من هو المسؤول عن هجرة المسيحيين من لبنان؟

05-09-2014 حنان لحود

أول ما يفكر فيه الشباب اللبناني، قبل اختيار اختصاصاتهم الجامعية، هو تحديد البلد الذي سيلجأون اليه عند تخرجهم من الجامعة باحثين عن حد أدنى من الأمان الاقتصادي، الاجتماعي والأمني فقدوه في وطنهم. تجتاح هذه الظاهرة القديمة، المتجددة دائماً، والمتفاقمة، الشباب من مختلف الانتماءات الطائفية، في ظل غياب تام للدولة ومؤسساتها عن مكافحتها بالحد الأدنى.
 تخلت الدولة عن جميع أبنائها دون استثناء. تخلت عن كل المناطق. فالمناطق التي يعتبرها أبناؤها "محرومة" هي فعلياً أكثر المناطق "مدللة"، اذ صحيح أن الدولة لا تقدم في هذه المناطق المقومات الأساسية للعيش الكريم المتمثلة بالكهرباء، المياه، التعليم والطبابة... الا أنها لا تقدمها أيضاً في باقي المناطق، ولكن محاسبة الدولة للمواطنين في باقي المناطق أشد من محاسبتها للمواطنين في المناطق "المحرومة" حيث سلطة "قوى الأمر الواقع". اذ على سبيل المثال لا الحصر، قد يتم غض النظر عن تاجر مخدرات أو عن مخالفة بناء على الأملاك العامة أو تعدي على الأملاك الخاصة في احدى المناطق، أو عن مطلوب للقانون بتهمة تهريب السلاح في مناطق أخرى ويسارع وزير لاخراجه من السجن بسيارته الخاصة، بينما لا يتم التساهل بمخالفة سير بسيطة كركن السيارة لدقائق في مكان ممنوع فيه الوقوف في مناطق "غير محرومة"...
اذاً الدولة، التي من واجبها تأمين العيش الكريم والآمن لأبنائها تخلت عن واجباتها، وتخلت عن مواطنيها وباتت تدفعهم للهجرة، من خلال الفساد السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والأمني المستشري والمتفاقم في مختلف مؤسساتها دون استثناء والذي يستنزف المواطنين يوماً بعد يوم.
من هنا يبرز دور المؤسسات الدينية لوقف هذه الهجرة طالماً الدولة تخلت عن أدنى واجباتها، وبشكل الخاص المسيحية منها.
يقوم رجال الدين المسيحيون بجهود للحد من هجرة المسيحيين، وبوسائل مختلفة. لكن هذه الجهود لا تأت بنتائج على الاطلاق، عليهم وضع خطط أكثر فعالية واستخدام موارد مؤسساتهم وتحديث قوانينها والقضاء على بعض المحسوبيات والفساد فيها لوقف سريع لهجرة المسيحيين الداخلية والخارجية نظراً للخطورة التي وصلت اليها، خاصة وأن معنى كلمة "كنيسة" هو "جماعة المؤمنين الذين يجتمعون معاً للصلاة والعبادة ولدراسة كلمة الله وحفظ الفرائض". اذاً الكنيسة دون المؤمنين ليست كنيسة، وهجرة المسيحيين الداخلية من بعض المناطق حولت العديد من الأديرة الى مبانٍ يتواجد فيها بعض الرهبان فقط. فما نفع هذه المبانى اذا كانت فارغة من المؤمنين، فعلى سبيل المثال، يقال أن دير مار جرجس في الناعمة من أغنى الأديرة في لبنان من حيث امتلاك الأراضي، في وقت قد لا تبلغ نسبة سكان هذه المنطقة من المسيحيين الـ20%، فما نفع هذه الأملاك والأراضي اذا كانت فارغة واذا تحولت تدريجياً الى أملاك يسهل التعدي عليها كما هي الحال في لاسا؟؟
لماذا لا يقوم المسؤولون الكنسيون باستخدام هذه الأراضي لبناء مساكن للشباب بسعر الكلفة فقط، مع التشديد على عبارة "بسعر الكلفة فقط" وتحت مراقبة فعلية ودقيقة تمنع المحسوبيات والسمسرات؟ فتثبت الشباب في مناطقهم، خصوصا أن تأمين المسكن هو من أبرز التحديات التي تواجه الشباب اللبناني، كما تحد من ظاهرة بيع الأراضي الناتج في الكثير من الأحيان عن التخوف من التحول الديمغرافي في المناطق.
لماذا لا يقوم المسؤولون الكنسيون باستخدام الأموال التي تجنيها المؤسسات الكنسية من استثمار أراضيها، لدعم المدارس المسيحية وخفض أقساطها وكلفة التعليم فيها؟ فقد بات العدد الأكبر من تلك المدارس يتوجه الى الطبقة الميسورة عبر رفع الأقساط، في حين تجد المدارس التي تعتبر أقساطها مقبولة، والتي تكون بغالب الأحيان مدعومة من الخارج، غير قادرة على استيعاب جميع التلاميذ الذين يلجأون اليها، فلا يجد الأهل سبيل أمامهم سوى اللجوء الى المدارس ذات الأقساط المرتفعة حتى لو اضطروا للاستدانة، وينعكس هذا الأمر بشكل مباشر على انخفاض نسبة الولادات لدى المسيحيين، بحيث تتجه معظم الأسر الى الاكتفاء بانجاب ولد أو اثنين بأحسن الأحوال.
كثيرة هي الطرق التي بامكان المسؤولين الكنسيين اللجوء اليها لمساعدة الأسر المسيحية كانشاء مراكز تجارية لا تبغي الربح تؤمن السلع الاستهلاكية الأساسية للمواطنين بسعر الكلفة، أو فرض سياسة تقشف في جميع الأديرة لمساعدة هذه الأسر....
مما لا شك فيه أن مسؤولية هذه الهجرة تقع بالدرجة الأولى على السياسيين اللبنانيين وعلى الدولة ومؤسساتها. كما يتحمل مسؤوليتها، بالاضافة الى المؤسسات الكنسية، المسيحيون أنفسهم، يتحملون مسؤولية الاستسلام والهروب وعدم المحاسبة، والتي قد تكون نتيجة الحرب الأهلية، والتهجير القسري الذي واجهوه في سنين الحرب، والذي تحول الى تهجير ارادي في سنين السلم ناتج عن الخسارة التي ألمت بهم لسنين طويلة...