ألحوار تمرير للوقت حتى يصل الفرمان ...ويسمي رئيس لبنان

21-02-2015

(بقلم المحامي لوسيان عون – كاتب سياسي)

 

الحوار ثم الحوار... ثم الحوار... وقائع مثيرة، محاضر، وحكايات امتدت على مرّ عشرات من السنين الحافلة بالمذابح والحروب العبثية والتهجير والتدمير إلى حد يشبه جَلد الذات والنفس إلى درجة الإحتضار، فكان الإعلام على مدى تلك الفترة ينقل أخبار الحوارات التي لم تكن تروي عطشاً ولا تجفّف دمعة أم ثكلى، ولا تطعم جائعأً ولا تقنع أم مفقود لم يعد بعد، ولم تؤمّن الدواء لمريض، ولم تأتِ بثياب لمحتاج.

بل كانت حبلى دوماً باللقاءات والإجتماعات والإتصالات وتبادل القبلات والزيارات والتقاط الصور التذكارية والرسائل الحميمة والهدايا، وآخرها ما أحدث صدمة في قلوب المتعطّشين من المواطنين لترجمة الوفاق على أرض الواقع، غير أن ما لم يقنعهم تلك المشاهد التي تضم "ناشرو كتاب الابراء المستحيل" يقومون بجولات مكوكية لإنشاء "تفاهمات" مع "سارقي المال العام"، في حين أن من رقص على "إنجاز ترحيل" الشيخ سعد على قاعدة "الوان واي تيكيت" يهرول لتهنئته بسلامة العودة، بالرغم من وضع فيتو على إيصاله لسدة الرئاسة، وهو الذي بادله بمفاجأة تجلّت بإعداد قالب حلوى وقطعه وإياه لمناسبة ذكرى مولده الثمانين.

أما في المقلب الآخر، بينما تستخدم كل الأسلحة في المعركة الطاحنة بين تيار "المستقبل" و"حزب الله"، غزل متبادل وحوار في ما يشبه مشروع تفاهم، بينما الخطابات المتبادلة تشتد تصلباً وإعلام الطرفين لا ينفك يترك فرصة إلا ويشنّ أعنف الهجمات على الطرف الآخر رغبة في الإنقضاض عليه .

هذا في شأن الحوارات التي لم يصحّ فيها القول حتى الساعة إلا "العقيمة وغير المجدية"، وقد قالها أحدهم أن الغاية منها فقط: تنفيس الإحتقان بين الطرفين .... وفهمكم كفاية.

أما في المقلب الحياتي والإجتماعي والإداري، فمحرّكات الدولة متوقفة بالكامل، الشغور الرئاسي سيد الموقف، والشغور الحكومي "على الطريق" في ظل تمترس كل وزير خلف فريقه السياسي، في حين تغرق البلاد في عواصف الطبيعة وعواصف السياسيين أنفسهم، وعواصف الفساد والإنحطاط والإنهيار شبه الكامل، وعلى كل المستويات. فلا حاجة لشهود على هذا الوضع المذري طالما أن جميع اللبنانيين يشهدون على هذا الوضع الكارثي.

لكن، ثمة أناس أحياء ـ أموات يصرخون في وجه أولئك الذين يعطّلون ويدجّلون ويمثّلون على المواطنين ويمرّرون الوقت إلى حين استحقاق آجال ما، بالرغم من معاناتهم حيث هم، إنها رسالة دائمة بقلم الشهداء، شهداء "القضية" أنى كانت هذه القضية، وأنى كان الحزب أم المؤسسة التي ينتمون إليها، وإن لم ينتموا إلى أي حزب أو قضية، فهم شهداء الوطن بأسره.

إنها رسالة كل معاق نتيجة أعمال حربية وقعت يوماً، وهو يسأل اليوم: متى ينتج الحوار شيئاً، متى نتعلّم من مآسي الحرب وويلاتها إن كنا، لا محالة، سنلتقي يوماً على هدية هنا، ولقاء هناك، وقالب حلوى هنالك؟ ومن يبلسم جراحنا ويخفّف من آلامنا التي لن تنتهي بفعل اعاقتنا ومآسينا؟

إنها رسالة كل مفقود من الزنزانة التي يقبع بداخلها بسبب تأييد هذا أم ذاك ممن جال في خاطرهم حب التلاقي والوئام اليوم وتبادل القبل، لماذا قاتلنا ولماذا اعتقلنا ولماذا تم تعذيبنا، وإن كنتم تلاقيتم وعفيتم عن ما مضى، لماذا نحن قابعون في السجون والزنزانات لا نلقى إلا التعذيب والموت البطيء؟

إنها رسالة كل أم فقدت فلذة كبدها، أم أرملة فقدت السند الذي كانت تتكىء عليه يوماً، تسأل اليوم هؤلاء، من يعيل عائلتها ويسدّد أقساط أبنائها ويؤمّن معيشتهم وكسوتهم وطبابتهم وقوتهم ومتطلّباتهم اليومية.

هل هو قدرنا أن نبقى رهائن الفشل والتمثيل والكذب وضحاياه، وهل صحيح أن الترياق لن يأتي من الداخل بل من الخارج عبر كلمة سرّ لا توحّد إلا على فعل تسيير الأمور بالتي أحسن على قاعدة المحافظة على عدم فرط الدولة و"التسكيج" و"الترقيع"؟

مع مرور الوقت، لم يعد الأمر سراً من الأسرار، بل صار واقعاً يدركه المواطنون نظراً لتكرار المشاهد المشينة التي تتضمن تمثيلاً ورياءً وضحكاً على الذقون، فتمسي جلسات الحوار كأخبار "الحكواتي" السردية التي كانت غايتها الترفيه والتسلية وتمضية الوقت لا أكثر ولا أقلّ، بانتظار كلمة السرّ، وتمرير الوقت قدر الإمكان ليأتي الفرمان ويسمي رئيس لبنان، إنه لبنان بتركيبته المعقّدة حيث ممنوع دولياً أن يتبدّل نظامه أم أي من المعادلات فيه فحتى تمرير الوقت مضبوط على ساعة السلطان... ولا مكان لتغيير جدول الزمان ... إلى أن تأتي ساعة الحسم الشهيرة.