الحرب حصلت وهي في قناع آخر فصحّحوا المسار

11-07-2019 العميد البروفسور جان داود

التعامل العلميّ مع أيّة مسألة يفرض مقاربتها بشكل كلّي. والضرورة قُصوى في أن ننظر إلى الضغوط الاقتصاديّة العارمة على لبنان عبر رؤية كُلّيةٍ زماناً ومكاناً، اقتصاداً وسياسةً، داخلاً وخارجاً، وعبر التداخل بين كلّ تلك وسواها. يمكن أن نعود في بحث الضغوط على الشّعب العابر للحروب والبحار إلى مئات سنين خلَت، وإلى ما بين تلك التواريخ والحربين العالميّتين، والعِبر واضحة في التوقّف عند قرارات وأحداث عديدة خلال قرن ونيّف، العام 1917، ثمّ العام 1920، مروراً بما تحمله 1948، 1949، و1956، و1967، ومن ثمّ 1968، و1973 وما تقوله 1975، 1977، 1982، 1990، 2005، 2006 وما بعد 2006، وصولاً إلى انعكاسات ما سمّي بالربيع العربي، ربيع الجليد والنّار الذي لم ينته حتى تاريخه، قُلْ ربيعَ انتزاع المقدّرات الاقتصادية على امتداد المنطقة العربيّة. إنّه ربيع لقراصنة الثروات وجليد قاتل أو تصحّر للبلدان العربيّة، ولبناننا كان مختبراً في انتزاع مقدّراته من أدمغة ومفكّرين وشباب وحرفيّين (أكثر من مليوني لبناني هاجروا منذ 1975)، وكان مُختبراً لتجارب هدم الدولة عبر الفساد وضرب القيم، وتدمير صورة الرّيادة في الديموقراطية والتعبير الحرّ (وسائل الإعلام) والمسّ بالتربية والطبابة والثقافة والمسرح والسينما والسياحة... وما زالت الألعاب تُنسَج تهديداً بالضربة القاضية عبر القبض على اقتصاده. وتُمكن قراءة التدمير الممنهج عبر تراجعٍ للقوّة الشرائيّة لليرة لبنانية التي نُهبت وباتت أربعمائة وتسع مرات أضعف ممّا كانت عليه قبل الحرب على لبنان الدولة والقيم، أي لبنان ما قبل 1975. ومن المفيد والضروري أنْ يعرف شباب اليوم أنّ الليرة اللبنانية لدى صكّها في مطلع العشرينيّات من القرن العشرين كانت من القوّة بمكان (كانت تساوي 20 فرنكاً فرنسياً)، وكان الدّولار يساوي ليرة لبنانية فاصلة ستة وعشرين في العام 1937، ليصبح ثلاث ليرات ونصف في الخمسينيات، ليعود إلى ليرتين وثمانية وعشرين غرشاً زمن الرئيس الياس سركيس (حاكم مصرف لبنان في تلك الفترة)، ليعود إلى ثلاث ليرات وخمسة وستين غرشا في بدايات حروب الغرباء على لبنان، ليرتفع لاحقاً إلى دولار يساوي ألف وخمسمائة ليرة اليوم (علماً أنّه لامس الألفين وثمانمائة ليرة لفترة). من يريد قراءة ما تمكّنت منه الحروب على لبنان بين 1975 يلاحظ أنّ دولاراً واحداً كان يساوي ثلاث ليرات وخمسة وستين غرشاً قبل العام 1975، بات اليوم بألف وخمسمائة ليرة (أي أن الحروب والسياسات الخارجية وشركاءها في الداخل أضعفوا ليرتنا بنسبة أربعمائة وتسع مرات). وأتمنى قراءة دقيقة وربطاً عميقاً للتواريخ التي أشرت إليها بحثاً في خفايا الأحداث وأهدافها وطُرُق تحقيق تلك الأهداف عَبر الضغوطاات الاقتصاديّة وانعكاسها على سعر الليرة.
الحروب الاقتصادية والدّموية والاستخباراتية والصحّيّة وبأشكالها غير المُعلنة وغير المرصودة بوضوح لغالبيّة النّاس، قابلها منحُ فرص لهجرة اللبنانيّين، وفُرّغت الأرض عن قصد ومعرفة أو ربّما عن غير معرفة. تمّ تفريغ الأرض لصالح مشروعٍ دُبّرت الحرب وسُعّرت من أجله: التوطين. وها هو ما كان أمراً مخفيّاً – إنّما واضحاً مِمّن لا يغرق في ألعاب السّاحر – يعود ليُطلّ برأسه في إشارات واضحة تؤكّد أنّ في خلفيّة ما يحصل من حصار اقتصاديّ غير مُعلن هو المشروع الذي أتى بالحروب والويلات بهدف التوطين. وبات مُتداولاً في العلن أنّ هناك من سيدفع المبالغ الطائلة من أجل تشريعه. والعلامات بشأن ذلك كثيرة ولا بد من قراءتها: "الكلام الذي يحكى عن شطب ديون لبنان لقاء القبول بالتوطين"، أو ما يرِد في مواقع ووسائل إعلاميّة بشكل يُحمّل الطبقة السياسية "مسؤولية ضعف الموقف اللبناني، فلو لم يسرقوا البلد ويصفّوا اقتصاده لما وصلنا إلى هذه اللحظة"، والمشاريع الاقتصاديّة التي تُعِدّ هنا وهناك بمليارات الدولارات تُشير إلى مبالغ مرصودة للبنان وتُغريه اليوم بما يبدو قليلاً لأنّه سيطلب منه لاحقاً خدمات توطينيّة أُخرى. إنّ التوتّر النّفسيّ والقلق المتنامي لدى النّاس، والتركيز الإعلامي على مسائل حياتيّة، والضغوطات المطروحة، إنّما هي أمور تهدف إلى تحويل النّظر عن جوهر الغاية وعن الدافع إليها: الانتقال من التوطين القسري وغير المُعلن إلى تشريع التوطين وسلب لبنان مكامن قوّة كينونته. اللّعبة مكشوفة: تَسقط الأميرة عن فرسها، وتنقضّ عليها عصابة اللصوص، ويظهر فارس الأحلام ليصدّهم ويعيدها إلى صهوة حصانه أو حرَمه ويقدّم لها الهبات والفُرص وهي لا تدرك أنّ سقوطها مُدبّر من صانع العثرة ومُدبّر السّقوط أو سيّد تلك العصابة المُتفارِس. هناك مَن يريد أن ينشغل المواطن عن جوهر المشكلة وعن الحقيقة الموجعة بحرب تستنزف أعصابه وطاقته إحباطاً ودفعاً به إلى الرّضوخ.
حيال ما يعيشه لبنان، لا يسمح الشكّ العلميّ بألا يفترض الحكماء أنّ هناك فوضى تُبرمَج وتُستغلّ لترك السارق يسرق والعابث يعبث إنهاكاً للاقتصاد. يُسرَق الأمل من المواطن ويتمّ تحويل انتباهه وإلهائه بأمور دنيا، ويُدفع به في يأسه إلى التّبعيّة القسريّة وقد يكون ملزماً أو مُجبراً على تكريم السّاحر وسيّد العصابة. وكما حدّثني سائق تكسي يعاني من منافسة غير عادلة: ماذا خلْف كلّ هذه الضغوطات، وحتى متى يستمرّ الأمر كذلك وهم يعرفون كيف تُسرَق أموالنا، أليست تعمية هوية السّارقين أدهى من السّرقة نفسها؟ أليس المدخل إلى الحلّ في ملاحقة السّارق والعابث لتهديدهما أمن الوطن. ربّما سائق التكسي الغاضب على صواب. ولكنّ ما حلّ بوطننا سيداتي وسادتي أدهى وأخطر من ذلك: هناك طغيان تيّار مادّي في العالم واكبه تدميرحاصل للقيم. وفقدان القيم لدى قلّة مُسيطِرة هو أساس المشكلة والدّمار الإنساني. فلبنان الذي تربّينا فيه في الستينيّات غير لبنان اليوم. رفاقي في تربية الأباء الكرمليين حيث حلّوا كانوا قدوة (من ضباط، إلى موظفين، إلى أصحاب المهن الحرّة، ومثلهم كثيرون من جيل تربّى في الستينيات أكان في مدرستي أو مدارس أُخرى)، حتى أحزاب تلك المرحلة كانت تُقدّم القيم، وكانت القيم عصب الدّولة ورجالها، والأمثلة والحكايات كثيرة (من رؤساء إلى قضاة، إلى أكاديميين، إلى ضبّاط، إلى معلّمين، إلى رتباء وأفراد، إلى مراقبين، إلى مهنيين وأصحاب مهن حرّة...). تمّ ضرب القيم على مستوى العالم ووصل طاعون انهيار الأخلاق أو الفساد إلى بلدنا، ولن أُطيل. ماذا عن الحل؟ إنّ الحل يبدأ بقرار لكلّ منّا بعدم المساهمة بالسماح لهذا المارِق العضال أن ينمو، والتوقّف عن التذمّر والسقوط في الشلل. الحلّ في إعادة القيم إلى الحياة والمؤسّسات. لا يسألنّ أحدٌ من أين نبدأ؟ ولا يتذرّعنَ أحد بأنّ الوقت ضدّنا. أُرفضُ كفرد المادّية والعبث بالقيم والتزم بدءًا بنفسك. واجه العابثين بالقوانين حتى وإن أظهروا لك أن مخالفتها أو السرقة حاصلة من أجلك، فمن يريد أن يخدمك هو مُن يبني لك بيئة حياة كريمة خالية من الفساد ومُحصّنة بالقيم. ومن ثمّ سؤال لك: هل أنت بحاجة إلى من يحميك؟ وحدها القيم هي التي تحمي المجتمع مُعافىً، وليس الطائفة، ولا العرق، ولا اللون، ولا الحزب، ولا المذهب ولا العنف، ولا تغييب القوانين. وتذكّر أنّ التشاطر والتفوّق في الاحتيال على القوانين الذي يسود اليوم طاعون أسود. وأنّ التذاكي والتظاهر والتّنمير السياسيّ قناع ساقط.
الحروب التي بدأ البعض يشعر بمخاطرها ويلاحظ رأس جبل الجليد الخاصّ بها حصلت من أمس بعيد، وكان كثير من القيّمين على البلد غافلون أو أنصاف غافلين أو ربّما لاحظوا وتجاهلوا طمعاً بدور أو مكسب. الحروب التي يعتقد البعض أنّه يخوض غمارها حصلت من أمس بعيد والاستفاقة أتت مُتأخّرة باستثناء قلّة واجهت أو تواجه. الحرب التي تُرخي بوزرها اليوم حصلت منذ عقود واستمرّت خفيّة ممنهجة ولكنها تخرج اليوم لتسأل المكافأة الموعودة ويكون قد فات الأوان. بالطبع، أن تأتي الاستفاقة مُتأخرة أفضل من ألا تأتي، ولكنّ الجهد وتضافرَ القوى يجب أن يكون أكبر، فصحّحوا المسار، ولتكن وجهة النّضال: من أجل إنسان ووطن. ولا مكان لحصان طروادة في هكذا مواجهة. ونأسف أنّ هناك مَن يعتقد أنّه سيدافع عن موقعه بعد أن يستجمع قواه، ويهرب إلى الأمام في لعبة الحصار المدبَّر بحنكة والذي تركَ قنوات متاحة لِهروب فيسقط الهاربون في فخّ تمّ إحكامه. في هروب إلى الأمام يُسوّق المستعجلون (بكسر الجيم وفتحها) لفكرة الاستدانة وضرورتها ويُقنِعون بها المرجعيّات. ولا بدّ حيال النصائح بالاستدانة من أسئلة: إنْ كانت هناك أيّها الأحبّة بالفعل ضرورة لاستدانة، فلماذا لا تتمّ الاستدانة من دول إسلامية صديقة لا تتقاضى الفائدة على القروض؟ أمّا الاستدانة بفوائد فهي خطر شديد وفخّ قديم جديد، وإنْ أردتم فهم المخاطر إقرأوا التجارب التي يتحدّث عنها كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي" وقرّروا. قرّروا بمنتهى الشفافية بما يجيب على السؤال: أين هي مصلحة الوطن ومصلحة شعبه ومائه وهوائه ونفطه وسياحته ومستشفاه وجامعته ومدارسه وأطفاله؟. بعضٌ آخر يُسوّق للتقشّف في الموازنة: وهنا نقول: إنّ للتقشّف أُسسه، وأماكنه، وأوقاته وطرقه. وقد يكون نقيضُ التقشّف هو الحلّ شرط وقف الهدر وقيام الشفافيّة المُطلقة، وإلّا كان التقشّف المزعوم أشبه بأمر سيّدة تحرم أبناءها الطعام تقشّفاً وتُعطي مالها لمُرابٍ يهرب به، أو لمستثمر يعود إليها صفر اليدين مُعتذراً عن إضاعة الأموال. بالطبع أيضاً، سيكون هناك كلام من نوع: الأمور لا تسمح بانتظار التربية على القيم. الجواب على هكذا كلام: إن تطبيق القوانين سيُلزم بالتزام قسريّ بالقيم أو على الأقل سيدرأ مخاطر من أضاعها، وبالتالي إنّ أغلب اللبنانيين أصحاب قيم وهُم يعانون من فقدان القيم لدى الفاسدين. والبنك الدولي قادر برأي كثيرين على تقديم حلول لا تقوم على الإقراض بفوائد. بالطبع، إنّ التقشّف في الموازنة بمعنى منع الهدر أمرٌ محمود ويُشكَر عليه الجاهدون، شرط ألا يمسّ بأركان كينونة الدولة: الجيش، القضاء، الجامعة اللبنانية، المدرسة الرّسمية، الثقافة، الصحّة والرقابة. ففي كلّ تلك لا مكان للتقشّف ولا للإقلال. كما أنّ كلّ موازنة يجب أن توضع من منطلق تنمويّ وفلسفة بنّاءة ترقى بنوعيّة الحياة. وكلّ موازنة مسؤولة يجب أن تحمي القطاع العام وتستشرف تطويره وتنقيته. القطاع العام ضرورة، وتنقيته حيث يجب أو إعادة تأهيله ليستا بالأمر العسير. والحلول للابتعاد عن الاستدانة بفوائد ولمواجهة تنامي الدّين العام وتسديده كثيرة ( لديّ أكثر من حلّ ومقترح، وهناك أفكار خلّاقة وواعدة لدى الكثير من الاقتصاديين). ونعود لنؤكّد أنّ الحرب التي بدأت من زمن تبحث عن أشكال قتلٍ جديدة ومنها الاستدانة بفوائد. الاستدانة بفوائد مُنخفضة أم عالية ستعود على البلد بمزيد من الضّرر، تمهيداً إلى إضعاف، وإنهاك، وتسليم الأرض وما دونها من ماء ونفط، وما فوقها من حجر وبعض بشر، وإلى استسلام للمشاريع السياسيّة المُريبة.

العميد البروفسور جان داود