في آخر المأتم، قلت للسيد الأجلّ والحبيب، موجع هذا المأتم بكمية الحضور، فأتى جوابه لي توًّا على غاية من التعزية والحبّ، أودعناها السماء عقبى لك ولنا سكنى السماء. هل سأفوز بضياء المسيح في ملكوت المحبّة؟ رجائي أن يشملني برحمته ومحبته، لأني لا أحبّه طمعًا بالجنة أو خوفًا من النار، كما قالت رابعة العدويّة، بل أحبّه لأنه "المحبة والبيادر في كلّ حبّة" والتعبير للشاعر الراحل يونس الإبن، وهو ملء الخير والحقّ والجمال في دنيانا.
لا يمكن للمسيحيّ أن يفهم المسيح خارج المحبة الكاملة. المحبة تجعلك مسيحًا مولودًا منه ومنسكبًا في الآخرين. لا أعرف كمالاً في أي دين أو حضارة أو فلسفة سوى بالمسيح-المحبة، المقيم في جميع الذين لبسوه منذ المعموديّة، وساروا أصفياء بجوهر بهائه.
صديق كبير عميق الثقافة، قال لي بيقين تاريخيّ وسوسيولوجيّ وسياسيّ واضح، بأنّ تجسّد المسيح وموته وقيامته لم يبطل الحروب في التاريخ، والحروب تجترّ نفسها وإن بأساليب مختلفة. أجبته المسيح ولد في قعر التاريخ، لبس أوجاعه، عاين تأوهه بالبشر المتمزّقين، خبر استعمار روما لفلسطين والمشرق القديم، رأى استكبار أمّة اليهود على بقيّة الملل. وقف فيها، اتخذها في جراحه، تماهى بها في آلامه، وفي ميلاده كان مشلوحًا في ليل المذود كما دفن في ليل القبر، ليظهر نفسه ضياء للأمم، فاستبقة نفسه نورًا من نور، ومحبّة تتمتم السماء في ترابية البشر ومعطوبية الإنسانية.
هو من قال ستقوم أمّة على أمّة ومملكة على مملكة. بمعنى أنه عرف بأن مجيئه ووجوده لن يبطل الحروب لأن حقد اليهود والأمم علّقه على الخشبة. في معظم مواجهاته كانت المحبة فيه تتكلم، وجعلها الدواء بوجه الأمراض والحروب والخوف. جعلها قرينة الحقّ والحريّة، ومصدرًا لقبولنا بعضنا لبعض، ووحدة منشودة في قيم ليس لها أن تبطل التنوّع الفكريّ، ولكنها تضبطه حتى لا نميته نحن بنزواتنا وكبريائنا، أو حتّى لا نتحوّل إلى عالم متفلّت ومتلاش حتى النهاية.
وفي سياق النقاش قلت له كل حروب الأرض وكل قتال أو قتل، مرتبط بالخوف من الآخرين، فإن انتابك الخوف الأعمى تحوّل إلى جنون أعمى وهذا وحده قادر أن يحول الأجساد إلى جثث، ويبيح سفك الدماء ويترك الأرض خرابًا ورمادًا. وحدها المحبّة إن قبلتها معطى وجوديًّا تبطل الحروب. العالم سيترك لكم خرابًا، وأنتم تنسون أن الدينونة في النهاية قلبها المحبة ، الله يدين الناس بالمحبّة، ومن لم يمتلكها انتهى إلى العدم.
في هذا الزمن السيّء، صحيًّا واقتصاديًّا، بدأنا نشعر باستبداد الخوف فينا حتى العزل والاختناق والموت. أصدقاء كثر لي، حجروا أنفسهم في بيوتهم اتّقاء لشرّ الوباء المستطير. أتخذوا من الحجور وسيلة للنجاة. ما لم نفهمه بأنّ الحجر ينجّي صاحبه إلى حين، ولكنه بالمعنى النفسيّ يفتك به حتى العظم، بزرع الخوف في الذات البشريّة، وأخذها إلى التبعثر والتمزّق فيصير الإنسان حطامًا وركامًا.
لماذا التركيز في هذه العجالة على المحبة فيما ارتضيت العنوان "تعزية الحزانى"؟
ليس أسمى من أن تجعل من المحبة منطلقًا للاستقرار في قلب الله بالتوجه العموديّ، وأن تنكسب في الآخرين بالمعنى الأفقيّ. من وسائلها الرائعة أن تتواجد في وسط الحزن لتطفئ ناره ولهيبه بينابيع محبتك، وتكفكف دموع الحزانى بتعزيتك، والتي هي وجه من وجوهها.
مأتم تلك السيدة أذهلني ليس بقلّة الحضور مع أن زوجها بنبل مبارك وتقيّدًا بالإرشادات ألغى مراسم التعازي وطلب من الناس التواصل معه ومع العائلة هاتفيًّا وعبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، ولكن بالخوف المسيطر على البيئة بأسرها وبجفاف العاطفة الصادقة، وتحوّلها إلى واجب عابر.
وبالأمس القريب، توفيّ طبيب مسنّ له قيمته في قومه، وقد كان رئيس بلديّة، منع مواكبوه حين دفنه أبناء القرية التي ترأس بلديتها وقدّم بسخاء مبنى لها، فكانت الصدمة عند الأهل صاعقة، مما دفع البلدية للدعوة إلى قداس وجناز لراحة نفسه هذا الأحد. وقبل ذلك توفيت والدة صديقة غالية على قلبي لها موقع إعلاميّ، قالت لي بالحرف الواحد، مأساتنا أننا فقدنا التعزية لأنها مدى للتلاقي والتآنس، وهذا يساعد على دفعنا إلى القوة والتماسك في وجه الموت الذي خطف والدتي.
قولة المطران الحبيب لي صحيحة. نحن المسيحيين نرجو أن نقيم مع يسوع لأننا لا نطلب المدينة الزائلة بل نطلب الباقية. ومع ذلك بات ظلمًا القبول باستبداد فيروس لم نقلّل من أهميته، ولم نغفل ما يمكن أن يفعله بمن يصاب به. الأخطر من الفيروس القبول بتداعياته النفسيّة والإنسانية من دون مواجهة فعليّة، وقد ارتضى بعضنا تزوير منظمة عفنة لحقيقة هذا الفيروس وطبيعته، ودعوتها للتبشير به "كإله للموت" يفترض بنا الاختباء منه وتغيير أنماط حياتنا بالمرافقة مع تدمير اقتصادياتنا، فبات معطى فتّاكًا وخطيرًا يخيفنا أحيانًا بالأوهام وليس بالواقع.
أخطر ما أوجده هذا الفيروس تفتيت مجتمعنا وتدمير القيم المعبرة عن المحبة ومنع التواجد في المآتم والقيام بالتعازي، مثلما منع الناس من عدم المصافحة والمعانقة. ما يوجع أنّ ما لم تستطع الحرب تحقيقه قدر فيروس غير مرئيّ على تحقيقه تحت عنوان التباعد الاجتماعيّ، وقد تحوّل إلى تباعد جسديّ. أمام هذا المشهد، يتخوّف بعض علماء الاجتماع، من أن يتحوّل هذا الامتناع عن المصافحة والمعانقة وإقامة التعازي إلى أنماط دائمة متبعة Tradition عند الناس من دون فهم موضوعيّ لما تحويه مضاعفاتها من خطورة على التعاطي البشريّ، وفي التأثيرات النفسيّة التي غالبًا ما تكون نتائجها معقّدة ومؤلمة على كلّ المستويات.
وبرأي العلماء أنفسهم أيضًا، لم تعد الخطورة كامنة في الفيروس عينه بل في التسويق الخطير له، الذي يحوي مجموعة معان، ولكنّ ثمّة معنى واحدًا بدأ يطغى ويفعل فعله هنا وثمّة، محق عاداتنا المباركة المعبّرة عن التعاطف والتآزر والتسالم والتعاضد. قبل انتشار الوباء ساهمت العولمة Globalization بوسائلها المتشعّبة، وقد أسّس لها بدوره بيل غيتس الذي يتهم اليوم بلقاح الرعب، بتحويل التقارب الانسانيّ والاجتماعيّ إلى تلاق افتراضيّ، وهذا عينًا ما أبعد الناس عن بعضهم البعض. في مجتمعاتنا القرويّة وحتّى المدينيّة، كانت زيارة المرضى أولى الأولويات، إلى أن بدأت تتلاشى حتى بطلت، على قاعدة "كنت مريضًا فزرتموني"، وفي حال الوفاة كانت القرية تغلق محالّها يوم الدفن للمشاركة، والناس بذا تتعزّى، إلى أن غدونا أمام استخفاف واضح بالحدث الجلل في محطّات كثيرة، وعند بعضهم، حيث اتكلوا على وسائل التواصل الاجتماعيّ، أي على آليات العولمة التي أوجدها غيتس وجعل من العالم قرية كونيّة، ويطمح، على ما يقال، مع روكفلر وروتشيلد، إلى تحويل العملة الورقيّة في الدول إلى عملة رقميّة، وإلى جعل العالم (أي القرية الكونيّة)، تحت سيطرة حكومة واحدة تحكمه.
إلى أن وفد هذا الفيروس بضراوته ووحشيّته، وقاد العالم إلى موت التاريخ. لم تبح الحروب بموت التاريخ بقدر ما أباحه هذا الفيروس، أي موت العالم القديم ونشوء عالم جديد يولد من حطام. هذا الفيروس دفع الدول إلى أيقاف التجمعات والإغلاق. ما يخيفني على صعيد دولنا المشرقيّة ضرب عاداتنا وسحقها. المشاهد التي نراها ونتلقّى مناخاتها فظيعة ومخيفة ومريبة وقد تنذر بما هو أسوأ.
لا تهمّني الأفراح بقدر ما يهمنّي الحزن. فالحزن يحطّم صاحبه. أهميّة التعازي، ومن منّا لم يذق مرارة غياب حبيب أو عزيز؟ أنها تنقل المحبّة إلى المحزونين فتلامس جراحهم وتحاول أن ترفعهم من ضيقهم. فلماذا وببساطة كاملة لا نزال نغلق القاعات أمام التعازي؟ لقد عاد البلد إلى طبيعته، والناس عادت إلى أعمالها والشركات فتحت أبوابها على مصاريعها، وبحمد الله رجعنا إلى كنائسنا نقيم الصلاة في أرجائها ونتناول جسد الرب، والمسلمون بدورهم عادوا إلى مساجدهم، فما الذي يمنع إذًا من فتح القاعات للتعازي من أجل أن نعزي المحزون وننقل له محبتنا بل محبة الله إليه؟
لمَ يراد لنا الرضوخ لفلسفة منظمة الصحة العالميّة الفاسدة والكاذبة، مع شروع بعضهم بتضخيم الإصابات عن طريق التزوير تسويغًا لمبدأ التباعد الاجتماعيّ، وتخويفًا من وهم وجود الفيروس في بعضنا وإن لم يشعر بعوارضه؟ ما نحتاجه هو الصدق في إبراز الوقائع من ناحية والاتجاه إلى عدم الإغلاق النهائيّ والالتحاف بنعمة الحياة التي تعطينا القوة والنعمة وتجعل الله منسكبًا فينا. بلدما منهوب ومسروق فلا يمكن لأحد بعد الأعياد أن يفكر بإغلاقه. التفكير يجب أن يتجه إلى عيش طبيعيّ مع أخذ الحمايات الممكنة بعيدًا من ثقافة الخوف والرعب.
على هذا بات لزامًا أن تعمد الدولة والكنيسة إلى فتح القاعات للتعازي. المحزون أولى أولوياتنا، هذا يحتاج لمحبتنا، وفي زمن الأعياد لا تحرموه منها، بل إجلعوا المسيح يولد في قلبه مع ورود الأحبة إليه ليحملوه نورًا يضيء في ظلمة حزنه ويمنح التعزية من بركات السماء.

  • شارك الخبر