لمجلس الوزراء باب بقفلَين... وفي البلد سيادات حريّات استقلالات

12-07-2019 حسن سعد

لولا وجود أزمة صلاحيّات دستوريّة قائمة فعلاً، بين قصر بعبدا والسراي الكبير، لما كان صدر، عصر يوم الثلاثاء الماضي، عن اجتماع كتلة "المستقبل" النيابية، التي تُمثّل رئيس الحكومة سعد الحريري، بيان قالت فيه "بوضوح":
"... الرئيس الحريري هو المعني أولاً وأخيراً بإعداد جدول أعمال مجلس الوزراء، وهو المعني دستوريّاً بدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، و(أيّ كلام آخر يقع في خانة الخروج على الدستور)".
ولما كانت حملت، في مساء اليوم نفسه، مقدمة النشرة المسائيّة لتلفزيون المستقبل، الناطقة بلسان الرئيس الحريري الرسالة "الأوضح" التالية:
"لقد اقفلوا كافة الطرق أمام انعقاد مجلس الوزراء، وقد فاتهم في الأساس أنّ مفتاح مجلس الوزراء بيد رئيس ِمجلس الوزراء حصراً، وأنّ (بابَ المجلس يغلقه صاحب الشأن وحده)، لا اصحاب الغايات والمآرب، وأنّ جدول أعمال المجلس يُعِدّه ايضاً صاحب الشأن والصلاحيّة الدستوريّة حصراً، الذي هو رئيس مجلس الوزراء، ولا تحدّده المواقف والتصريحات والتغريدات التي تتوالى من هنا وهناك... جرس الانذار انطلق اليوم من السراي الكبير، ووصلت اصداؤُه الى قصر بعبدا...".
نظريّاً، يحق لأيّ كان أنْ يقول ما يشاء وأن يستدعي كل أنواع الدعم والمؤازرة ممَّن يشاء.
أمّاً عمليّاً، فإن شرعيّة جلسات مجلس الوزراء لا تقتصر على من يمتلك "حصراً" حق دعوة المجلس للإنعقاد، إذ أنّ كل جلسة تحتاج أولاً إلى جمع عناصر الشرعيّة، التي جزَّأها الدستور "عمداً"، عملاً بمقتضى الفقرة (ي) من مقدمة الدستور: "لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، ووزَّعها على شكل صلاحيّات "شبه متكافئة"، أناطها بكلِ من رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة، فأصبح:
دستوريّاً، لمجلس الوزراء باب واحد ولكن بـ "قفَلين"، مفتاح القفل الأول بيد رئيس مجلس الوزراء ومفتاح القفل الثاني بيد رئيس الجمهوريّة، وبالتالي لا يُفتح باب المجلس إلا بالمفتاحين معاً. حيث:
- لا يحق لرئيس مجلس الوزراء توجيه دعوة لعقد جلسة قبل إعداده جدول أعمالها.
- ولا جدول أعمال يوزَّع على الوزراء لم يسبق أنْ اطَّلع ووافق على بنوده رئيس الجمهوريّة.
- ومن ثمّ تأتي مسألة اكتمال النصَابَين الميثاقي والقانوني.
بالممارسة، يبدو أنّ الوصول إلى السلطة لم يَعُد يكفي البعض، وبات البقاء فيها هو الهدف الأعلى، ولو على قاعدة "أعداء أكثر مقام أكبر عند شعب معتَّر"، أو تحويل لبنان من بلد "سيّد حرّ مستقل" إلى بلد "سيادات حريّات استقلالات" ومؤخراً "قضاءات".
والمثال الحي على ذلك، أنّ تداعيات الأحداث الأخيرة في الجبل سحقت هيبة الدولة وجرّدت الحكومة من سلطتها، وبالتالي علّة بقائها، بسبب كل مَن يدَّعي أنّه تحت القانون وفي الوقت نفسه يُصرّ على التربُّع فوق القضاء.