انقلابان يبحثان عن شرعية!

15-04-2019 الراي
خيرالله خيرالله

في 48 ساعة، حصل انقلاب عسكري آخر في السودان. حلّ عبدالفتاح البرهان على رأس المجلس العسكري الانتقالي مكان عوض بن عوف الذي كان محسوباً بطريقة او بأخرى على عمر حسن البشير. لم يكن بن عوف، الذي أعلن بنفسه عزل البشير والتحفظ عليه، سوى واجهة أخرى للاخوان المسلمين الذين يتطلّع الشعب السوداني الى التخلّص منهم مع تخلصّه من الرئيس الذي حكمه بواسطة القمع طوال ثلاثين عاما.

من الواضح ان البرهان اكثر قرباً من مطالب الناس العاديين الذين نزلوا الى الشارع واسقطوا البشير. لكنّ الرئيس الجديد للمجلس العسكري، الذي يعتبر عسكرياً محترفاً، لا يمتلك أي شرعية من ايّ نوع. مثله مثلما كانت عليه حال البشير. هناك في السودان انقلاب يبحث عن شرعية. بقي البشير 30 عاما في السلطة، لكنّه لم يستطع في ايّ وقت ان يكون شرعيا، على الرغم من لجوئه الى صناديق الاقتراع.
هل يجد العسكر هذه المرّة طريقة للحصول على مثل هذه الشرعية؟ سيكون ذلك صعباً عليهم، مثلما انّه صعب على العسكر في الجزائر تسلّم السلطة مجدداً والحصول على شرعية بعد لعبهم دورا أساسيا في تخليص الجزائريين من عبدالعزيز بوتفليقة، الرئيس المقعد الذي لم يعد يستطيع قول جملة مفيدة منذ الجلطة التي تعرّض لها في العام 2013.
هناك اذا انقلابان عسكريان في السودان والجزائر يبحثان عن شرعية. نسي العسكر في السودان انّ الدافع الأساسي لاخراج البشير من السلطة كان التحرّك الشعبي المستمر منذ ديسمبر الماضي. فشلت المحاولة الاولى لاستيعاب هذا التحرّك عبر عوض بن عوف الذي لا يشبه سوى الاخوان الذين كانوا وراء انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 الذي أوصل البشير الى الرئاسة بدعم من حسن الترابي. ما لبث الرئيس المخلوع في 2019 ان انقلب على الترابي الذي كان يعتقد ان في استطاعته استخدام الجيش لتحقيق اهداف تتجاوز السودان. ادخل البشير، الترابي السجن وكاد ان ينفّذ به حكما بالاعدام لولا تدخّل علي عبدالله صالح مرّتين كي يمنع حصول ذلك.
ما الذي سيفعله قائد الانقلاب الثاني كي يحصل على شرعية ما؟ الثابت الى الآن، انّ ليس امام البرهان سوى التفاوض مع الأحزاب السياسية والشخصيات المدنية التي تمتلك وزنا بغية تشكيل حكومة مدنية ترضي المواطنين الذين نزلوا الى الشارع وكانوا في أساس اخراج البشير من السلطة. سيعتمد الكثير في السودان على شخصية البرهان ومدى تفهمّه للوضع القائم وللحالة الشعبية السائدة في بلد يريد ان يتحرّر نهائيا من سلطة الاخوان والعسكر التي عبّر عنها عمر حسن البشير. كان الرئيس السوداني المخلوع مستعدّا لكلّ شيء من اجل البقاء في السلطة.
قبل تقسيم السودان واستقلال الجنوب في العام 2011 من اجل الكرسي وذلك بعدما عجز عن إيجاد طريقة تبقي السودان موحّدا من منطلق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن دينهم والمنطقة التي جاؤوا منها. اعتقد انّ التخلّي عن الجنوب سيمكّنه من تجاوز المحكمة الجنائية الدولية التي سيمثل امامها عاجلا ام آجلا بسبب الجرائم المرتكبة في دارفور.
لا حدود لجنون العسكر وشبقهم الى السلطة. جمع البشير بين شبق العسكر وشبق الاخوان الى السلطة. من اجل البقاء في الرئاسة، لم يقف في وجهه ايّ اعتبار، بما في ذلك الحدّ الأدنى من القيم الأخلاقية. ليس امام من يتولّى حاليا رئاسة المجلس العسكري سوى تفادي أخطاء البشير في حال كان يريد انقاذ السودان. فاذا كانت التجارب التي مرّ فيها السودان منذ استقلاله في العام 1956 اثبتت شيئا، فقد اثبتت هذه التجارب ان العسكر لا يمكن ان يكونوا حلّا. كيف اذا كان هذا العسكري اخواني أيضاً؟ الاستثناءات قليلة جدّا بالنسبة الى العسكريين الذين اظهروا انّ في استطاعتهم ان يكونوا رجال دولة بالفعل على غرار ما كان عليه شارل ديغول في فرنسا او فؤاد شهاب في لبنان...
هناك ازمة عميقة في السودان الذي لم يعرف حكماً مدنياً الّا طوال فترات قصيرة اثبتت انّ السياسيين في هذا البلد لا يمتلكون ما يكفي من النضج لتسيير شؤون الدولة. لو لم يكن الامر كذلك، لما كان سهلا على الفريق إبراهيم عبود الاستيلاء على السلطة في 1958 ولا على جعفر نميري في 1969 ولا على عمر حسن البشير في 1989.
يقترح العسكر مرحلة انتقالية تتشكل بعدها حكومة مدنية. هذا الطرح مرفوض من المواطنين الموجودين في الشارع وهم في معظمهم من الشبان الذين تراوح اعمارهم بين 20 و35 سنة. امّا في الجزائر، فيحتاج العسكر بقيادة احمد قايد صالح الى فترة لترتيب أوضاعهم واختيار شخصية تؤمن لهم الغطاء الذي يحتاجون اليه كي يكونوا السلطة الحقيقية. مثل هذا المخرج مرفوض أيضاً من الجزائريين الذين يتطلّعون الى تغيير في النظام.
يرفض الشعبان في السودان والجزائر توفير ايّ غطاء شرعي من ايّ نوع للانقلابيين. يبقى السؤال هل من مجال لقيام نظامين جديدين في كلّ من البلدين؟ هل لدى الشبان الذين فرضوا التغيير في الجزائر والسودان من بديل للعسكر والسياسيين الذين حكموا منذ الاستقلال؟ الجزائر استقلت في 1962، فيما السودان استقلّ في 1956. لكنّ البلدين يعيشان منذ الاستقلال ازمة وجود نظام شرعي او نظام قادر على تسيير شؤون البلد.
ما لا يمكن الهرب منه انّ السياسيين السودانيين وزعماء الأحزاب لم يظهروا في ايّ يوم قدرة على النهوض بالبلد، في حين لم توجد في الجزائر في ايّ يوم حياة سياسية حقيقية خارج الاطار الذي رسمته المؤسسة العسكرية التي أتت بعبد العزيز بوتفليقة الى رئاسة الجمهورية في 1999 وما لبثت ان تعرّضت للتنكيل على يده. لم يستطع بوتفليقة القضاء كلّيا على نفوذ المؤسسة العسكرية التي تستعد لتصفية حساباتها مع افراد المجموعة المحيطة به.
هناك انقلابان يبحثان عن شرعية، لكنّه يمكن الحديث أيضا عن بلدين يبحثان عن نظام جديد. تلك يمكن ان تكون خلاصة ما يدور في الجزائر والسودان حيث لا مفرّ من الاعتراف بقوّة الشارع وتأثيره من دون ان يعني ذلك ان لدى الشارع ايّ حل من ايّ نوع للازمة العميقة المتعددة الجوانب في البلدين. هل الخطأ أصلا في ان السودان الجزائر استقلّا قبل الاوان، اذ لم يكن البلدان مهيئين لذلك؟ لا جواب عن السؤال. الثابت انّ ليس ما يشير الى مرحلتي ما بعد بوتفليقة والبشير ستكونان سهلتين في بلدين مليئين بكل أنواع التعقيدات...

خيرالله خيرالله - الراي