من مطمر الناعمة إلى مطمر البلمند

24-07-2015 روي مرعب

للوهلة الاولى، تحسب نفسك في كوكب آخر، لم تلفحه تارة رياح التطور والتقدم، ولم تقتحمه طورا ثورات العلم والأبحاث والتكنولوجيا، ليبقى أي حل في لبناني بدائي ومشروع مؤجل خاضع للابتزاز السياسي من هنا، وللتسويات الطائفية من هناك.

هذا هو حالنا مع ملف النفايات، التي حلت ضيفا ساخرا في شوارعنا، في وسط تقاذف للتهم السياسية وتنصل شبه رسمي من المسؤوليات، وما على الشعب اللبناني إلا دفع فاتورة الإذلال والقهر والهمجية.

مخطئ من يعتقد أن ملف أزمة النفايات القديم-الحديث، لا يخبئ في طياته عشرات الحلول. الخديعة الكبرى تكمن في الكمين السياسي التي نصبته كافة الحكومات المتعاقبة منذ أن بدأت شركة "سوكلين" جمع النفايات من بيروت الكبرى وضواحيها. ومخطئ أيضا، من يظن أن عشرات الشركات، والتي تتعاطى هذا النشاط، لم تتقدم إلى المناقصة العامة بهدف كسب الصفقة، والمباشرة في العمل في حقل النفايات التي باتت في الآونة الأخيرة مادة دسمة وجدية في كافة البلدان والمجتمعات.

الفخ الحكومي الأول يكمن في دفتر الشروط، ببند تظنه للوهلة الأولى بأنه طبيعي: "على الشركة التي تتقدم للمناقصة، أن تتكفل بإيجاد أراضي وعلى عاتقها الخاص، لجمع أو فرز أو تدوير أو طمر للنفايات، أو حرقها و معالجتها". بند كفيل بهرب الشركات العالمية الرائدة والمتخصصة في قضايا معالجة النفايات، إذ بات القاصي والداني يعلم أن كافة الأراضي اللبنانية خاضعة لسيطرة الزعامات السياسية والطائفية، واي ارض قد تصلح لهكذا مشروع ستكون قنبلة مدوية في الصراعات السياسية وعلى مسرح الخلافات اللبنانية.

أما الخديعة الثانية، فهو تولي مجلس الإنماء والإعمار، إدارة ملف النفايات وعقد العقود مع الشركات. هذا المجلس، الآمر الناهي، يسرح ويمرح في الصندوق البلدي المستقل، ويصبح المرجعية الأولى والاخيرة في هذا الحقل، وما على الشركات المعالجة إلا أن تكون لاعب ثانوي، ايsub-contractor، مما يشكل عملية هيمنة واضحة وصريحة على هذا الملف. والجدير ذكره، أن كافة الشركات العالمية المختصة، تعمل في معظم الدول بطريقة خصخصة تامة ومستقلة، وبصلاحيات عملية تامة. هل تقبل الحكومة اللبنانية، ان تتحكم أي شركة محلية أو عالمية، بملف النفايات دون أن تكون هذه الحكومة وسيطا أو لها اليد الطولى في الصفقات والسمسرات وما يدور في فلكها؟!

لا للطمر. نعم للحلول العلمية.

تخطت الدول المتقدمة، عملية طمر النفايات، واتجهت نحو أسس علمية وصحية وحضارية متطورة. واضحت الشركات الكبرى تتقن طرق حديثة لمعالجة ملف النفايات، من حيث فرز واعادة تدوير ١٠% من اجمال الكمية. تتشكل أكثرية هذه النسبة من البلاستيك والزجاج والنايلون القابلة للتدوير والبيع. أما ٤٠% من الكمية الإجمالية، والمتمثلة بالطعام بشكل عام، فيتم تحويل قسم منها إلى اسمدة صحية، والبعض الآخر يتم تخزينه في مستوعبات حديدية ضخمة، حيث يتكفل نوع من البكتيريا بتحويلها إلى غاز الميتان  CH4، ليتم سحبه لاحقا وضخه في خزانات المولدات الصناعية بهدف استخراج الطاقة والكهرباء.

أما القسم المتبقي، أي ال٥٠% من الكمية، والتي تتمثل بالنفايات الأخرى كالاخشاب والقطع والاساسات المنزلية وغيرها، فيتم حرق بعضها وفق المعايير البيئية، وتحويل البعض الآخر إلى مكعبات جاهزة للحرق في المعامل الصناعية الضخمة.

 تتجه الأمور إلى تجديد لشركة "سوكلين"، بعد ان تم الإتفاق مبدئيا على إنشاء مطمر جديد في الكورة، قرب جامعة البلمند، في زمن اقفلت فيه جميع الدول مطامرها إلى غير رجعة.

هل يجوز بعد أن اقفل مطمر الناعمة، ان تسعى الحكومة إلى إنشاء مطمر آخر، ضاربة بعرض الحائط مطالب الشعب وتمنياته بمعالجة ملف النفايات بطريقة اكثر تطورا؟ ولماذا تتمنع الحكومة اللبنانية، عن تعديل بعض البنود في دفتر الشروط، وتسهيل عمليات المناقصة بين الشركات العالمية؟ ولماذا لم تؤخذ بعين الإعتبار، طرح إحدى الشركات الأوروبية، والتي ابدت منذ شهور عدة اهتمامها بلمف النفايات اللبناني؟ وإلى متى سيبقى هذا الملف آداة لإذلال المواطن، محصورا بمركزية مجلس الإنماء والإعمار فقط؟ أسئلة برسم وزير البيئة والحكومة اللبنانية.

استغنت معظم المصانع العالمية عن مادة البترول (مازوت، بنزين، نفط، محروقات ومشتقاتها...)، واتجهت إلى إستعمال هذه المكعبات الجاهزة. حققت المصانع في هذا الاستعمال خطوة نوعية من حيث المحافظة على البيئة والتوفير الاقتصادي، إذا تعتبر المرجعيات البيئية العالمية أن حرق هذه المكعبات الجاهزة اقل ضررا على البيئة من المحروقات النفطية، وإن كلفتها أدنى من كلفة اي مادة بترولية أخرى. والجدير ذكره، أن تلك المصانع، تبيع الرماد المتبقي من بعد حرق تلك المكعبات إلى شركات تعبيد الطرقات التي بدورها تستعمله كمادة من مواد اساسية تسبق تعبيد الطرقات.

اللامركزية هي الحل.

تقوم بعض البلديات اليوم، وبعد الحالة المزرية التي وصلت إليها شوارعنا وازقتنا، التكفل بجمع النفايات ووضعها موقتا في أراضٍ خاصة. لكن إلى أين؟ وما هي الخطط البديلة؟ وما هي الحلول التي ستتخذها تلك البلديات بعد أسابيع قليلة عندما تصبح اطنان النفايات دون معالجة أو تصريف علمي وعملي؟! لذلك على البلديات، الضغط على الحكومة لعدم توقيع اي عقد يعالج النفايات داخليا بواسطة الطمر، بل حثها إلى التعاقد مع شركات تسعى إلى تصدير النفايات إلى الخارج بشكل دائم، في الوقت التي تتفق بلديات الاقضية على ارض في كل قضاء، تكون كمستودع يتم فيه تخزين النفايات ومن ثم تصديرها إلى الخارج.