المعلم بطرس البستاني بيننا... فلنتعظ من أقواله

08-04-2019 نهاد طوباليان

حسناً فعلت مؤسسة جمعية " المعلم بطرس البستاني الثقافية والفكرية والإجتماعية" بتعيينها النائب الدكتور فريد البستاني على رأسها، في إطلاق إحتفالية وطنية ضخمة، اقل ما يقال فيها اليوم أنها حاجة ملحة لإعادة الإعتبار لكثير من المفاهيم والقيم، ونشرها وتعميمها على الأجيال الصغيرة والكبيرة، عّلنا في ذلك، نستعيد رشدنا الوطني والإجتماعي والثقافي ليعود لبنان مدرسة وطنية جامعة.
أن نكون على موعد في الأول من أيار المقبل مع إنطلاق إحتفالية لبنان في " الذكرى المئوية الثانية لولادة المعلم بطرس البستاني" هو بالأمر الجيد ، لكن الأهم هو أن لبنان بمفكريه ومثقفيه وسياسيه الذين تأخروا كثيراً في الإلتفات إلى هذا المعلم ، سيحتفي به على مدى عام كامل بفعاليات ثقافية وتربوية وفكرية، ستعيد إحياء أفكاره التقدمية التي سبق بها عصره، وهي اليوم عنوان اساسي يجيب على الإشكاليات المطروحة، وهي كثيرة وأكثر من أن تعد.
المعلم بطرس البستاني الذي كان رائد رواد النهضة، ومعروفاً لليوم على أنه " أب التنوير" لما طرحه من أفكار، عدا عما تمتع به من غزارة إنتاج أدبي راق على مستوى لبنان والعالم العربي، هو المعلم والأديب والعالم اللغوي والمترجم وحتى الصحفي.
وإذا كان المعلم قد عُرف بكتب القواعد العربية والأدب وأنه المترجم للكتاب المقدس من لغته الأصلية، ومشهور بقاموسه" محيط المحيط" الذي يعتبر من أهم المراجع التي أغنت لغة الضاد، وأنه من أوائل مؤسسي الصحف والمجلات التي كانت تحمل على متن صفحاتها أفكاره الحرة، هو أيضاً معلم الأجيال بتأسيسه " المدرسة الوطنية" التي درّس طلابها الذين انتموا إلى كل مكونات المجتمع اللبناني حب الوطن.
المعلم بطرس إبن بلدة الدبية الشوفية الذي ابصر النور في العام 1819، وإمتشق القلم منذ صغره، غارفاً المعرفة من مدارس لبنان ، قد عايش أحداثاً وفتناً طائفية ومذهبية في الشوف، لاسيما فتنة 1860 الشهيرة ، فهاله ما حدث، ودفعه لإصدار جريدة " نفير سورية"، أول جريدة وطنية راقية، دعا عبر صفحاتها إلى الألفة ونبذ الأحقاد، ليسارع في العام 1863 إلى إفتتاح " المدرسة الوطنية" التي جمعت على مقاعدها طلاباً من مختلف الطوائف والمناطق ومن خارج لبنان. مدرسة شكلت منبراً للدعوة إلى الوحدة بين كل مكونات المجتمع من أي دين أو طائفة كانوا، رداً على ما كان يحاك في حينه من فتن طائفية ومذهبية. سمع منه طلابه الكثير من الأقوال التي نرددها اليوم ولا نعرف أنها له، منها " الدين لله والوطن للجميع"، و" حب الوطن من الإيمان" و" حب الوطن يكون بتفضيل صالحه على الصوالح الذاتية شخصية كانت أو طائفية"، و" إنكم تشربون ماءً واحداً وتتنسمون هواءً واحداً ولغتكم وأرضكم واحدة"..... وغيرها الكثير.
أقوال وعبر وطنية، كم نفتقد لإن تكون عنواناً لحياتنا، ومنطلقاً للتلاقي بيننا نحن أبناء الوطن الواحد لما نعيشه منذ عقود من إنقسام يكاد يطيح بالوطن ومفهوم رسالته الإنسانية والحضارية وحتى الدينية، لنستعيد فعلاً لا قولاً عيشنا المشترك، ودور لبنان الرسالة في الشرق والغرب.
المعلم بطرس البستاني بفكره التنويري الذي تصدى في زمانه لمعضلات لازلنا نواجهها اليوم من تقاتل طائفي وتقاتل بإسم الدين وتدخل الدين بالسياسة والمجتمع.... وغيرها من المواضيع التي تصدى لها ونتصدى لها اليوم، يحل في مدارسنا وبيوتنا ومساحاتنا المشتركة، أثقافية كانت أم فكرية وسياسية، يحل بفكره وأقواله... وكل الأمل أن نتعظ منه، كل من موقعه، لنسير على طريق جديدة ، ندرك فيها ان الدين لله والوطن للجميع، وبأن المدرسة الوطنية بمفهومه باتت حاجة ملحة لتثقيف اولادنا على المواطنة الحقيقية... لغد أفضل.