تقييم تداعيات الأزمة السورية على لبنان في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

25-06-2012

عقد مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت طاولة مستديرة ضمت وزراء خارجية السوي كارل بيلدت، وبلغاريا نيكولاي مالدينوف، إلى جانب المدير السياسي في وزارة الخارجية البولندية ياروسلاف براتكيفيتش وعدد من الدبلوماسيين والصحافيين والباحثين، ودار نقاش حول الوضع اللبناني في ضوء التطورات المتسارعة في سوريا.
وأدار النقاش مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بول سالم، الذي قدّم المشاركين وكانت له مداخلة شدد فيها على أن لبنان يتمتع بنوع من المناعة تجاه ما يحصل في سوريا لأنه سبق وأن مر بحرب أهلية كوّنت لدى جميع الفرقاء حساً عالياً أصبح من الصعوبة معه بمكان الإنجرار إلى حرب أهلية جديدة لأي سبب كان. بيد أنه لم ينف وجود أخطار تتهدد لبنان في حال سقوط النظام السوري.
وألقى وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت مداخلة قال فيها "نحن هنا لنستمع إلى التقييم الذي يمكن ان تقدموه عن لبنان والمنطقة، نحن لا نمثل الإتحاد الأوروبي بشكل رسمي إنما نمثل سياسات الاتحاد، وسبب وجودنا هنا هو شعورنا بضرورة التعرف على تفاصيل الشأن اللبناني في هذا الوقت بالتحديد".
أضاف "التطورات الراهنة تجعل من الأهمية بمكان أن نتقرّب أكثر لنرى كيف يمكننا مساعدة لبنان في الحفاظ على أمنه وسيادته وتقدمه الاقتصادي واستقراره السياسي وسنكون سعداء لتقديم ما يمكننا تقديمه في هذا المجال".
وتابع "الوضع اللبناني مرتبط بطريقة أو بأخرى بالوضع في سوريا ونحن ذاهبون إلى العراق لنرى الانعكاسات هناك أيضاً، كما أقمنا حواراً مع الأردن في محاولة لمساعدتهم في هذه الظروف، ففي أوضاع مثل هذه علينا النظر إلى مختلف أنحاء المنطقة ومساعدة الأطراف هناك بغض النظر عن العمل على حل المشكلة الأساسية".
ولفت إلى أن لبنان يستحوذ على أهمية خاصة بسبب تركيبته الفريدة، وقال "هذه التركيبة بتنوعها ربما تكون مصدراً لبعض المشاكل، لكن الأهم هو أنها مصدر غنى لمستقبل الشرق الأوسط وهذا مهم جداً بالنسبة إلينا، ونحن هنا لنوصل رسائل واضحة إلى القادة السياسيين وقد أكدنا لهم أهمية الحوار الوطني وشددنا على أهمية مواصلته".
بدروه، شدد وزير الخارجية البلغاري نيكولاي مالدينوف ، على أن لبنان له أهمية ليس لاستقراره وحسب بل لكونه عاملاً مهماً في استقرار المنطقة وقال "أتينا لنعرف ما يمكننا كدول أوروبية تقديمه لترسيخ هذا الاستقرار، ونحن نود أن نوجه رسالة إلى اللبنانيين مفادها أننا نقف إلى جانبهم في الأوقات الصعبة التي فرضتها الأزمة السورية على لبنان وعلى أمنه وتنميته واقتصاده، وبالتالي فإن كل ذلك يرتّب مسؤوليات يتعين مواجهتها".
وشدد على الرغبة في المساهمة في ترسيخ الاستقرار والعمل الذي يتطلبه ذلك لاسيما على مستوى بناء المؤسسات الحكومية ومحاربة الفقر والتوصل إلى توافق وطني حول أهمية الاستقرار والتنمية. وأضاف "لمسنا من خلال لقاءاتنا مع مختلف الأفرقاء أنهم متوافقين على عزل لبنان عن تداعيات الأزمة في سوريا، ربما هناك اختلاف في كيفية تطبيق هذا التوجه إلا أن الفكرة الرئيسة موجودة لدى الجميع".
ورأى أن وجود هذا الإجماع يشير إلى أن اللبنانيين تعلموا كثيراً من الحرب التي عاشوها طيلة 15 عاماً. وأوضح أن الرسالة التي يجب على القادة اللبنانيين توجيهها إلى المنطقة وأوروبا وإلى الشعب السوري هي أن الشعب اللبناني الذي عاش الحرب الأهلية يعرف تماماً أكلاف الحروب والتدمير وأهمية التنمية والتطوير والبناء الذي جاء بعد الحرب.
وخاطب الحاضرين بالقول "نحن هنا لنعرف تقييمكم وتحليلكم كلبنانيين لما يجري في سوريا لننقله إلى بلداننا ولنأخذه في الحسبان في مناقشاتنا، ومن المهم أن يكون هذا التحليل الصادر عنكم جزءاً من تحليلنا الخاص للوضع السوري".
وشرح المدير السياسي في وزارة الخارجية البولندية، ياروسلاف براتكيفيتش أن زيارة الوفد الأوروبي تندرج في إطار السعي إلى الاطلاع عن قرب على التطورات التي تحصل في سوريا ولمحاولة تفكيك "شيفرة" تطورات الربيع العربي التي تعم المنطقة وقال "المسألة ليست ببساطة أن شعوب المنطقة انتفضت على الأنظمة الشمولية، إنما نريد أن نصل إلى فهم أعمق من خلال طرح أسئلة عن القوى الإسلامية والقوى الليبرالية وغيرها التي ظهرت بشكل قوي على الساحة لنتمكن من تكوين فهم عميق لهذه التطورات، كما أننا نريد أن نسمع منكم تقييمكم لهذه المقاربات الدينية والسياسية للربيع العربي كما الحال في تونس ومصر على سبيل المثال".
وسأل "ما هي أوجه الترابط بين الحقبات التي تلت فترة "الناصرية العربية" أو الأنظمة الاشتراكية في المنطقة والتحوّلات الحالية القائمة على نظرة دينية؟ وما هي رؤيتكم لمستقبل هذه الحركات الدينية والسياسية؟"
وقسّم بول سالم، مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط ، النقاش إلى ثلاثة محاور أولها لبنان والأخطار المحيطة به وما يمكن القيام به لتحييدها، والثاني عن سوريا وتقييم ما يحصل هناك، أما المحور الثالث فركّز على أحداث "الربيع العربي" مع تسليط الضوء على مصر.
وبعد تعقيبات من الحاضرين، إعتبر بول سالم في مداخلة أن سوريا الغير المستقرة تشكل مصدر قلق للبنان، لكنه رأى أنه من المثير للاهتمام أن لبنان بقي مستقراً نسبياً طيلة فترة الأزمة القائمة في سوريا، مشيراً إلى أن هناك عوامل أساسية لذلك منها أن لبنان بلد منقسم في الأصل ولا يمكن تقسيمه مرتين.
وقال "لبنان يعيش إنقسامات حادة على مختلف الصعد ويختلف أفرقاؤه على كل القضايا وقد مرّ بحرب أهلية، وبالتالي فإن كل ذلك يعطيه قدراً من المناعة وربما لن يكون متأثراً بشكل جذري، لكن لا شك أن ما ستتمخض عنه الأزمة السورية سينتج أخطاراً كبيرة يجب التعاطي معها في حينه، أما حالياً ففي حين نشهد انهياراً في سوريا، فإن الوضع اللبناني سبق إلى الإنهيار".
أضاف "الجدير التوقف عنده هو أن الأفرقاء الأساسيين في لبنان لا يريدون الدخول في حرب أهلية جديدة واللبنانيون لن يتحاربوا لأي سبب كان".
وأبدى سالم خشيته من أن سقوط نظام الأسد سيؤدي إلى فقدان حزب الله العمود الفقري الداعم له وقال "في هذه الحال سيختل التوازن العسكري بين سوريا وإسرائيل وأخشى أن نشهد عملية عسكرية إسرائيلية ضدّ لبنان، وهذا ما لا يستطيع لبنان مواجهته أو التحضير له وهذا ما يقلقني في المدى المتوسط".
وتحدث ابراهيم سيف، الباحث الرئيس والخبير الاقتصادي في مركز كارنيغي، عن التداعيات الاقتصادية للأحداث السورية على لبنان، ورأى أن ما يجري في سوريا سيستمر لبعض الوقت وأشار إلى أن هذه التداعيات على الاقتصاد اللبناني لم تصل إلى أقصى مداها لغاية الآن.
وتوقف عند بعض التأثيرات المباشرة التي يمكن الحديث عنها ولفت إلى أن السياحة في لبنان تعيش موسماً صعباً جداً هذا الصيف، كذلك حال قطاعات أخرى مثل الترانزيت والنقل والمصارف.
واعتبر أن التداعيات غير المباشرة ربما تكتسب أهمية أكبر وطالب الاتحاد الأوروبي بإعطاء نوع من الضمانات أو التطمينات للمستثمرين الراغبين في القدوم إلى لبنان لأن من شأن ذلك أن يسهم في الاستقرار الإقتصادي، لافتاً إلى أن المستثمرين وأصحاب المشاريع يجمدون أعمالهم ويؤخرون اتخاذ القرارات بسبب المخاوف من التداعيات التي يمكن أن تتفاعل أكثر. وشدد سيف على ضرورة التدخل لدعم استمرارية واستقرار بعض المؤسسات الحكومية اللبنانية التي ما زالت تعمل.