التجلّي الإلهيّ

07-08-2013 الاب جورج مسوح

النهار

"المسيح نور العالم"، عبارة توجز كل القصد الإلهي الكامن وراء حادثة التجلّي التي احتفل بذكراها المسيحيون يوم أمس. فهو يعرّف بنفسه قائلاً: "أنا نور العالم (...) مَن يتبعني لا يمشِ في الظلام، بل له نور الحياة". لذلك تقدّمه الأناجيل نوراً أبدياً يقود إلى الحياة الدائمة الذين يسيرون في هديه.

الرواية الإنجيلية تتحدّث عن صعود المسيح إلى جبل ثابور مع ثلاثة من تلاميذه، "فتجلّى بمرأى منهم، وأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور". وهذا الأمر حدث مباشرةً بعد اعتراف بطرس الرسول بأنّ يسوع هو "المسيح ابن الله الحيّ". بطرس، وفق الإنجيل، لم ينطق بهذا الاعتراف من تلقاء نفسه، فالمسيح أوضح له أن "ليس اللحم والدم كشفا لك ذلك. بل أبي (الله) الذي في السموات". من هنا، يكون التجلّي كمال الكشف الإلهيّ بالبنوّة الإلهيّة، وتأكيداً لها.
اللافت في حادثة التجلّي أنّ النور لم يأتِ من الخارج ليضيء المسيح، بل خرج النور منه وأضاء مرافقيه. فبكونه ابن الله المتأنّس، "وشعاع مجده وصورة جوهره"، أظهر هذا النور الإلهيّ عبر بشريّته. من هنا، أصبحت الطبيعة البشريّة مكاناً لسكنى الله ونوره الأبديّ غير المخلوق. لذلك، تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بأنّ النور الإلهي أو، بتعبير آخر، النعمة الإلهيّة التي يسكبها الله على الإنسان هي نعمة غير مخلوقة، هي الروح القدس نفسه.
يظهر في حادثة التجلّي النبيّان موسى وإيليّا "يتكلّمان معه". وفي هذا دلالة على أنّ ما كان في العهد القديم محظوراً عليهما، وعلى الناس كافة، معاينته، بات متاحاً على وجه المسيح. "مَن رآني فقد رأى الآب"، لذلك شوق موسى وإيليّا إلى رؤية الله قد تحقّق برؤيتهما المسيح. والله الذي كلّم الأنبياء قديماً من دون أن يروه قد رأوه. هكذا عبر المسيح المتجلّي يظهر الله نفسه.
ثمّة ظهوران لله، ثالوثاً قدّوساً، في العهد الجديد. الظهور الأوّل حدث في معموديّة يسوع في نهر الأردن، حيث رأى يوحنا المعمدان "روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً على يسوع، وصوت من السموات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". أمّا الظهور الثاني فقد تمّ في التجلّي، حيث "سحابة نيّرة ظلّلتهم، وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. فله اسمعوا".
ترمز السحابة، في العهد القديم، إلى حضور الله في وسط شعبه. وفي هذا السياق، يشهد بطرس الرسول، الحاضر في حدث التجلّي، في رسالته الثانية لهذا الحضور بقوله: "فقد نال (يسوع المسيح) من الله الآب إكراماً ومجداً، إذ جاءه من المجد – جلّ جلاله – صوت يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. وذاك الصوت قد سمعناه آتياً من السماء، إذ كنّا معه على الجبل المقدّس" (1، 17-18).
لم يورد الإنجيليّ يوحنا خبراً عن التجلّي. لكنّ إنجيله مليء بالآيات التي تقصد معاني التجلّي، وبخاصّة تلك الآيات التي تتحدّث عن غلبة النور على الظلام. هذا الصراع ما بين النور والظلام، أو ما بين الخير والشرّ، ما زال مستمراً، وربّما إلى انقضاء الزمان. أمّا العالم فقد دان نفسه بنفسه، "لأنّ النور جاء إلى العالم. ففضّل الناس الظلام على النور، لأنّ أعمالهم كانت شرّيرة".