حين أعدموه

08-12-2014 أصالة لمع

"- ما هي أمنيتك الأخيرة قبل أن تموت؟
- (لا جواب)
(ضربوه، لم يتألم، اكتسب مناعة ضد الوجع الجسدي بعد كل ما ذاقه مع رفاقه هنا، لكن قلبه هو الذي يؤلمه، روحه هي التي ترتجف برداً، ومع ضربة بكعب بندقية على رأسه، جاء الصوت أعلى:
-ما هي أمنيتك الأخيرة؟
(استجمع قواه، لفظ دماء تجمعت في فمه، نظر الى وجوه خاطفيه، التي صارت مألوفة بشكل غريب، تشبه وجوهاً يعرفها جيداً، تطل على التلفزيونات، في المناسبات الحزينة، تصرخ وتستنكر وتدين... تغير شعوره تجاههم.... (يشعر أحياناً أنه لم يعد يكرههم هؤﻻء الخاطفين اﻻرهابيين، لا عتب عليهم... لا عتب...)
أجابهم:
- كنت أود أن أتمنى شيئاً سهلاً، كعنقود عنب أو شربة ماء...
أو أصعب، كأن أرى لآخر مرة وجه ابنتي، وحبيبتي، وأبي وأمي...
لكن أمنيتي لا تقدرون عليها، فما رصاصكم الذي ستفرغونه في رأسي بعد قليل، الا نتيجة منطقية لتغييب هذا الذي أتمناه...
أريد وطناً...
لا ينساني في ضيافتكم الكريمة، في هذه الجرود الباردة... ولا يترككم تقتلون أمي ألف مرة في اليوم، تهويلا وتهديدا ووعيدا...
أريد وطناً يشن حرباً لاستعادة جنوده أحياء أو أمواتا...
أريد وطناً يستحق أن أفديه بدمي...
فالتعزية التي سيتوجهون بها ﻷهلي غداً وإعلاني شهيداً، هي كذبة...! كذبة...!
نحن نموت دون قضية، لأجل وطن غير موجود ولا يستحق...
أفرغوا رصاصكم في قلبي، فلا عتب عليكم...
منذ شهور، قتلنا الوطن ألف مرة...
وهو الذي جعلكم "تستوطون حيطنا"...
وهو الذي أباح لكم دماءنا...
اقتلوني،
فلا عتب عليكم،
يقبض الوطن معكم على الزناد،
ويطلق النار عليّ، على رفاقي، على أهلي، على الجميع...
(البقية في حياة المساومين على حياتنا)...
مات الوطن"
دوى الرصاص، تسارعت الصور أمام عينيه، رآهم جميعهم أحباءه، ابتسم لهم، ثم لعن مرة أخيرة هذا النظام-الوطن الذي يلفظ أبناءه الى حفافي القبور، غطى بعدها الضباب كل شيء، وحل السكون..."