لاتسألوني عن "رئيس جمهوريتنا"...!

08-04-2015 أصالة لمع ملاّك

في استراحة الغداء، يناقش الفرنسيون همومهم التافهة، التي تتراوح درجة أهميتها من حيرتهم في اختيار المكان الذي سيمضون فيه عطلتهم القادمة، إلى حال الطقس ودرجات الحرارة المتدنية إلى إضرابات سائقي باصات و"مترو" النقل العام المستمرة منذ شهر "بعد الثانية عشرة ليلاً!!"...
لكنهم يتطرّقون أيضاً إلى مواضيع جادة، تغيب غالباً عن جلسات نقاشاتنا العربية، كأن يناقشوا كتاباً صدر حديثاً، أو فيلماً أحدث ضجة منذ نزوله في الصالات، أو أسعار العملات والنفط وغيرها من المواضيع الثقافية والحياتية ...
أما الأهم فهو أنهم يناقشون بشكل منتظم مشاريع القوانين المطروحة على طاولات نوابهم ووزرائهم في الوقت الحالي، ويقارنون البرامج الإنتخابية النظرية لممثليهم، من رئيس الجمهورية إلى أصغر ممثل بلدي، بالممارسات الفعلية لهؤلاء، رافعين عصا المحاسبة بكل ما امتلكوا من مواطنة ومسؤولية وحرية...
اليوم على الغداء، كاد يغمى علي من الضحك حين انفعلت زميلة لنا وهي تشرح ما سمته "استراتيجية السياسيين الفرنسيين" لتمرير مشاريع قوانينهم التي لا يوافق عليها الشعب، شارحة، بما معناه، أن كل المشاريع التي تهدف إلى سرقة الناس وسلب حقوقهم تمرّر في آب، الشهر الذي يقضيه الفرنسيون على الشواطئ وفي الجبال، ليكتشفوا حين يعودون من عطلهم ما تمت حياكته لهم في غيابهم...
اصطنعت التعجب وأنا أقول لها: "c'est pas vrai!!!" وسافرت أفكاري إلى بلادي خلف البحار، حيث تمرّر القوانين صيفاً وشتاء، ونُسرق علناً ونحن بكامل قوانا العقلية، لنتباهى بعدها بأننا شعب "ذكي" و"حربوق" و"بيحب الحياة"...
أعادني من شرودي سؤال طرحته الزميلة نفسها على زميلة أخرى إيطالية الأصل، عن انتخابات رئيس الجمهورية التي ستقام في غضون أشهر في إسبانيا. كانوا يستفسرون منها عن إسم الرئيس الحالي، وما حقّقه خلال سنوات تولّيه الرئاسة، ومشروعه ووعوده، والقانون الإنتخابي المعتمد في ايطاليا وغيرها من الأسئلة، والفتاة تجيب بكل بساطة بأسماء وأرقام وحقائق...
كتمت أنفاسي، وتضاءلت في مقعدي، وأنا أدعو الله ألا يتوجّهوا إلي بأي سؤال... لم أعرف كيف يمكن أن أشرح لهذا النوع من البشر، أنني آتية من بلد يسرق مسؤولوه الشعب، ثم ينتخب هذا الشعب المسؤولين نفسهم من جديد، أو كيف تمرّر قوانين كقانون السير الجديد مثلاً، حيث ضبط المخالفة يتعدّى معاش الموظف كاملاً... والأهم أنني أجها كل الأسماء والأرقام والحقائق عن رئيس جمهورية مزعوم...!
إبتلعت بقية طعامي بسرعة، واستأذنت متمنيّة لهم بعد ظهر سعيد، مهرولة إلى عملي...
كنت أريد أن أتفادى ردود الأفعال ونظرات الشفقة على جملة من نوع "أنا آتية من بلد دون رأس، وكل رؤوسه كبيرة... يحكمه كرسي فارغ، ومجموعة "رؤوس" قرّروا بأنفسهم أن يمدّدوا ولاية نيابتهم عن الشعب، الذي صارت حياته بأكملها ك"شهر آب فرنسي لا ينتهي...!"

 تولوز ـ فرنسا