بالعربي المشبرح... الشعب شبع "لت" وحكي

26-08-2019 دافيد عيسى- سياسي لبناني

توسم اللبنانيون خيراً في التطورات الأخيرة التي أخرجت البلاد من حال التأزم السياسي وأعادت محركات الحكومة الى العمل والدوران.
مقابل هذه الحركة الإيجابية التي تدعو الى التفاؤل الحذر، نلاحظ حركة سلبية من جماعات يمتهنون سياسة التشويش والتشكيك ولا يرون الا النصف الفارغ من الكوب، ومن مسؤولين في الدولة وفي بعض ألاحزاب السياسية لا تهمهم المعالجات الهادئة والهادفة لاحتواء الازمة ولا تعنيهم مسألة الانتقال الى مرحلة العمل والإنتاج ولا تستهويهم سياسات المصالحة والتوافق، وإنما يمعنون في إذكاء الخلافات والنعرات والعصبيات على أنواعها، وتستهويهم سياسة المناكفات والمماحكات والمعارك الكلامية، ولنا في هذا المجال وقائع كثيرة حفلت بها الأيام والاسابيع الماضية وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر الوقائع التالية:
1- زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى واشنطن حققت نجاحآ في هذه المرحلة الحساسة من ناحية تأكيد الدعم الأميركي لاستقرار لبنان وفي الفصل بين الملف اللبناني وملفات وازمات المنطقة وفي حصر مفاعيل العقوبات الأميركية على حزب الله في أضيق نطاق وباقل ضرر ممكن، ولكن كل ذلك لم يحل دون حصول تشويش على هذه الزيارة والتشكيك بنتائجها والحديث عن لقاءات سرية وتعهدات قطعها الحريري في ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل وما الى ذلك من أقوال وإشاعات تهدف الى نسف نتائج الزيارة وزعزعة الثقة بالدعم الأميركي وأهدافه...
2- عندما وجه رئيس الجمهورية رسالة الى مجلس النواب بخصوص تفسير المادة 95 من الدستور جرى افتعال معركة وهمية على الصلاحيات والادوار والمواقع، وعندما دعا الرئيس عون الى ملاءمة الاستراتيجية الدفاعية مع المتغيرات وموازين القوى الجديدة والحرب المفتوحة ضد الإرهاب، جرى تفسير رأي رئيس الجمهورية على غير مقاصده الى حدّ إتهامه بالتخلي عن الاستراتيجية الدفاعية وإبعادها عن أي حوار وطني.
3- رغم كل الانفراجات التي حصلت على مستوى التطورات السياسية والحكومية والتدابير الاقتصادية، لم تهدأ حملة إثارة القلق والذعر بشأن الاستقرار النقدي وحركة الأسواق المالية، ووصل الامر عند البعض الى حدّ التهجم والتحامل على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وهندساته وسياساته المالية التي حفظت الاستقرار النقدي وجنبت لبنان أسوأ الاحتمالات والسيناريوهات.
4- اما الأمر الذي يدعو الى الاشمئزاز والأسف هو ما يحصل يومياً من مواجهات كلامية وعبثية بين "التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية" ويهدد بنسف ما تبقّى من ركائز المصالحة المسيحية وبإعادة الوضع الى ما كان عليه في السابق، وشيء من ذلك حدث مؤخراً عندما وجهت "القوات اللبنانية" أصابع الاتهام الى وزير الدفاع الياس بو صعب في موضوع المعابر غير الشرعية على الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا وتحميله مسؤولية ما هو قائم من فجوات أمنية وتهريب وتهرّب ضريبي، ما دفع بوزير الدفاع الى الرد مبيناً أن مشكلة المعابر هي أزمة مزمنة وأن طبيعة الحدود الجغرافية في وعورتها وتعرجها وتداخل المناطق بين البلدين تحول دون ضبط كامل الحدود، ومع ذلك حقق الجيش تقدماً ونجاحاً في عملية الضبط والرقابة وبنسبة قاربت الـ 90 في المئة.
وهنا إذا اردنا أن نكون منصفين لا بدّ من القول إن وزير الدفاع هو أول من فتح هذا الملف وحاول جاهدآ مع الامريكيين والانكليز دعم الجيش من أجل إعطائه بعض الاجهزة المتطورة لحماية الحدود كما زار لندن لهذه الغاية ايضآ، من هنا لا يجوز القول إن الياس بو صعب قصر في عمله كما أنه لا يمكن تحميله مسؤولية هذه المشكلة الحدودية ببعديها الجغرافي والتاريخي، ولذلك بادر بوصعب الى عملية توضيح الامور ووضع النقاط على الحروف.
من الظلم أن يحمّل الياس بو صعب مسؤولية مشكلة المعابر الحدودية، فهي مشكلة تتحملها الحكومة مجتمعة بكل قواها السياسية بسبب الاوضاع التي تعيشها المنطقة وهي غير خافية على احد، ومن غير المسموح أو المقبول زجّ وزير الدفاع في عملية تصفية حسابات سياسية من خلال تحميله هذا الملف، من هنا أتوجه الى أصدقائي في القوات اللبنانية وبكل محبة وصدق لأقول لهم إن معالجة موضوع بهذه الاهمية لا يكون عبر الاعلام بل بحوار مباشر مع وزير الدفاع شخصيآ، خصوصآ أن الرجل ليس بعيدآ عن الحوار مع القوات وهو منفتح على كل لقاء يضع حدآ لهذا الجدل.
كما أتوجه بصدق وصراحة الى المسؤولين في الأحزاب المسيحية لوقف كل أنواع التراشق الكلامي والاتهامي، فالمسيحيين ليسوا أقوياء إلا على بعضهم البعض وهذا مؤسف ومعيب، فالمطلوب أن يتوقفوا عن الكلام المباح وإضاعة الوقت وكل ما من شأنه بث أجواء القلق والإحباط واليأس في نفوس أبناء جلدتهم، وينصرفوا الى العمل والإنتاج والتعاطي المجدي والمسؤول مع الملفات والأزمات التي طال أمدها، وعليهم أن يعرفوا أن "في الاتحاد قوة وفي التفرقة والانقسام ضعف ووهن".
المسيحيون سئموا خلافاتكم ومناكفاتكم ومعارككم الدنكيشوتية، ويريدون أفعالاً لا أقوالاً، يريدون حياة كريمة، وإحقاق الحق والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، المسيحيون كما كل الشعب اللبناني يريدون ازدهاراً وبحبوحة ورفاهية ونمواً وفرص عمل ويريدون ان يبقى اولادهم وشبابهم في هذا الوطن.
بالعربي الدارج... المسيحيون كما كل الشعب اللبناني شبعوا "لت وحكي".