يوم يكبر حنظلة..!..

17-01-2015 أصالة لمع ملّاك

كل عربي يعرف حنظلة،
أو انه ليس عربياً بالكامل...
لتكتمل عروبتك، بكل وجعها وهزائمها وخيباتها، عليك أن تتعرف الى هذا الطفل الفلسطيني "الاستثنائي"، الحافي، المرقع الثياب، مكتف اليدين خلف ظهر!
وحين ستتعرف اليه، سينطبع وجهه الذي لا تراه، في وجدانك، وستراه في وجه كل طفل تقابله بعد ذلك، وستقارن، وستحزن، وستبكي...
عام 1969، ولد حنظلة، بريشة الرسام الفلسطيني المناضل ناجي العلي، وكان يبلغ من العمر عشر سنوات!
ثم ما لبث أن أصبح ذو أفق قومي، ثم أفق كوني إنساني..
ومع تطور وعيه، حمل الكلاشنكوف وامتشق الحجارة ورجم عدوه بكل ما وقعت عليه يده، وكان دائم الحركة، متحمساً ومنفعلاً، الى أن أدار ظهره للقارئ العربي 1973 وكتف يديه خلف ظهره بعناد رافضاً حركة التطبيع الشاملة التي حصلت بعد حرب اوكتوبر...
يقول ناجي العلي: "سيظل حنظلة دوماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر وطنه، وحين يعود، سيكون بعد في العاشرة، ثم سيأخذ بالكبر بعد ذلك...قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه... انه استثناء، لأن فقدان الوطن استثناء..."

أستذكر هذه الكلمات، وأنا أتصفح جرائد الموت في أوطان الموت،
ويصطدم قلبي بصور أطفال لهم وجوه رجال... حفاة، مرقعي الثياب،
يرتدون الحزن ويرتديهم...
أطفال لم يكونوا قد ولدوا يوم ولد حنظلة، لكنه وبعد كل هذه الأعوام المنقضية حروباً ودماء، لا يزال مثلهم، طفلاً في العاشرة من عمره، يحمل المرارة في اسمه و...قلبه...
لم يسترد وطنه، وهم كلهم أضاعوا أوطانهم!
مثله، ولدوا في الزمن الخطأ، وبغتة، صاروا على قارعة الوطن، ذات صباح!
أطفال كان لهم حتى الأمس...طفولة،
وأهل وبيت وألعاب ومدرسة...
وكانوا يبكون، لأن طعام الغداء لم يعجبهم!
أو لأنهم لا يريدون الذهاب الى المدرسة!
أو لأنهم يرفضون ارتداء معطف وقبعة، وهم يركضون خلف أحلامهم، يواجهون البرد بالضحكات، في أحياء "المدن الآمنة..."
أطفال لم يبق لهم شيئاً من وجودهم البسيط الجميل، لا ألعاب ولا طعام ولا مدرسة ومعطف...
صاروا اليوم مشردين في مخيمات القهر، على هوامش بلاد لم تكن يوماً أوطاناً...
يموتون من البرد والجوع وغالباً من الحزن،
ثم يدفنون على هوامش الصحافة، خبراً عادياً لا يصلح عنواناً عريضاً في الصفحة الأولى!
أو يحدث أن يعيشوا... على هوامش الحياة هذه المرة، يحسبون أعمارهم حيناً بالدموع وحيناً بالحرمان ثم أحياناً بالحقد والخوف والذل!

وأسأل: أي شعب سيصيرون، هؤلاء الذين يبقون على قيد العذاب؟!
أي جيل نربي في شوارع الخوف، داخل مخيمات الفقر والبرد والجوع، دون الانتماء الى أي أحد أو الى أي مكان؟
أي رجل سيصير حنظلة يوم يكبر رغماً عنه، بين رصاصتين، ويكتشف أن قوانين الطبيعة تنطبق على الجميع، حتى أولئك الذين فقدوا أوطانهم ذات طفولة؟
ان هذا الشرق العربي الذي يذبح الأطفال، ويسرق منهم أمان طفولتهم، محولا إياهم إلى رجال مفلسين من الأمل، ومستعدين للموت انتحاريين، دون قضية ودون مقابل، هو أكبر مصنع للموت في العالم...
واذا كان الارهاب بدعة غربية حقاً، فنحن وحدنا من يربي له منذ زمن أجيالاً تصلح للموت العبثيّ، بعد أن رخصت أرواحها، واستبيحت دماءها، واستنزفت فيها الحياة..."
أصالة لمع ملّاك
تولوز-فرنسا
13-01-2014
Assala.lamaa@inserm.fr