من قرأ رسائل جعجع ...المشفّرة؟

17-03-2015 المحامي لوسيان عون

من تابع وقائع المقابلة التي أجرتها محطة "إم. تي. في" مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وقرأ بين السطور، أدرك أن الحوار بين التيارين المسيحيين " اللدودين " لن يصل إلى المرتجى، لأن الشروط التعجيزية التي لاحت في أفقه سوف تشكّل الحائط المسدود الذي يصعب اجتيازه، وهو مرتبط بعمق الأهداف الإستراتيجية التابعة لكل من التيارين اللذين لم يُكتب لهما كثيراً الجلوس على طاولة واحدة.

فقائد "القوات اللبنانية" رسم الأطر الرئيسية والخطوط العريضة، كما الخطوط الحمر للحوار المذكور، وحدّد المقاييس التي يُفترض أن يلتزم بها هذا الحوار. وفي هذه المقابلة، أوضح بشكل نهائي ومطلق الخطوط العريضة لشخصية المرشح لرئاسة الجمهورية، بما لا يتعارض مع أهداف "القوات اللبنانية"، إلى حدّ إشارته إلى وضعه "فيتو" على انتخاب أي رئيس مؤيّد لسياسة " الممانعة " التي تمثّلها إيران والنظام السوري. معلناً ما يشبه المحرّمات التي لا تستطيع "القوات" التعامل معها، كونها تتعارض مع الأهداف التي نشأت القوات في ظلّها.

هذا الموقف المتقدّم في خضم "الرحلات المكّوكية" بين الرابيه ومعراب، يوشك أن ينسف الحوار الذي انطلق منذ مدة بين القطبين المسيحيين، وأن إقرار جعجع بهذه "المحرّمات" ينتظر موقفاً من العماد عون، إذ طالما راهن هذا الأخير على تأييد جعجع لوصوله إلى سدة الرئاسة الأولى، وإن برزت في الضفة الأخرى مواقف لعدد من صقور "القوات اللبنانية" المعارضة في العلن والسر، والتي حذّرت جعجع من الذهاب بعيداً في تأييد وصول عون إلى الرئاسة.

وفي قراءة متأنّية لموقف جعجع، اعتبر بعض المراقبين أنه أراد إصابة عصفورين بحجر واحد، وتوجيه رسائل إلى الرابيه مفادها أن الحوار محدّد بسقف لا يمكن تجاوزه، وهو "مفهوم القضية" ورسالتها التي نشأت القوات في ظلّها، والتي تمنع تأييد أي من الداعمين لمحور الممانعة و"المقاومة" لإيصاله إلى رئاسة الجمهورية. في حين أن الرسالة الثانية وجّهها لأنصاره في القوات، مطمئناً بأنه لن يدعم أي من الشخصيات المرشحة والتي تدور في فلك هذا المحور.

أما دهاء جعجع، فظهر في إعلانه خوض غمار الحوار حتى النهاية، طالما أن لا خسارة من أي حوار وإن لم يؤتِ ثماره، في حين أن شرط دعم عون هو "تطويعه" وفك ارتباطه بالمحور الممانع، وهي شروط أدرجت على قائمة المسودّة التي أرسلت من معراب إلى الرابيه، مع يقين جعجع بأنه من رابع المستحيلات أن يرضى عنها عون أو يتبناها، ذلك أن أي تنازل من جانب الأخير عن الخيارات السياسية التي انتهجها منذ العام 2005 عقب عودته من المنفى، سيرتّب عليه فواتير باهظة سيما وأنه يشكل حتى الساعة أحد أعمدة قوى 8 آذار التي تدعمه طالما أنه يتبنى طروحاتها وأهدافها.

في المحصلة، ثمة حوار بين "التيار" و"القوات"، وثمة شروط قواتية مقترحة على الجنرال يتوقّف عليها تأييده، وبذلك يكون جعجع قد قطع الطريق على اتهامه بالعرقلة، واستظلّ بالعناوين السيادية التي أطلقها أخيراً، وفي الوقت عينه حافظ على تماسك القاعدة القواتية التي بدأ التململ داخلها بسبب الخشية من دعم عون لرئاسة الجمهورية.
في نهاية المطاف، التاريخ يحكم، وهو يُنصف أو يُدين، لكن مع مرور الزمن، سيدفع المسيحيون الأثمان الباهظة نتيجة فراغ تسبّب بالشلل في مؤسسات الدولة. لكن من يعوّض الخسائر الجسيمة التي تهدّد الوجود والكيان، بعدما شمل الفراغ الجمهورية بأكملها بعد شلل رئاستها؟.

كاتب سياسي