hit counter script
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

2334

166

9

36

1420

1214
Covid-19 icon

COVID-19

#خليك_بالبيت

1214

2334

166

9

36

1420

ليبانون فايلز - أخبار محليّة | مجتمع مدني وثقافة

"الرئاسة المقاومة"... الجميل يُطلق في ندوة مذكراته

الجمعة ٢٦ حزيران ٢٠٢٠ - 17:14

  • x
  • ع
  • ع
  • ع
اخبار ليبانون فايلز متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

عقدت في سراي بكفيا  ظهر اليوم ندوة حول كتاب" الرئاسة المقاومة" بدعوة من الرئيس أمين الجميّل ومؤسسة بيت المستقبل شارك فيها أمين عام جامعة الدول العربية السابق الأستاذ عمرو موسى، الأستاذ مروان حمادة الدكتور إيلي سالم، الإعلامي جورج غانم وحشد من الصحافيين والإعلاميين والأكاديميين والسياسيين.

الرئيس الجميّل

استهل الرئيس الجميّل الكلام  بكلمة اعلن فيها: استلمت مقاليد الرئاسة في ظل إحتلالات خارجية، وحروب داخلية وتعثّر إقتصادي خطير. هذا ما وضع ولايتي الرئاسيّة أمام تحديات مستحيلة كانت تتطلب معجزة لإنقاذ البلاد. ومنذ بداية العهد، كان التحدي أمامي ثلاثياً: تحقيق السيادة، تعزيز الوحدة، والحماية الاقتصادية والاجتماعيّة.

وقال: كانت السيادة عندي الهاجس الأول. من دونها لا سياسة، ولا أمن، ولا إستقرار إقتصادي وإجتماعي.

السيادة

في معرض إنجاز هذه السيادة، توقفت عند ثلاث لاءات، تلخّص رهاني:

قلت كلا للإرتهان لسوريا، ووقفت بوجه الرئيس حافظ الأسد في دمشق وأسقطت الاتفاق الثلاثي بتاريخ 13 كانون الثاني 1986 ، لأنني إعتبرته يتناقض مع مستلزمات السيادة الوطنية.

قلت كلا للتوطين الفلسطيني السياسي والعسكري والديموغرافي، بإلغاء اتفاق القاهرة الموقّع سنة 1969 بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد تمّ ذلك في مجلس النواب في أيار 1987، سنة قبل انتهاء ولايتي.

قلت كلا للأطماع الاسرائيلية  ورفضت توقيع اتفاق 17 أيار في 17 أيار بالذات ما لم يحقق السيادة اللبنانية بفعل عبثية الموقف الاسرائيلي. وحرصاً مني على توفير شبكة أمان ضد ردات الفعل الإسرائيلية، وبناءً على إصراري، دعم الرئيس الاميركي رونالد ريغان الموقف اللبناني في كتاب رسمي مؤرّخ في 17 أيار 1983 (رسالة ريغن مؤرخة في 17 أيار أيضاً  وهي واردة في الصفحة 187 من الكتاب).

الوحدة

واضاف: في خِضمﹾ الاحتلالات والإنقسامات التي أجّجت العلاقات اللبنانيّة-اللبنانيّة، كان هاجسي تعزيز وحدة البلد والشعب تحت مظلّة المؤسسات الرسميّة. فكانت الحكومة الأولى مستقلّة 100 % تمثّل المجتمع المدني، لا تمثيل حزبياً فيها، لا مباشر ولا بالواسطة، أولوية هذه الحكومة السعي الى المصالحة الوطنية. أما الحكومة الثانية من الولاية، فكانت إئتلافية بإمتياز، جسّدت وحدة البلاد، وحفظته حتى آخر يوم من ولايتي.

كما دعوت الى عدة مؤتمرات مصالحة وحوار جامعة في جنيف ولوزان وبكفيا، لم يغب عنها أحد.

الحماية الإقتصادية والاجتماعية

وقال: في ظروف ملبّدة بالحروب والنزاعات والخراب والدمار والتعطيل المتعمّد، عملت على ضبط المحفظة المالية وعلى الحفاظ على الأمن الإجتماعي الى حدٍّ كبير، وسلّمت الدولة مع نهاية الولاية دون دين خارجي يُذكر. كما أني، وحرصاً على الثروة الوطنية، عملت على إصدار قانون في مجلس النواب يمنع التصرف باحتياطي الذهب دون موافقة المجلس.

وختم الرئيس الجميّل: حبّذا لو نتّخذ العبر من هذه التجربة كما أوردتها في هذا الكتاب، لعلّ ذلك ينتشلنا من المأزق الراهن، يوقف هذا الإنحدار الإنتحاري على كل الصُعد ويحفظ لبنان.

موسى

وتحدث الأستاذ عمرو موسى عبر السكايب فشدد في شهادته على الدور الكبير والمهم الذي لعبه الرئيس أمين الجميل في تاريخ لبنان المعاصر، وقال:" إن عنوان الكتاب معبر جداً لأن الرئيس الجميّل كان دوماً مقاوماً لكل ما يمس بلبنان وبسيادته وبرخائه، وقد تولى رئاسة الجمهورية في فترة عصيبة وغاية في الحساسية من تاريخ البلاد، وتعامل مع ظروف قاسية للغاية غلب عليها اضطراب في فهم حاضر لبنان ومستقبله، وتغليب المصالح الخاصة على المصالح الوطنية والنقص في الشعور بلبنان وبخطورة ما يتعرض. وأكد أن لبنان هو عنصر رئيس في مجتمعات العالم العربي،  اذ ساهم مساهمة فعالة في النهضة التي غيرت وجه العالم العربي.

وإذ نوه بمضمون الكتاب ككل، قال:" إن ما لفته وشده هو أحداث الليلة الاخيرة للرئيس الجميل في قصر بعبدا، وكيف حاول بشتى الطرق ضمان أمن لبنان واستقراره بعد انتهاء ولايته في ظروف جد ملبدة. وكشف أنه كثيراً ما التقى بالرئيس الجميّل أكان خلال فترة توليه أمانة الجامعة العربية حين كان مهتماً بشكل خاص بلبنان، أو كعضو في الكثير من المراكز البحثية.

وأضاف: "وجدت في الرئيس الجميّل شخصية محببة تتمتع برصانة عميقة وبإدراك كبير لديناميات العالم العربي ولخطورة التطورات الراهنة التي تهدد اليوم الأمن العربي والقماشة العربية".

وتابع: "يتمتع الرئيس الجميّل بقدرة على إيصال أفكاره، وسعدت دوماً بالاستماع إليه وبالتعامل معه وبقراءة كتبه وبمناقشة مشاكل لبنان وحاضره ومستقبله، بكل ما لهذا البلد من أهمية في المنطقة وخارجها".

وهنأ موسى الرئيس الجميّل بصدور هذا الكتاب، متمنياً عليه توسيع نشره في المكتبات العربية ليتسنى لكل أطياف مجتمعات المنطقة قراءته والإفادة من التجارب التي خاضها، "وخصوصاً الليلة الأخيرة التي يجب أن تدرس، حين كان في سباق مع الزمن وسار عكس الوتيرة التي كان يسير عليها آنذاك بعض قادة العالم العربي".

وختم كاشفاً أن الجزء الثاني من كتاب مذكراته خلال توليه الأمانة العامة للجامعة العربية بين 2001 و2011، يحتوي على تفصيلات مهمة حول لبنان والتواصل الذي قامت به الجامعة مع قادة لبنان ومجتمعه في مقاربة جديدة للجامعة بتعاملها مع شؤون دولها الداخلية، وعلى كلام للرئيس الجميّل وزعماء لبنان حول هذه الفترة.

غانم

وقدم الإعلامي غانم كلمة جاء فيها : الارتقاء الى سدّة الرئاسة في لبنان ومغادرتها، له منذ نصف قرن ونيّف، طقوس شكسبيرية كتبها التاريخ بحروفه التي لا يغيب عنها لون الأسرار والمأساة والدم . كلّ من ارتفع دخل الى حلقات كواليس ماكبث والملك لير وقصص الساحرات واللّعنات والألغاز.

في جمهورية أمين الجميّل أضيفت عناصر المأساة وارتسمت التحوّلات وشماً دائماً على جسد التاريخ. وكما البطل في تراجيديا يونانية، توحّد في القدر الصعب لبنان الذبيح وأمين الجميّل الرئيس، ابن العائلة التي ارّخت لحياتها بدماء خمسة من ابنائها، طليعهم رئيس شقيق الرئيس، وخاتمهم بيار الشهيد نجل الرئيس.  امّا هو فاختبر الحياة والموت في وقت واحد، واندمج زمنان في واحد، زمن للأمل وآخر لخيبة الأمل .

كان أمين الجميّل ،اوّل َ رئيسٍ لبناني يخلف رئيسَين في ايّامٍ قليلة: الياس سركيس الذي أنهى ستَّ سنوات من البطولة الصامتة، وبشير الجمّيل، طيفُ البطولة الهادرة الذي رسم في اثنين وعشرين يوماً عهداً كاملاً من الأحلام، وربّما من الاوهام.

وقال: كانت القوات المتعدّدة الجنسيّات في بيروت، وكان اللبنانيون في جمهورية متعدّدة الجنسيّات والهويّات. كان الاسرائيليون في بيروت وبعبدا والجبل والجنوب وبعضِ البقاع، وكان السوريون والفلسطينيون والحرس الثوري الإيراني الوافد حديثاً، في الباقي من الخريطة التي مزَّقتها حروبٌ متعاقبة: مسيحية-فلسطينية وسورية-لبنانية ومسيحية-إسلامية ثمّ مسيحية-سورية، مروراً بسورية-فلسطينية وسورية-لبنانية ومسيحية-مسيحية، بالاضافة الى حربٍ فلسطينية-إسرائيلية وسورية-إسرائيلية٠ كلّ ذلك تحت سقف الحرب الأميركية-السّوفياتية الباردة، فكان على الرئيس الشاب ترميمُ  دولة وبناؤها أقوى من الاحتلالات والدويلات، بركام دولةٍ أضحت مساحتها في حدود مكتب الرئيس في القصر المهدّم والمحاصر بحواجز ارييل شارون. غريباً بدا أمين الجميّل في القصر الفارغ والحزين. فقد وصل اليه بربطة عنق سوداء، على متن مشروعٍ إقليمي فُصِّل على قياس شقيقه الشهيد، ولَم تكن له علاقةٌ بمعادلاته الداخلية والخارجية، بل على العكس من ذلك، فقد كان النائب أمين الجميّل متّهماً في بيئته الحزبية، بعدم قطع الخطوط أبداً مع المسلمين والسوريين والفلسطينيين، اذ عبر الى بيروت الغربية المحاصرة خلال الاجتياح الاسرائيلي مرّتٓين، والتقى ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية، ونقل بطلبٍ من ابو عمَّار ارملة ابو حسن سلامه جورجينا رزق وطفلها من جحيم القصف الى ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية، ليواجه أسئلة بشير وغضب جهازِ أمن القوات اللبنانية. كما انّه لم يلتقِ القادة الإسرائيليين سوى على هامش مراسم تعازي شقيقه بشير .واحتفظ الرئيس الجميّل برسالةٍ معبّرة من ابو أياد نشرها في المذكّرات دوّن فيها القيادي الفلسطيني: أكرّر شكري لك، وقد أخبرتُ أولادي الليلة بأنّ هناك رجلاً كان خصماً ومقاتلاً شريفاً، حاول ان يبادر بحلولٍ تحفظ من هذه المذابح، لكنّه لم يتمكّن.اذا عشنا والتقينا سنتذكّر هذا الحديث، والاّ اترك هذه الرسالة عندك للتاريخ والمستقبل.

اضاف: في المقابل، ورغم عدم الاعتراض السوري على الانتخاب الذي نقله ضابط المخابرات مُحَمَّد غانم في لقاء السيّارة عند تقاطع الدوّار-ضهور الشوير، فإنّ دمشق التي ربحت نقطةً في المواجهة بشطب بشير، كانت تترقّب التطوّرات استعداداً للانقضاض واستعادة المبادرة بدعمٍ من موسكو، في التصدّي لقوات الحلف الأطلسي المنتشرة على شواطىء بيروت. كذلك كان الرئيس الجديد يعرف أنّ التوافق المصطنع على انتخابه عابرٌ وهشّ، وأنّ اسرائيل تُمسك بصاعق التفجير في الجبل بين الدروز والقوات اللبنانية التي كان من المفترض ان تكون داعمة للرئيس الكتائبي، فإذا برجالها يعاملونه كأنّه حاملُ المشروع النّقيض لقائدهم الشهيد، والرّجل الذي حرمهم مكاسب اعتبروها حقّاً لهم .

رغم كلّ ذلك حاول تحقيق معجزة الفصل بين قوّة الموقف وضعف الموقع. لم يُرِد للبنان الاستمرارَ في دور هاملت المتردّد الذي يقول نكون او لا نكون. ولم يكن الخيار أمامه إلاّ ان يقرّر ان يكون، فأطلق ما سمّاه مغامرة الإنقاذ معتمداً على الأميركيين .

وتابع: كانت المهمّة الاصعب السعي لإخراج اسرائيل من لبنان عبر اتّفاقٍ فرضه وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز من دون ان يحميه، وربطته اسرائيل بشرطٍ تعجيزي هو الانسحاب السوري المتزامن، وسمَّاه الرئيس حافظ الأسد اتفاق إذعان يجعل من لبنان محميّةً إسرائيلية وعدوّاً لسوريا. وذكّر الأسد الوزير ايلي سالم في تهديدٍ مبطّن للجميّل، باغتيال أنور السادات على يد شعبه لأنّه خان قضيّة مصر.

هكذا وُلِد الاتفاق المسموم ميتاً. اسرائيل أراحت سوريا بإعطاء الأسد حقّ النقض. والرئيس الجميّل ردّ برسالةٍ جانبية مماثلة تؤكّد على أنّ لبنان في حلٍّ من الاتفاق، مدعوماً برسالةٍ من الرئيس الأميركي ريغان أعطته الحقّ في تعليق التزاماته في حال عدم انسحاب القوات الإسرائيلية .

على مدى ثلاثٍ وثلاثين جولة مفاوضات أنتجت ما عُرف باتفاق السابع عشر من أيار، تأكّد أمين الجميّل بالوقائع والمناقشات مع الأميركيين والسوريين والأوروبيين والعرب، أنّ محطّة التورّط الأميركي في لبنان سنة ١٩٨٢، كانت لحظةً عابرة فرضها الثلاثي الاسرائيلي بيغن -شارون-ايتان، وأنّ الولايات المتحّدة حاولت استثمار العملية العسكرية الإسرائيلية لدفع مشروع الرئيس ريغان للسلام العربي -الاسرائيلي، وأنّ أميركا تريد الحلّ في لبنان لتصل الى التسوية في الشرق الأوسط. وعندما فشلت واشنطن واضطرّت الى الانسحاب مع قوات الأطلسي بعد تفجير المارينز والدراكار الفرنسيين ونسف السفارة الأميركية وأقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، عاد السوريون والإسرائيليون الى استراتيجية الخطوط الحمر التي نسّقتها الديبلوماسية الأميركية سنة  ١٩٧٦لترتيب حدود التدخّل العسكري السوري  وجعلت لبنان كو ندومينيوم سوري-إسرائيلي، الغاية منه احتواء  منظمة التحرير الفلسطينية وابعاد خطّ الاحتكاك العسكري المباشر عن أرضهما الى دولة حاجز مفكّكة هي لبنان .

وقال: اعادة تعويم الخطوط الحمر جاءت فاقعة في الاقتراحات والعروض الدولية والاميركية والاسرائيلية وبالوقائع الميدانية. تشويش الزوارق الإسرائيلية على اتصالات الجيش اللبناني خلال حرب الجبل ثبّت التواطوء السوري -الاسرائيلي .وقبيل الانسحاب المفخّخ طرح الاسرائيليون ما سمّاه الرئيس الجميّل كورنة (نسبة الى كوريا) الوضع من خلال إقامة خطّ تماس عسكري عند نهر الأوّلي يقسّم البلد الى منطقَتَين: واحدة تحت سيطرة السوريين واُخرى تحت سيطرة اسرائيل بقيادة سعد حدّاد، ويكون الشوف منطقة عازلة. وفِي أيار ١٩٨٤ نقل مساعد الأمين العام للأمم المتحدة برايان اوركهارت الى الرئيس الجميّل اقتراحاً من اسحق شامير يقضي بانتشار وحدات اليونيفيل في البقاع الغربي للفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية وإقامة منطقة عازلة على غرار الشوف. وتكرّر العرض في مفاوضات الناقورة سنة ١٩٨٥، مضافاً اليه اقتراح أميركي -دولي بنشر اليونيفيل المعزّزة حول المخيّمات الفلسطينية في الجنوب.

تقاسم لبنان وتقسيمه تطوّر في ظلّ الخطوط الحمر بورقة مكتوبة لديفيد كيمحي، عرض فيها انسحاباً مشروطاً بترتيبات أمنية في الجنوب مع ضمان انسحاب سوري باستثناء المنطقة الممتدّة من انفه شمالاً الى دير الأحمر شرقاً حتى الحدود السورية. وتوسّع كيمحي شارحاً، إنّه بهدف الحفاظ على الهيمنة المسيحية سوف تتّخذ إجراءاتٌ قانونية لتحويل لبنان الى نظام كانتونات مكوّن من واحد مركزي ذي اكثرية مسيحية يضمّ العاصمة ومقر الحكومة، وكانتوناتٍ اخرى تبعاً لتركيبة السكّان بالاضافة الى كانتون تحت السيطرة الإسرائيلية بإدارة سعد حدّاد.

واعلن: الوهم الأميركي كان الاختبار المرّ الذي عانى منه  الرئيس الجميّل لدرجة أنّه قال للموفد ريتشارد مورفي: هل الولايات المتحدة معتادة معاقبة اصدقائها؟

تدرّج حماس الرئيس ريغان من الدعم شبه المطلق في القمّة الاولى مع الجميّل في خريف ١٩٨٢ الى تراجع مفاجىء في القمّة الثانية في تمّوز ١٩٨٣. فوجىء الرئيس اللبناني بالرئيس الأميركي يستقبله بإعطائه نسخة عن رسالة الى حافظ الأسد وشقيقه رفعت لشكرهما على المساعدة في تحرير رئيس الجامعة الأميركية في بيروت دايفيد دودج الذي كان خطف في تمّوز ١٩٨٢. أمّا الباقي من المباحثات فدعا اللبنانيين الى اعتبار اتفاق ١٧ أيار ورقة مهمّة لكن تصرّفوا على أساس أنّها شيك غير موجود. وبلغ التخلّي الأميركي حدّاً وصل الى ان ينقل الديبلوماسي ريتشارد فيربانكس الى الرئيس الجميّل رسالة إسرائيلية تطالب بمنح الدروز في الشوف وضعاً خاصاً. وفي حال الموافقة، ففي وسع اسرائيل استخدام نفوذها لدى الطائفة الدرزية لوقف المعارك في الجبل .

هكذا أحدث قصف المدمّرة نيوجرسي غباراً لا أضراراً، فيما كان السفير الأميركي يهرول الى ملجأ قصر بعبدا للاحتماء وفِي وصف درامي للسلوك الأميركي، كتب وزير الدفاع الأميركي كاسبار واينبرغر في مذكراته عن الوضع عشية الانسحاب: كأنّنا نشهد جلاء الجيش الأميركي من فييتنام، ويعود إليّ ان أسلّم الى الرئيس الجميّل الرسالة المحزنة. تلك كانت المهمّة الأكثر إيلاماً التي ادّيتها في حياتي، لكن لم أكن اعلم أنّ التحرّر من الالتزام الأميركي كان نهائياً.

هكذا وجد الجميّل نفسه وحيداً في مواجهة اسرائيل وسوريا المدعومة من موسكو التي ابلغ سفيرها سولداتوف الرئيس اللبناني بأنّ الأميركيين سيدفعون غالياً جدّاً ثمن عدم التعاون معنا .

لقد كان هدف الولايات المتحدة تحقيق الحوار  الاستراتيجي الأميركي -السوري من خلال لبنان وعلى حسابه.وكان حافظ الأسد يتمسّك بإستراتيجيته نفسها منذ مطلع الحرب اللبنانية وهي السيطرة على الورقتـين اللبنانية والفلسطينية للتفاوض باسمهما في اي محادثات سلام ومع الأميركيين.

في ذروة حرب اتفاق ١٧ أيار قال الأسد للوسيط الملكي السعودي الامير بندر بن سلطان: الأميركيون اغبياء لأنّهم ربطوا الاتفاق بالانسحاب السوري وبذلك حلٌوا مشكلة سوريا. وهذا ما أعاد البحث الى المربّع الأوّل الذي تحدّث عنه الأسد الى الرئيس الجميّل في اللقاء الأوّل بينهما في نيودلهي سنة١٩٨٣ اذ قال إنّ وجود جيشه في لبنان نوع من التوازن الاستراتيجي بين سوريا وإسرائيل. وتحت ستار هذا التوازن، سعى الى تحقيق المشاريع السورية التاريخية في لبنان عبر اللعب على التناقضات الطائفية واستخدام الحلفاء اللبنانيين والإقليميين.

واوضح:"كانت العلاقات المميّزة هي الثمن السوري لإنهاء الحرب في لبنان، وكانت الإصلاحات او المطالب الاسلامية بإعادة توزيع السلطة بين الطائف هي الذريعة والوسيلة .وقد تجسّد ذلك في الاتفاق الثلاثي الذي خاطر برفضه الرئيس الجميّل وساهم بإسقاطه رغم الحياد الأميركي السلبي حياله ،اذ اعتبر السفير بارثولوميو أنّ الاتفاق يجلب للبنان هدوءاً نسبياً لكنّه مضرٌ بمستقبله.

بعدها عادت سوريا الى بيروت واقتلعت حلفاء عرفات ونفوذه في المخيّمات وأمسكت بالحلفاء والاعداء وكشف الوزير فاروق الشرع لايلي سالم، مطامع سوريا بشكل فجّ سنة ١٩٨٧قائلاً: السيادة ماذا تعني؟ على لبنان ان يعهد فيها الى سوريا. نريد ان نعقد تحالفاً استراتيجياً طويل الامد. نريد ان تكون لنا كلمة في اختيار السياسيين الذين يحكمون لبنان. امّا الجيش السوري، فعليكم ان تفهموا أنّ وجوده هو بصفة دائمة وعلى لبنان ان يتنازل عن جزء من سيادته. تعلمون أنّ الوطن اللبناني لم يكن له يوماً وجود فعلي ،بل هو من مخلَّفات الاستعمار التي حان الوقت لاستئصالها.

كان أمين الجميّل الذي وصفه جا لارتيغي في باري ماتش بأنّه الرجل الاخطر في العالم، يواجه وحيداً الخيانات والخيبات والانقلابات والانتفاضات.كان عليه ان يدير ما هو غير قابل للإدارة ، وان يفاوض غلى ما هو قابل للتفاوض ،وان يجسّد وحدة اللبنانيين غير الموحـّدين.كان عليه أيضاً ان يناور مع الأسد الذي جعله بلطفه الزائد ودماثته على عكس ممثّله الفظّ والمتعالي خدّام، ان يتسلّق الجلجلة على درب مفروشة بالورود. وكان يعرف أنّ الخوف من ثمن التسوية مع سوريا لا يقلّ عن الخوف من ثمن الحرب .

اضاف:"تلطّى كثيرون وراء رفضه وصلابته. المفتي الراحل حسن خالد وكذلك القيادات السُنّية .وليد جنبلاط اعتمد على وطنية أمين الجميّل لاسقاط الاتفاق الثلاثي. وفي لقاء مع ايلي سالم في آب ١٩٨٥ في المختارة قال: أؤيّد الشيخ أمين في موقفه، فهو حتى الآن لم يطلب الدخول السوري .اهدافي تختلف عن أهداف حلفائه ،فالشيعة يريدون نظاماً جديداً برئاستهم وهذا امر خطير جدّاً .الطموحات الدينية للشيعة قد تجعل لبنان ايران اخرى .املي ان يحافظ الشيخ أمين على أعصابه ولا يعطي السوريين اكثر ممّا يريدون.

كان جورج جورج اورويل يقول: أنّ القدّيسين مذنبون حتى يثبتوا براءتهم.

لم يدّع أمين الجميّل القداسة وان كان أخصامه البسوه رداء الشيطنة طويلاً .هو اليوم قدّم مرافعته للتاريخ بالوثائق والمحاضر .قد يواصل الناس ترداد ما حفظوه غيباً وفق الوشايات والشائعات والتخيٌلات.لكنّ لا الذين قالوا أنّ عهده كان عنوان الفرص الضائعة، حاولوا قراءة الظروف الداخلية والخارجية وموازين القوى المتبدّلة، ولا هو استطاع إقناع احد انّه غامر باللعب فوق الخطوط الحمر معتمداً على الأميركيين والغرب وبعض العرب. وعندما اخفق واسقط اتفاق ١٧ أيار بعدم إبرامه ، انتقل من مغامرة إنقاذ لبنان الى دور الحفاظ على لبنان كما عرفه .

حاصرته استحالة عودة لبنان الموحّد، ورفض حالة لبنان المقسّم ،فأرغم على القبول بلبنان الممكن القائم على توازن الدويلات والاحتلالات مع حق ّ النقض والرفض الذي تمسّك به الرئيس باسم الشرعية والمؤسسات.

لم يستطع أمين الجميّل كسر الخطوط الحمر الإقليمية والدولية، لكنّه أبقى خطوطه مفتوحة مع الجميع ،كما لم يقبل تجاوز خطوطٍ حمرٍ داخلية والتورّط بلعبة دم أهلية.

فبعد غياب الشيخ بيار الجميّل الذي وازن بين الوقوف الى جانب نجله الأكبر رئيس الجمهورية ،وحماية إرث نجله الأصغر، القوات اللبنانية، تجنّب الشيخ أمين الاصطدام بجموح  الطموحات القاتلة للقيادات المسيحية المتنافسة.

اخبره السفير الأميركي جون كيلي أنّ العماد ميشال عون يحضّر انقلاباً عشية الاستحقاق الرئاسي سنة ١٩٨٨،فلم يهتزّ. وارسل اليه الرئيس سليم الحص ووزي الدفاع عادل عسيران مرسوم اقالة العماد عون من قيادة الجيش، فلم يوقّع .

بعد انتفاضة القوات اللبنانية سنة ١٩٨٥ ، عرض عليه الرئيس حافظ الأسد إرسال وحدات القوات الخاصة السورية لقمع التمرٌد لمصلحة الشرعية في عملية تنظيف محدّدة، فرفض.

رفض أيضاً المقايضة بين السلطة والقضية. فلم يضعف امام اغراء ما نقله الوسيط مهدي التاجر في أيلول ١٩٨٦ عن حافظ الأسد الذي قال: يا مهدي، أنا اكنّ مَودّة خاصة للشيخ أمين. اذا توصَّلْنا الى اتفاق معه، فسآتي بالعجائب، ويمكن ان يبقى زمناً طويلاً رئيساً للبنان ويدخل التاريخ من الباب الواسع .

وتابع: كانت ولاية أمين الجميّل آخر محاولة لاحياء الجمهورية الاولى بتوازناتها وثنائيتها الطائفية. وكانت أيضاً ميداناً للتصفيات الاخيرة في حروب الدروز والموارنة المستمرّة منذ القرن التاسع عشر . لكنّها أُسّست لكلّ التحوّلات اللاحقة بدءاً بالصعود الشيعي والتغلغل الإيراني وتشتّت السلطة وتوزيعها على أمراء الحرب في مجلس الوزراء على حكومة ١٩٨٤ التي كانت أشبه بمجلس رؤساء لا مجلس وزراء .امّا ستاتيكو الخطوط الحمر فلم ينكسر بالكامل إلاّ بالانسحاب السوري سنة ٢٠٠٥ بفعل القرار الدولي ١٥٥٩ لتحلّ محلّه معادلة إقليمية اخرى هندسها حزب الله .

لقد طغت على الادبيات السورية في السنوات الاخيرة عبارة: الرجل الذي لم يوقّع :تعريفاً بالرئيس حافظ الأسد الذي لم يتنازل لإسرائيل .على أنّ الملكية الفكرية والسياسية يجب ان تبقى محفوظة مع مفعول رجعي للرئيس الجميّل.

حذّره شارون من انّه لن يدعه يحكم ابعد من قصر بعبدا، ولَم يوقّع .

قصف السوريون وحلفاؤهم قصر الرئاسة ما دفع الفرنسيين والأميركيين لوضع خطّة عسكرية لإجلائه، ولَم يوقّع .

حاولوا اغتيالَه في صيدا سنة ١٩٨٥ وبتفخيخ الطائرة الرئاسية سنة ١٩٨٨، ولَم يوقّع .

قدّم له العسل السوري ممزوجاً بالسمّ ولَم يوقّع .

طُعِن من أهل البيت واحسّ سكّيناً يتنزّه في الجرح ،ولَم يوقّع .

نقل اليه جورج شولتز في حزيران تهديد الأسد بأنّ المسيحيين سيكونون في حال صعب جدّاً وأنّ مرفأ جونيه سيقصف اذا لم يقبلوا بالتسوية السورية ،ولَم يوقّع.

رفض شولتز اعطاءه ضمانات في اجتماع لارنكا في نيسان ١٩٨٨ ،ولَم يوقّع .كما نصحه القائم بالاعمال الأميركي ماكنمارا بالاختيار بين النظام السوري وفوضى حزبالله ،فلم يرضخ رغم أنّ الديبلوماسي الأميركي ابلغه أنّ واشنطن تريد ان تسوّي القوات السورية وضعها القانوني في لبنان وأنّ اسرائيل تريد من سوريا ان تضبط حزب الله.

قال سكوت فيتزجيرالد :أعطوني بطلاً وسأكتب لكم تراجيديا. امين الجميّل ولد وعاش وحكم وشاخ في قلب تراجيديا عامة وخاصة، من دون ان يغريه دور البطل. ارتدى دور المقاوم: أنا أقاوم إذاً أنا موجود. لكنّ تعثّر بين القدر والقدرة. القدر الظالم والقدرة المكبّلة.

تصنع الاقدار معظم الرجال، ويصنع بعض الرجال أقدارهم. امين الجميّل عجنه قدر الوطن والحزب والعائلة، فلاعب الاقدار الثلاثة محتفظاً بصورته عن نفسه:

مقاوم ومحاور، عنيد ومرن،  ثابت في الجوهر ومتساهل في الهامش ودائماً في خدمة لبنان.

حماده

وتطرق الوزير السابق مروان حماده للعلاقة مع الرئيس  الجميّل قبل الرئاسة وكان لدينا المفضل من الفريق الآخر اي الجبهة اللبنانية. وعند لقائنا الاخير قبل الانتخابات مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب طلبنا منه استبدال الشيخ بشير بالشيخ أمين او كميل شمعون للرئاسة لاغراض وفاقية، وكانا حينها بالنسبة الينا أفضل الشرين. فجاوب حبيب آنذاك: لا استطيع ان اخرجهم من قبعة الساحر وفهمنا ان الامور كانت محسومة مع حصار بيروت وتواجد الجيش الاسرائيلي.

وبعد مأساة اغتيال بشير تبين لنا ان التواصل مع أمين ممكن والتقينا ووليد جنبلاط معه بدعوة من ميتران، كان الرئيس الجميل فوق الخلافات وحاول اعادة تركيب التوازنات اللبنانية والدستورية وظهرت لبنانيته عروبته في سعيه الدائم للتواصل وللوساطات التي حاول نسجها.  وقال: اتفاق 17 أيار اسقطه  الرئيس الجميل فيما صادق مجلس النواب عليه ووافق الزعماء المسلمون عليه. لم يكن غبار على عروبته ولكن هذه العروبة لم تكن بالنسبة اليه تعني تسليم لبنان لسوريا.

وأشار حماده الى ان الحكومة الأولى في عهده كانت حكومة تنكوقراط حقيقية.

واعتبر ان الرئيس الجميل لم يكن مسؤولا عن حرب الجبل وهو اراد صعود الجيش الى الجبل للحلول محل الجميع  لكنه اصطدم برفض القوى الموجودة على الارض. كانت هذه فرصة ضائعة كل مسار الرئيس الجميل وصداماته او مصالحاته سلسلة من الفرص الضائعة والخلافات العبثية، من  اتفاق 17 ايار الى حرب الجبل فالاتفاق الثلاثي...

الدكتور سالم

ختمت الندوة بشهادة الدكتور إيلي سالم الذي قال:" هذه هي المرة الأولى التي اتحدث فيها بموضوع سياسي منذ العام 1988، لقد ترددت في تناول المواضيع السياسية انما انا اكثر من رافق الرئيس  الجميّل مع الإستاذ  غسان تويني رحمه الله .

واعلن: عندما تبوأ الرئيس الجميّل موقع الرئاسة اتصل بي وكنت لا اعرفه وطلب مني ان اكون وزير خارجية وسألته هل انت ملتزم باتفاق سلام مع اسرائيل؟ قال لي إطلاقا ان همي الاول هو الانسحاب الاسرائيلي من لبنان ومن ثم الانسحاب السوري وبعدها حل الميليشيات وعندما نبني دولة ننقذ الوطن."

وقال:" ان روحية الرئيس الجميّل تظهر في الكتاب واشهد ان كل ما قاله الرجل هو حق لكنه لم يقل كل شيء من موقعه كرئيس جمهورية. تسلمنا لبنان وكان هناك شرعية جسدها الرئيس الجميل ولكن لم يكن هناك دولة. كان هناك حوالى 50 الف جندي اسرائيلي في لبنان، والتهديد الاسرائيلي كان قائما يوميا بالحد من نفوذ الرئيس وباشعال الحرب بالجبل فاصبح الهم الرئيس التخلص من الوجود الاسرائيلي في لبنان قبل ان يتطبع، اضافة الى  الجيش السوري الموجود في النصف الآخر من لبنان ونفوذ سوري قوي في السياسة مع ما رافقه من تهديدات، والمؤسف ان المتكلم باسم سوريا في هذا الوقت كان ابو جمال وهو رجل مذل ومهدد ومهين وهذا الامر لم يكن سهلا بالنسبة الينا. موقف سوريا  كان يستند بكل وضوح الى ما يسمى بلاد الشام التي تضم لبنان وسوريا وفلسطين والاردن وتكون فيه دمشق هي المقررة . اما موقف لبنان فيرتكز على شرعية لبنان التي تمت باتفاقات دولية ونحن ذات سيادة على الاقل بالموقف لانه في الواقع لم يكن هناك دولة. اما الجامعة العربية يؤسفني القول انها كانت شبه غائبة عن لبنان.

اما بالنسبة الى اتفاق 17 ايار كل مواقف الدول كانت تدعم لبنان، لقد قرأت الاتفاق مع كل رؤساء الحكومات  السابقين ووافقوا عليه لذلك عندما صوت  عليه مجلس النواب بالإجماع علا التصفيق الحاد، واتحدى ان يذاع (جلسة 16 حزيران).

وختم سالم بأن الرئيس الجميّل حاول جاهدا الاصلاح حتى في لوزان واهم ما قاله لي في اجتماعنا الاول اريد بناء دولة.

وتلا الندوة نقاش من قبل الحضور عن محطات ميزت مرحلة ولاية الرئيس الجميّل.

  • شارك الخبر