طلاب لبنان، من يتذكرهم اليوم؟

19-09-2014 الدكتور سامي الخطيب

بعد عام حافل بالتطورات الدراماتيكية على الصعيدين الأمني والسياسي، بدا خلاله المشهد اللبناني مثقلاّ بالكيدية المقيتة والمتبادلة بين طرفي النزاع حيث عطلّت مبدأ الديموقراطية ومنعت عملية تداول السلطة في سدّة الرئاسة، كل ذلك بحجة التوافق بين فريقين سياسيين أمعنوا في رسم حالة إنقسامية شرخت المكوّن اللبناني عامودياً. وقد تجلّت هذه الحالة الشاذة بفراغ مدوّي أطفأ أنوار قصر بعبدا منذ أشهر وبدأ الحديث يتعالى في الكواليس والإعلام ممهداً الطريق أمام تمديد ولاية المجلس النيابي المُعطّل تشريعياً والمُمدد الصلاحية أصلاً.
وقد خاضت هيئة التنسيق النقابية ونقابة المعلّمين معركة خاسرة مع حكومة المصلحة الوطنية، هي التي سحبت من أيدي المطالبين بإقرار سلسلة الرتب والرواتب ورقة الضغط الأخيرة المتمثلة بعدم تصحيح الإمتحانات وذلك بإصدار إفادات نجاح لجميع الطلاب المرشحين للإمتحانات الرسمية. لم يكن العام الدراسي بأفضل حال من نهايته، فقد شهد العديد من التحركات المطلبية والنقابية التي سرعان ما كانت تخبو جذوتها في كل مرة يعيث فيها التدخل السياسي وعوداً وتسويفاً ومناكفات لا تنتهي. ولم تقتصر تداعيات القرار الحكومي على الأساتذة والموظفين فحسب، إنّما طالت طلاب الثانويات والمعاهد الذين كانوا بصدد التحضير لدخول الجامعات اللبنانية أو السفر للخارج للإلتحاق بجامعات بلدان الإغتراب.
اليوم، وعلى بعد أيام من عام دراسي جديد، لا شيئ تغيّر. بقي القديم على قدمه، لا بل أن المرارة باتت علقماً، فمعظم الأساتذة خرجوا من الشارع يجّرون ذيول الخيبة بعد أسابيع من التحركات المطلبية، ومعظم الطلاب يتساءلون عن ماهية العام المقبل وما يمكن أن ينتظرهم في بدايته ونهايته من تجاذبات ومناكفات لها بالغ التأثير على حياتهم ومستقبلهم على حد سواء. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الأوضاع الأمنية المستجّدة والمقلقة على أكثر من صعيد، لا تنذر بعام دراسي طبيعي إذا ما استمر الأمن مهتزاً على ما هو عليه اليوم. في خضّم هذه الأوضاع لم تتوانَ معظم المدارس والمؤسسات التربوية الخاصة عن رفع رسوم تسجيلها وأقساطها السنوية دون إغفال حصرية القرطاسية والمواد الدراسية بأسعار باهضة لا تُحتمل ولا تُبرر. ويكتمل المشهد المأزوم تربوياً مع تزايد أعداد الطلاب النازحين وغياب التمويل الأممي الكافي والمساند لوزارة التربية التي تنوء تحت ضغط تأمين الكادر البشري للمدارس المنتشرة على امتداد المساحة الجغرافية المعنية بالنزوح.
يستحق طلاب لبنان من سياسييه، ووزرائه، ومؤسساته التربوية، أفضل من ذلك بكثير. هم المبدعون أينما حلّوا والمكرّمون حيثما عملوا في أصقاع العالم. هم يستحقون أن نؤمّن لهم بيئة تربوية سليمة ومناخاً دراسياً مناسباً حتى لا ينجروا إلى الشارع ويبتعدوا عن المناخ المضطرب والمعبأ طائفياً ومذهبياً من حولهم. هم يستحقون تعليماً أكاديمياً ومهنياً دون إثقال كاهل الأهل بمبالغ تفوق القدرات المالية لغالبية اللبنانيين. هم بحاجة، وببساطة، للعيش بسلام، في وطن لم يعد يُجدي فيه عدّ أيام السلم والحرب. هم يحتاجون أن تكون طرقات المدارس والجامعات المهترئة بفعل الإهمال "آمنة وسالكة" كل صباح. حقّهم أن يحلموا بمستقبل أفضل لبلدهم وأن ينتهي هذا النزيف الشبابي المتواصل منذ أعوام في جسم الوطن. حقهم أن يعيشوا لبنانيتهم التي تغنّى بها سعيد عقل وأثبتها جبران وحسن كامل الصبّاح ومايكل دبغي من خلال فرص تقدمها لهم دولتهم ليشعروا بالإنتماء إليها، لا أن تكون العامل الأبرز في هجرتهم وضياع مستقبل بلدهم.
طلاب لبنان، هل من يتذكرهم اليوم؟ مجرّد سؤال ...
* العميد التنفيذي لكلية العلوم والفنون
في الجامعة اللبنانية الدولية – البقاع