hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

29986

684

123

307

12445

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

29986

684

123

307

12445

شريط الأحداث

ليبانون فايلز - باقلامهم - جورج عبيد

بيروت ست الدنيا من الموت إلى الحياة

الأربعاء ١٢ آب ٢٠٢٠ - 08:34

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

"أيتها السيدة الطالعة كالفجر من قلب الرماد، كعروسة متشحة بالضياء".
بيروت يا وجع الحنين يا صرخة إباء المنكوبين تتخطّى الأنين، وهم واقفون مرفوعي الجبين لا صوت يستكين ولا هامة تنحني أو تلين، إلاّ لربّ العالمين. يا ثورة الحريّة والحقّ، يا فجر الكلمة المضيء، كيف لي أن أقبلك تتوجعين، وارضك مغتسلة بدماء ليست منفصلة عن دم سفك على خشبة فوق تلة الجلجة، ليجوز السيف في لحمك أنت إنسانة العصور وخليلة الدهور ليسفك دمه مع دمائك ودماء اهلك من جديد في المدور والأشرفية والجميزة والرميل وساسين والبدوي وصولاً إلى حي الناصرة والسوديكو والوسط والرأس، فكيف لا يثور الضمير ولا يعصف الغضب؟
تمشيت في أحيائك واستطبت التراث فيها، دخلت كنائسك وسجدت لربّ المحبّة في رحابها، دخلت مستشفى الروم مستشفيًا لي ولعائلتي غير مرّة وتلقينا العناية في حرمه، لم أصدّق أنه شهيد، وفي رحابه سقط أعزة وجوههم كالبدر ثيابهم دائمًا بيضاء كالنور يتجلّون على جبل الحقّ كسيدهم وهم مشدودون إلى القيامة، والتجلّي استبقاء للقيامة. واليوم أراه مع ملاك عظيم ومبارك يدنيني القلب إليه في اللحظات الذروة إلى حضرته وعيناه دامعتان وقلبه خاشع على الرجاء وإلى جانبه كهنة أتقياء وشباب أصفياء وأطباء أنقياء يرفعونه في القلب والعقل وعلى السواعد مع المهندسين والعمال. مطرانية بيروت العريقة ومستشفى القديس جاورجيوس الجامعيّ قلب الأشرفيّة وقلب بيروت وليس من انفصال بينها، الكنائس الشهيدة ستتسربل من جديد حلّة القيامة، المساجد ستصدح الله اكبر، ونحن جميعنا أهل التوحيد، نقول "إنّا لله وإنا إليه راجعون"، وإلى رحمانيته مشدودون، وإلى محبته منوجدون ولها واجدون وذائقون، وهي وحدها تنمحنا الغلبة على الموت الآن وغدًا.
بيروت الحبّ والثورة، بيروت الأدب والشعر، بيروت الرؤيا وستّ الدنيا، ستقوم من تحت الردم والرماد. سيأتي الوقت ونصرخ لقد قامت بيروت من بين الركام حالة عقالات الموت، فاستبشر يا لبنان بالفرح الأعظم. لن يتركك رب السماوات والأرض في جحيمك، هوذا شعبك غير منتظر الهبات بل منتظر كرامة وحقًّا وسلامًا، منتظر إصلاحًا جذريًّا من الأعماق يضرب الفاسدين والمستثمرين ويجعل السلطة مكانًا للمخلصين، ومدى للوطنيين. شعب لبنان على تنوّعه مارد جبّار ضاجّ بالحياة. عاش الحروب، وفي اليوم الثاني للمعارك كان ينظّف من الردم والرماد ويبني ما تهدّم وفي اللليل يذهب ويسهر ويفرح، ثم يعمل في حقله لينتج الخير ويسطع من عقله ومن بين يديه الإبداع والخلق. هذا شعب تليق به الحياة والكرامة، والدم المراق تمتمة للقيامة للنصر والظفر. هل هو البيروتيّ المارد يثب وينتفض وقد وقف وانطلق فرادى ضمن طاقته بإصلاح منزله على قدر ما يستطاع. و بعضهم الآخر منتظر الإمكانيات التي من حقّ الدولة عليه لو لم تنهب من الفاسدين والمارقين أن تساهم معه أو تبدا على نفقتها بورشة الإعمار من بعد ما تهدّم جنى العمر.
يا بيروت، ليس أحقر من استغلال دمارك واللعب على وتر دماء أهلك. لست كأورشليم قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها، بل أنت من اصطبغ بمجد القداسة وبهاء الرسالة من كوارتوس الرسول تلميذ بولس إلى جاورجيوس العظيم في الشهداء حتى الإمام الأوزاعي. في وسطك تستكين كاتدرائية القديس جاورجيوس إلى جانب مسجد محمد الأمين في فرادة لقاء بين المسيحيّة والإسلام، لم تشهدها مدينة في الدنيا على الإطلاق ما خلا دمشق والقدس. الحائط مشترك والكتف إلى الكتف. لم يبسل جمال اللقاء ويفسده سوى السياسيين الحاقدين والدول التي ترقص على جثث تستثمرها وحول أطلال تستظهرها وتشرب من دماء ابرياء تستطيبها، وبعد ذلك ومع مجيء وقت التسويات تقوم بتسويق نفسها كواحة مكرمات على حسابها وتجري التسويات بناسها، فيذعن السياسيون لها.
وعلى الرغم من ذلك ستقوم وتغسل وجهها بنور الحقّ، وتنبسط من جديد على المتوسط هامة وهالة يجتمع المشرق إلى المغرب والشرق والغرب في رحابها في أنظومة حوار لأجل الإنسان ورفعته. بيروت كالقدس ودمشق جراح للإنسانية معاصرة وحديثة، قد يخدش اللؤلؤ ولكنّ حامله الأمين عليه يجلله بالبهاء، بيروت وليدة بهاء وجمال تمازجت على أرضها تراثات الدنيا، فلا تبدو فقط عاصمة لبنان، بل عاصمة الدنيا تقبل الشمس عليها من جبال لبنان فتغمرها بأشعتها تستقبلها بقهوة البيارتة بمنقوشة طيبة يدمن عليها اهلها بكلمة "شو يابا، شو يا خال"، بأسواقها بمؤسساتها بشركاتها بفنادقها ومطاعمها بدور السينما، بتلاقي الكنائس والمساجد، وحين تغرب الشمس تقف على الشاطئ تلوّح لها بعدما استدفأت بها وتوشحت بأشعتها وهي في الشكل تذوب في مياه البحر كما ظنّنا غير مرّة حين كنّا صغارًا، فيما هي تافل نحو الغرب والبيارتة واللبنانيون والعرب المتواجدون في فنادقها يهيئون أنفسهم للسهر والسمر والتمتّع بكأس عرق أو نبيذ، أو السير على الكورنيش وامتلاء الأعين بمنظر البحر مع منظر الجبال من بعيد.
لن يمحو زلزال بيروت هذا الفرح. لقد فقدنا أحبتنا والدموع لا تزال تنهمر عليهم من مآقينا والغضب الصاعق يعصف في قلوبنا. سواء كان هذا الانفجار نتيجة لقصف إرهابيّ أو لان لماذا بيروت تدفع ثمن إهمال خطير ومرير. الذين استشهدوا ورقدوا على رجاء القيامة هل يستعادون؟ من أهمل وتاجر وحش دنيء لأنه لم يفكر بأنه قد يكون له ابن وابنة وزوجة وأب وأم وشقيقة أو شقيقة قد يقتلون في هذا الانفجار؟ إنّه إهمال متعمّد ومتآمر وملوّث بالرّشى، وهؤلاء يفترض أن يعاقبوا ليس بالإعدام بل بالعذاب ليتذكّروا بأن ثمّة أمًّا واأبًا وزوجًا وأخًا وابنا قد احترقوا على فراق أحبتهم وفلذات أكبادهم.
انفجار بيروت حافز لتنقية القضاء من الفساد، وحافز بالضرورة لتكوين لحظة جديدة سواء ولدت من رحم خارجيّ أو من اتفاق داخليّ. لقد أعلن فخامة الرئيس بأن الفساد ليس محصورًا فقط بالمرفأ بل في مصرف لبنان وفي معظم القطاعات. الحرب على الفاسدين لا يفترض أن تكون شعارًا بل فعلاً، بعد هذه الدماء. الفساد أجهض الحكومة فأسقطها، الفساد يطوّق العهد وهو لا يزال صامدًا، ولكنّ المنتظر بعد الآن من سيد العهد، وهو في الطريق إلى الاستشارات الملزمة لتسمية رئيس للحكومة أن يضرب يده على الطاولة على الطريقة الماكرونيّة ويشير بالإصبع إلى كلّ فاسد ولصّ اعتدى على مال الناس وخزينة الدولة بالسمسرات والسرقات. آن الوقت لزمجرة تطرد من ثقافتنا المحاباة، دماء أحبتنا في بيروت أغلى من هؤلاء اللصوص المستكبرين والمتعالين والمتعجرفين فيما هم عملاء وأجراء وتافهون. لا يستوي النضال واللصوصية والفريسية والمركنتيلية والماكيافيليّة، لا يتزاوج نظام الفساد مع نظام النضال والكفاح. ليس للانذال والأوباش قاتلي لبنان وماحقي كرامات البشر مكان في نظام جديد، هؤلاء سيسكنون إلى جانب يوسيفيروس وبعلزبول وساتان وشياطين الجحيم وذئابه وضباعه، وليس لهم قيامة، القيامة للأطهار والأصفياء والممسوحين بالنعمة. هؤلاء لا يستوون إلى جانب السواعد السمراء الممدودة من الجنوب إلى دمشق وفلسطين، ومن كل بيروت إلى المشرق.
بيروت يا بيروت، ها أنت تصفعينهم وأنت الآن أطلال منازل ومؤسسات ورماد متكوّم والدماء من جوفك تصرخ غضبًا حتى يوم القيامة، وستصفعينهم في اللحظة التي ستقومين بها من تحت الردم ليصيروا هم الرماد. لعنة الله عليهم، ومحبته وسلامه ورضوانه عليك فيما أنت مصلوبة وراقدة وفي اللحظة التي ستبعثين حيّة.

  • شارك الخبر