كلمة مندوبة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك أمام مجلس الأمن

20-12-2018

عزيزي السيد الرئيس،

إسمح لي بدايةً أن أهنئك وأهنئ دولة الكوت ديفوار على تسلمك رئاسة مجلس الأمن خلال هذا الشهر. هذا الشهر المقدس، سيدي الرئيس، الذي من المفترض أن يجلب السلام للجميع على الأرض. للأسف، يبدو أن بلدي لبنان محكوم عليه أن يبقى ضحية للتهديدات المتتابعة وللصراع والألم.
بينما كان اللبنانيون منشغلون بالإستعداد لأمسية الميلاد، للإحتفال بولادة الأمل والتجدد، باتوا اليوم قلقين ومتخوفين من المستقبل. وعندما يرون هذا المجلس الموقر مجتمعاً لمناقشة وضع لبنان، كما هو الحال اليوم، فإن هذا يعيد لهم ذكريات العدوان والإجتياح وإستمرار إحتلال أراضٍ لبنانية من قبل إسرائيل. ما يدفعهم للتساؤل إذا كان ما يجري مقدمة لعدوان آخر.
لا يجب أن يلومهم أحد، سيدي الرئيس، فلبنان قد شهد أربع إجتياحات مدمرة في الإربعين سنة الماضية، ما أدى إلى وقوع آلاف القتلى والجرحى من المدنيين، وتدمير البنية التحتية للبلد وسنوات من المشاقّة للشعب. ولا نزال نعيش تداعيات كل ذلك.
نشهد اليوم وضع متقلب آخر بما خص الأنفاق، وقد أخذ لبنان هذه المسألة بدرجة عالية من الجدية وقال، بصوت عالٍ وعلى أرفع المستويات وبوضوحٍ، أن لا مصلحة له بصراع جديد.
وقد أكد الرئيس ميشال عون طبعاً، مباشرةً بعد صدور الخبر، بشكل لا لبس فيه، على إلتزام لبنان بالقرار 1701 بحرفيته وكليته. وهذا الإلتزام ليس خطابياً ولا مجرد كلمات. إن هذا الإلتزام يصبّ في مصلحة بلدي وشعبي. ولذلك عبّر الرئيس عون أيضاً عن مصلحة لبنان بالحفاظ على الأمن والإستقرار في جنوب لبنان، كما وعن الإستعداد للعمل مع المجتمع الدولي لمعالجة المسألة التي أثارها مجلس الأمن خلال إجتماعه الأخير حول لبنان. لقد أوضح تماماً أن لا نوايا عدائية للبنان.
أعاد رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري التأكيد على هذا الإلتزام، خلال إجتماعه بقائد قوات اليونيفيل اللواء "ديل كول"، وأعلمه بأن لبنان يبقى ملتزماً بتطبيق كامل مندرجات القرار 1701 وبإحترام الخط الأزرق.
وقال رئيس الوزراء المكلف، أن الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة المسؤولة عن الدفاع عن سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وهو يتعاون مع قوات اليونيفيل وسيقوم بدوريات للمراقبة والتعامل مع أي خلل في تنفيذ القرار 1701 عن الجانب اللبناني.
بعد بيانه، وبناء على طلب من الحكومة اللبنانية، يتم الآن نشر الجيش اللبناني بشكل كبير في منطقة العمليات للتأكد من أن القرار 1701 يطبق بصرامة. يواصل الجيش دورياته هناك في هذه اللحظات. ولكن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف أشارا أيضاً إلى مسؤولية إسرائيل في التحريض على حرب من خلال انتهاكاتها اليومية للسيادة اللبنانية.
نعم، يا أعضاء المجلس المحترمين، القضية الحقيقية في متناول اليد اليوم هي الإنتهاكات المستمرة لسيادتنا براً وجواً وبحراً، مما يشكل انتهاكاً كاملاً للقرار 1701، وأيضا انتهاكاً شاملاً لميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً المادة 2 منه، الفقرة 4.
سيدي الرئيس،

لم ترتكب الدولة اللبنانية أي خروقات، بينما الخروقات المُرتكبة من قبل الجانب الإسرائيلي كانت تقوم بها الحكومة الإسرائيلية، تصل هذه الخروقات إلى حد الـ ١٨٠٠ خرق سنوياً، وفي الأشهر الأربعة الأخيرة وصلت إلى مُعدل ١٥٠ خرقاً في الشهر الواحد. هذا نموذج عن الخروقات التي نُقدمها للأمم المتحدة، نُقدمها لكم، يومياً. وهذه خروقات شهر كانون الأول فقط، ولا نزال في التاسع عشر منه.

علاوة على ذلك، إخترقت إسرائيل وحدها الأجواء اللبنانية خلال الأشهر الأربعة الأخيرة بمعدل ٨٤ خرقاً يومياً، كل هذه الإنتهاكات موثقة لدى اليونيفيل. هذا بالإضافة إلى إنتهاكها لشبكة الإتصالات اللبنانية، وإرسالها رسائل تهديد للمواطنين اللبنانيين تنشر الخوف والذعر بين السكان. أرسلنا تقارير بهذا إليكم ، سيدي الرئيس، وإلى الأمين العام، بكتابٍ رسميٍ في السادس من شهر كانون الأول الجاري.

أعضاء المجلس المحترمين، تخيلوا فقط لو طلبنا إجتماع مجلس الأمن في كل مرة خرقت فيها إسرائيل سيادة لبنان منذ عام ٢٠٠٦.... سستغرق معالجة هذه الخروقات مناوبة دائمة على مدار الساعة. لقد منح المسؤولون اللبنانيون مشكلة الأنفاق أقصى قدر من الإهتمام الدقيق بخوفٍ محق، من أن تستخدمها إسرائيل كذريعة لتهديد إستقرار لبنان.

أعلم رئيس الحكومة المكلف قائد قوة اليونيفيل بوجوب تحمّل الأمم المتحدة لمسؤولياتها في مواجهة الإنتهاكات اليومية من قبل إسرائيل، وقال أن النبرة التصعيدية تجاه لبنان، والتي قد شهدتموها اليوم عند سماعكم لما قاله السفير الإسرائيلي، لا تخدم الهدوء النسبي الذي كان سائداً لأكثر من ١٢ عام في الجنوب. دعا الرئيس الحريري المجتمع الدولي، جميعكم، "للحد من هذا التصعيد بغية إحترام الخط الأزرق والتطبيق الكامل للقرار ١٧٠١". نكرر دعوته هذه مجدداً، هنا في هذا المجلس، على أمل أن تنزعوا فتيل الأزمة لصالح الحفاظ على الإستقرار والسلام على حدودنا.




سيدي الرئيس،

في ضوء كل هذه الإنتهاكات والإستهتار بالشرعية الدولية، يطرح اللبنانيون هذا السؤال المشروع: هل هناك أرستقراطيون في الإنتهاكات للمجتمع الدولي؟ يخشون المعايير المزدوجة بحيث تدفن التقارير اللبنانية عن الإنتهاكات الإسرائيلية لسيادتها في المحفوظات، في حين تصل شكاوى إسرائيل لإجتماعات مجلس الأمن، وتمر أفعالهم دون عقاب.

سيدي الرئيس،

إستمع إلى هذا الإقتباس "لدينا الحق الكامل، في سبيل الدفاع الوقائي عن النفس، بمسح وجمع الإستخبارات" هذه كلمات رئيس وزراء إسرائيل قبل بضعة أيام عند تناوله الخروقات الإسرائيلية للمجال الجوي اللبناني. ما يراه رئيس الوزراء دفاعاً عن النفس، يُعتبر تهديداً في بيروت. عندما تُحلق الطائرات الإسرائيلية بإنخفاض، أو تخرق جدار الصوت فوق المناطق المأهولة، يشعر السكان بوطأة الإنتهاكات الإسرائيلية. نعلم جميعاً جيداً، كيف يُستخدم ما يُسمى بـ "الحق الإسرائيلي بالدفاع الوقائي عن النفس"، والذي بالمناسبة يفتقد لأي أساس قانوني دولي، لتبرير الإنتهاكات والأعمال العدوانية غير المشروعة.

لا يجب أن يكون محكوماً علينا تكرار الوضع نفسه مرةً تلو الاخرى. هناك طريقة بسيطة لإبقاء الحدود هادئة: وهي عبر الإلتزام بتطبيق القرار 1701 من قبل الجانبين وليس فقط من قبل لبنان. وعبر الإنتقال من وقف الأعمال العدوانية الى وقف إطلاق نار دائم، والإنسحاب الاسرائيلي من بقية الأراضي اللبنانية المحتلة ومياهه الإقليمية.
هناك أيضاً آلية العمل التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان والمتمثلة باللجنة الثلاثية، والتي بإمكانها التعاطي مع كافة المشاكل التي تنتج عن الوضع هناك. يمكن تعزيز هذه اللجنة لجعلها قادرة على حل كافة الانتهاكات، خاصةً الخلاف على الحدود بين لبنان واسرائيل، ومن ضمنها الخلاف على الحدود البحرية. هذه المشاكل يمكن أن تتم معالجتها بعيداً عن أية إعتبارات سياسية داخلية.
تحفل الصحافة الإسرائيلية بأسئلة حول توقيت وهدف هذه الحملة الإسرائيلية. لكن على الرغم من أن لبنان غير مهتم بالسياسة الإسرائيلية الداخلية، إلا أنه يرفض إستخدامه كبيدق في اللعبة السياسية الإسرائيلية الداخلية. لبنان مهتم بالحفاظ على الهدوء في أراضيه، والعيش بسلام وأمن. فهل هذا مطلبٌ مبالغٌ فيه حضرة الرئيس؟

شكراً حضرة الرئيس