hit counter script

ليبانون فايلز - باقلامهم باقلامهم - بقلم العميد محمد الحسيني

الرصاص "الطائش" يُصيب المقاومة…وسفينة "التالينا" في لبنان مشروع فتنة

الثلاثاء ٢١ أيار ٢٠٢٤ - 00:00

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

شأنه شأن أطفال سبعينات القرن الماضي من الذين كلفوا بإدارة ماراتون الذهاب والإياب إلى دكانة القرية، خرج هذه المرة في ظهيرة شهر يناير لجلب عدده المحدد من الأرغفة كعادته في كل يوم… إذ استوقفه منظر لم يألفه من قبل، عشرات الرجال من الأحزاب اليسارية اللبنانية في مظاهرة مسلحة ما بين الساحة العامة والمسجد، بعضهم من قريته والبعض الآخر من القرى المجاورة، أتوا ويدهم على الزناد بانتظار شيء ما… وفي لحظة الوصول الأليم تنافسوا على إطلاق الرصاص في الهواء يواكبهم بين الفينة والأخرى زغاريد لبعض نسوة القرية، في وقت جلس فيه معظم الأطفال القرفصاء بين مُطلقي النار يلتقطون مظاريف الطلقات التي تتساقط أرضاً رغم سخونتها.
إنما أين تهاوى الرصاص الذي ارتفع عامودياً؟… فتلك حكاية كل رصاصة حسب اتجاهها، لكن من المؤكد يومها أنها انهمرت لتتوزع أفقياً على امتداد الحقول المنتشرة بين القرى، والشفاعة يومئذ في عدم وقوع إصابات تعود إلى قلة الكثافة السكانية من بعد اللطف الإلهي… أما السبب في كل هذا هو استقبال جنازتيّ محمد عز الدين وموسى رحال من بلدة النميرية في الجنوب اللبناني، اللذين كانا يعملان في "أفران الاتحاد" ضمن منطقة مار مخايل من بيروت، حين خطفهما عناصر من أحد الأحزاب اللبنانية اليمينية عند سنتر الجعيتاوي، وهما في طريقهما إلى تأمين قوت أولادهما، فأعدما على "الهوية" مع آخرين وذلك في الأول من يناير العام 1976 خلال الحرب الأهلية اللبنانية. كانت المرة الأولى التي تلتقط فيها الأذن عبارات سوداء مثل الخطف والقتل على "الهوية" أو على "اللكنة" أو حتى على "هيئة" المغدور، وأيضاً هي المرة الأولى التي تُطرب فيها الأذن لأزيز الرصاص يخترق الأفق ليعود إلى الأرض فيسمى "رصاص طائش".
والرصاص الطائش هو نتيجة حتمية للعبث بالسلاح عبر إطلاق النار في الهواء وبشكل عشوائي، وقد غدا تقليداً شائعاً في بعض أنحاء العالم وحاضراً بقوة في البلاد العربية وتحديداً لبنان. حيث تنوعت أسبابه وفقاً للمناسبة، فمنه ما يحصل خلال الفرح أو الترح وفي بعض الحالات تستخدمه القوات النظامية المسلحة لتفريق المتظاهرين، ويرغب البعض الآخر في إعطائه بُعداً ايديولوجياً نضالياً بهدف الاستعراض السياسي، وغالباً ما يُطلقه الرجل العربي غريزياً في استعراضٍ لفروسيته المفقودة أو لمجرد تحسين مزاجه لا غير… وعلى مر هذه السنين حصلت إصابات عديدة نتيجة للرصاص الطائش، إذ أصبحت كل رصاصة منه لعنة عابرة للمناطق، قد تصيب من تشاء وفقاً لاتجاه محور السلاح، حتى بات إطلاق الرصاص في الهواء باتجاهات محددة يحمل في طياته نوايا غير سليمة، على غرار ما حصل في منطقة الشياح (عين الرمانة)، حين أُطلق الرصاص في الهواء لكن باتجاه الغرب خلال إحدى مراسم التشييع، نتج عنه سقوط الرصاص الطائش على الأماكن السكنية أدى الى مقتل لاعب كرة القدم محمد عطوي وإصابة شخص آخر بجراح…
وليس آخرها خلال الشهر المنصرم حادثة إصابة طفل جراء الرصاص الطائش الذي انهمر في بلدة "ببنين" في عكار، خلال تشييع "قوات الفجر" (الجناح العسكري في الجماعة الاسلامية) لكل من مصعب وبلال خلف اللذين استشهدا في البقاع الغربي على "طريق القدس". وبعيداً عن موضوع انتشار السلاح الفردي بأيدي اللبنانيين كافة، والموجود تقليدياً في أثاث كل منزل منذ ما قبل الحرب الأهليه، وبغض النظر عن شجب "الجماعة الاسلامية" لاطلاق النار واستنكارها الظهور المسلح، وتوقيف الجيش اللبناني لبعضهم، فإنّ مسألة إطلاق النار في الهواء مهما كانت الظروف وبُرّرت الأسباب تبقى من المُحرمات الإجتماعية والأخلاقية والدينية، من قبل أنّ يُسن له قانون لمراعاة ضبطه… لكن الأكثر تحريماً فقدان الحس الوطني والشعور الإنساني، والتحريض على الاقتتال الداخلي… فلا تستقيم الأمورمن خلال إجراء إسقاط لحادثة "ببنين" على حادثة سفينة "التالينا"على سبيل المثال، واستخلاص مقارنة عقيمة بأنّ تقوم الحكومة اللبنانية وبعد تحييدها ل"حزب الله" بإغراق "قوات الفجر" والقضاء عليها، كما أغرقت الحكومة الصهيونية سفينة "التالينا" وقضت عليها!
هذه السفينة التي تعود بقصتها إلى عصابة "أرغون ايتسيل" (أي المنظمة العسكرية القومية، وهي إحدى عصابات الهاغانا الإرهابية)، حين اشترتها في العام 1947 بهدف نقل مهاجرين صهاينة مسلحين من فرنسا إلى فلسطين التاريخية، حيث رست عند شواطئ مدينة يافا في المنتصف الثاني من شهر يونيو العام 1948. في وقتها كان قد أُعلن عن إنشاء الجيش الصهيوني لدولة الاحتلال في مطلع شهر يونيو من العام نفسه، تمهيداً لتنظيم العمل العسكري لجميع العصابات الصهيونية المسلحة التي كانت تنشط في فلسطين المحتلة في إطار واحد وموحد. وطُلب في حينها من العصابات الإمتناع عن القيام بأي نشاط عسكري إلا تحت مظلة جيش الاحتلال المُعلن عنه.
لم يلتزم "مناحيم بيغين" قائد "إيتسل" بذلك، حين صعد على متن السفينة في 20 يونيو العام 1948، محاولاً تهريب الأسلحة إلى القدس المحتلة، حيث كانت "إيستيل" تتمتع بنفوذ واسع، لكن رئيس الحكومة "دافيد بن غوريون" اعتبر هذا الإجراء نوعاً من العصيان على أوامره الساعية إلى تأكيد وحدة القوات الصهيونية، فاندلعت على إثرها معركة بين جيش العصابات الصهيونية وعصابة "إيستيل" الارهابية، أغرق خلالها الجيش سفينة "التالينا" في 23 يونيو العام 1948، وانتهت المعركة بمقتل 16 عنصراً وجرح واعتقال العشرات من عصابة "إيستيل" وفرار "مناحيم بيغن"، في حين لم يُصب أحد من عناصر الجيش الصهيوني، وهذا ما يُثبّت أقوال "بيغن" الذي اعتبر الهجوم على السفينة مدخلاً لحرب أهلية، فرفض الإنجرار خلفها، ويالتالي يُفسر سبب عدم وقوع إصابات في الطرف المهاجم…
فإذا كان "مناحيم بيغن" عراب اتفاقية السلام المنفردة مع مصر، ومهندس عملية الليطاني في العام 1978, واجتياح لبنان في العام 1982، قد تدارك الموقف ولم ينجرّ إلى الحرب الأهلية فيما بينهم… فهل هي دعوة مبطنة لحل سلاح مقاوم بقوة السلاح، ما يهدد استقرار لبنان من شماله إلى جنوبه؟ خاصة وأنّ "قوات الفجر" باتت مستهدفة صهيونياً… وبغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت في "ببنين"، فيجب الفصل بين السلاح العبثي الموجه إلى الأعلى أو في الداخل اللبناني، والسلاح المقاوم الموجه جنوباً بما فيهم "قوات الفجر"، والتي لديها تاريخ في مقاومة العدومنذ العام 1982، لا أن تقارن بعصابة صهيونية إرهابية ارتكبت عدة مجازر بحق الفلسطينيين واللبنانيين، منهم مجزرتي "دير ياسين" و "حولا" في العام 1948؟
وإذا كان أول من أعلن عن ولادة الكيان الغاصب في مايو العام 1948 هو "دافيد بن غوريون"، والذي هو على خلاف سياسي حاد مع "مناحيم بيغن"، فما الهدف من استنساخ خلافاتهما واسقاطها على الحكومة والمقاومين في لبنان؟ ولماذا تحيُن فرصة تفلت مسلح في مكان ما للتصويب على تنظيم مقاوم، والمطالبة بمعاملته أسوة بعصابة "إيستيل"؟…"ما هَكَذا يا سَعْدُ تُوْرَدُ الإِبـِل" فالحكومة اللبنانية الحالية (معًا للإنقاذ) شأنها شأن الحكومات السابقة (منذ اتفاق الطائف) تعمل بكل بساطة تحت سقف البيان الوزاري، سيما البند الثاني الذي ورد فيه: "مع التأكيد على حق المواطنين اللبنانيين في المقاومة للإحتلال الإسرائيلي وردّ إعتداءاته وإسترجاع الأراضي المحتلة"… بالتالي لم يحدّد البيان الوزاري حزباً أو يسمّي تنظيماً معيناً، بل ترك الباب مفتوحاً أمام المواطنين اللبنانيين كافة، لمن شاء وأراد مقاومة الاحتلال الصهيوني فليتقدّم… إن استطاع إليها سبيلا.

  • شارك الخبر