بعد خطاب المصارحة.. هل يبادر الحريري إلى ترتيب البيت الحكومي؟

13-06-2019 غاصب المختار

لاقى رئيس الحكومة سعد الحريري في مؤتمره الصحافي أمس الأول، رئيس الجمهورية ميشال عون في منتصف الطريق وأكثر قليلا، عندما أكد أن أي مشكل بينه وبين رئيس الجمهورية يعني شلّ البلاد والاقتصاد، وبالتالي فإن التسوية الرئاسية مصانة ومحمية بتفاهم الرئيسَين، وذلك بعد الرسائل التي أوصلها عون عبر وزيره سليم جريصاتي مباشرة إلى دار الفتوى، وحملت تطمينات كثيرة ومهمة لجهة احترام صلاحيات رئيس الحكومة ودوره وتأكيد الميثاقية وعدم المسّ بدستور الطائف وتجاوز الطائفة السنية، وهو أمر كان يتوجّس منه الرئيس الحريري، لا سيّما بعد الكلام عن مشروع لتعديل الدستور تقدّم به الرئيس السابق للجمهورية ميشال سليمان لتسوية بعض الأمور الغامضة وتحقيق نوع من التوازن في الصلاحيات لا سيّما لجهة المهل المعطاة لرئيس الجمهورية في توقيع القوانين أو ردّها، وعمل الرئيس عون على سحبه من باب مزيد من طمأنة الحريري.
وبرغم الأسلوب الهادىء الذي استخدمه الحريري تجاه الرئيس عون، كان صريحاً وواضحاً في مخاطبة وزير الخارجية جبران باسيل وبعض وزراء التيار الآخرين من باب العتب والنقد غير الجارح، لكنه استخدم في كلامه مجدداً الغطاء الطائفي السني في تبرير انزعاجه من مواقف وزراء "التيار الحر"، لكن من باب تأكيد مرجعيته السياسية للطائفة السنية وحفظ دورها في المعادلة السياسية، بعدما استشعر أركانها بعض المخاطر على صيغة الطائف جراء بعض مواقف الوزير باسيل، علما أن توضيحات الوزير جريصاتي للمفتي عبد اللطيف دريان كان يجب أن تكون كافية لتأكيد تمسّك رئيس الجمهورية وتياره السياسي بالصيغة الميثاقية التي تحفظ لممثل السنّة في الحكم دوره ومكانته، وبمبدأ تعاون السلطات وتوازنها الذي كرسه اتفاق الطائف.
لكن يبدو من خلال ما تقوله أوساط قيادية في "التيار الحر" أن التيار يريد أيضاً حفظ مكانة ودور المسيحيين في تركيبة الحكم التي اختلت نسبياً خلال السنوات الماضية، وكما أن الرئيس الحريري هو الأقوى في طائفته كذلك الرئيس عون وتياره السياسي هما الأقوى في طائفتهما، وبالتالي ما يسري على الطوائف الإسلامية الكبرى يجب أن يسري على الطوائف المسيحية الكبرى لا سيّما الموارنة والأرثوذوكس، سواء لجهة المشاركة في القرار أو في إدارة شؤون مؤسسات الدولة وفي الاقتصاد وكل نواحي الحياة العامة.
وبهذا المعنى، تفترض التسوية السياسية المبرمة بين "تيار المستقبل" و"التيار الحر" استمرار هذه الروحية من التعاون التي عبّر عنها كلٌّ من الرئيسين عون والحريري وساندها الوزير باسيل، لكن يجب أن تشمل أيضاً إرضاء كل الأطراف السياسية الأخرى التي شاركت في صنعها وإنجاح خطواتها الأولى، عبر الاتفاق على قانون الانتخاب وتشكيل الحكومة. وهنا يكمن بيت القصيد ويُطرح السؤال: هل تعيد المصارحة والمكاشفة التي قام بها الحريري تجاه "التيار الحر" تعويم التسوية السياسية بكل مكوناتها ومقوماتها، بحيث تشمل إعادة انتظام العلاقة بين "التيار الحر" وبين الرئيس نبيه بري و"حركة أمل" و "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدمي الاشتراكي؟"
في هذا الموضوع، ترى بعض الأوساط المتابعة أن علاقة الرئيس الحريري الجيدة مع الرئيس بري و"القوات" و"الحزب التقدمي" يُمكن أن تساهم في إعادة ترتيب الأمور بين مكوّنات الحكومة، خاصة أن رئيس الحكومة تحدّث في مؤتمره الصحافي عن ضرورة إعادة الإنتاج إلى عمل الحكومة، لا الاكتفاء بما تمّ إقراره حتى الآن من خطط ومشاريع. وبات تدخّل الحريري مع هذه القوى عاملاً أساسياً في تحقيق هدفه باستكمال مسيرة الحكومة لا سيّما لجهة تحقيق النهوض الاقتصادي وتطبيق مترتبات مؤتمر "سيدر" وتنفيذ المشاريع التي تقررت ومنها خطة الكهرباء مثلا، بما يؤدي إلى المساهمة في خفض العجز المالي.
إن اللقاء الذي عُقد بين الرئيسين عون والحريري ومن ثم بين الحريري والوزير باسيل، من شأنه أن يوضح طبيعة الصورة للمرحلة المقبلة، فإما طي صفحة الخلافات والسجالات وانطلاق الحكومة في خطوات جديدة، وإما بقاء الأمور على حالها من التفاقم ما يعني بقاء الوضع العام على حاله من الترهل وصولاً إلى الانهيار الكامل. فهل تحتمل الأطراف السياسية وصول البلاد إلى الانهيار لا سمح الله؟