«تكسير رؤوس»: «هيك ما بيركب البلد»!

11-09-2018 نبيل هيثم

الجمهورية

على يمينِ طاولةٍ مستطيلة وسط صالونه الكبير، يكوّم «المسؤولُ الحزبي» مجموعةً من الجرائد الأجنبية. تطل من جنباتِ بعضها قصاصاتٌ ورَقية صفراء، يؤشّر عليها بالأخضر الى مجموعة مقالات اختارها. وإلى جانب تلك الجرائد يتمدّد كتابٌ سميك تستلقي فوقه ورقةٌ زهرية اللون، مدوّنة فيها فقرة بخط اليد من عدة أسطر.
يلاحظ هذا المسؤول أنك تمعن النظر الى كومة الجرائد، ويضبطك بالجرم المشهود وأنت تسترق من مقعدك النظر الى تلك الفقرة المكتوبة بخطّ اليد. فيوفر عليك عناء النظر، ويسارع الى التقاط الورقة الزهرية ويتلو ما فيها وحرفيّته: «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ستجتمع يوم الثلثاء ١٢ أيلول ٢٠١٨ (اليوم) في جلسة حاسمة تتخلّلها تلاوة المذكرة الختامية للإدّعاء، التي ستّتهم مجموعة من «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري، خدمةً لمصالح النظام السوري وبشار الأسد». ثم يضيف: «واضحٌ أنّ الأمرَ محسوم في هذا الاتّجاه».


هنا يتوقف المسؤول الحزبي عن الكلام، ويعيد تلك الورقة الى مكانها، وأنت تتاابعه في هذا المسار، تشرد عينُك في اتّجاهٍ آخر، وتسأله: .. وماذا عن هذه «البناية»؟ والمقصود هنا الجرائد المكوّمة فوق بعضها البعض.


فيجيب بكل هدوء: «أنها مقالات متنوّعة، لم اقرأها كلّها بعد، بل ألقيتُ نظرة سريعة عليها، فهي تعرض طبيعة الصراع الدائر في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا، كما تعرض نقاط التوتر في العالم، بين أميركا والصين، أميركا وكوريا، وبين الأميركيين والأوروبيين، وبين الأميركيين والروس، وبعضها يسلّط الضوء على طبيعة الصراع بين الأميركيين أنفسهم والمحاولات الجدّية لعزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهذا الأمر أعتقد أنه يميل الى أن يتطوّر من «الاحتمال» الى الأمر الواقع».


يقول المسؤول «إنّ العالم يشهد تقلّبات وتحوّلات خطيرة، جراء «حروب الكبار»؛ الحرب الباردة بين الأميركيين والروس في أعلى درجات احتدامها، وأخشى من تفاعل الأزمة بين الأميركيين والصينيين، حيث بدأت تطل نُذر مواجهة اقتصادية شرسة بينهما وبالتأكيد ستترتّب عليها آثار سلبية على كل العالم.

 

وأما الأوروبيون ففي أسوأ حالاتهم، مربكون، اختلفوا مع الأميركيين حول إيران. ومع ذلك ماشى بعضهم الإدارة الأميركية في توجّهها التصعيدي تجاه طهران، لكنّ الأوروبيين بمجملهم، حتى لا نقول كلهم، يعتبرون إيران ساحة استثمارات في شتى المجالات، ونافذة تعزيز لاقتصادياتهم المريضة. وكما أنهم لا يستطيعون أن يعاكسوا الأميركيين، ففي الوقت نفسه لا يستطيعون أن يتخلّوا عن إيران حتى ولو صعّدت بعض الدول لهجتها ضدها كما فعلت فرنسا، التي رفعت مستوى تصعيدها الى حدّ الإعلان عن خروج «توتال» نهائياً من إيران. وأعتقد أنه كما خرجت «توتال» فجأة، وبلا أيّ مقدمات، يمكن أن تعود الى إيران فجأة، ويمكن أن يعود غيرُها، فنحن في عالم المفاجآت، ويجب ألّا ننسى أنّ الغربيّين بشكل عام اختلفوا مع ترامب في قراره الخروج من الاتفاق النووي، وكذلك في موضوع زيادة العقوبات على طهران».


على أهمية وخطورة المشهد الدولي، فإنّ المشهد الإقليمي هو أكثر ما يهتم به المسؤول الحزبي، «فاليمن مشكلة كبيرة، وليبيا على شفير الانفجار الكبير»، وأما بالنسبة الى الملف السوري، فتخاله يشعر بمغص حاد، عندما يقارب وقائع الميدان العسكري، والتقدم الذي يحققه النظام السوري على الأرض.


أكثر ما يشغل بال المسؤول المذكور في هذه الفترة، هو تطوّرات إدلب وما يُحكى عن عملية عسكرية باتت تنتظر الساعة الصفر لانطلاقها من قبل الجيش السوري بدعم مباشر روسي إيراني ومن قبل «حزب الله» وسائر الميليشيات الحليفة. في هذه النقطة يتوقف المسؤول المذكور عند أمرين:


الأول، قمة طهران التي يسميها المسؤول «قمة إدلب»، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. والثاني، ما يسمّيه «التصريح المثير» الذي أطلقه وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان واعتبر أنّ الرئيس السوري «ربح الحرب ولكنه لم يفز بالسلام».


يقول المسؤول: أسوأ ما في كلام الوزير الفرنسي قوله «إنّ بشار ربح، هذه الكلمة ثقيلة على السمع، فماذا سيقول الغرب للشعب السوري الذي راهن على ما سمّوه لهم بالربيع، فهل سيكون هناك ربيعٌ بوجود بشار، مستحيل»؟


أما في الشق المتعلّق بقمة إدلب فيضيف: «هذه القمة الثلاثية، وإن أظهرت تبايناً في الموقف بين الروس والأتراك، إلّا أنها أسّست لما يعتبرها الروس «معركة الحسم» في إدلب. بوصفها آخر المعارك، التي من شأنها أن تصوغ التسوية النهائية للأزمة السورية وفق ما يرغب به بوتين. التحضيرات الجارية للمعركة والتي بلغت مراحلَ متقدِّمة سياسياً وعسكرياً ولوجستياً، تؤكّد أنّ هذه المعركة لم تعد بعيدة، لكن على الرغم من الإشارات الروسية الى الحسم الحتمي للمعركة، فلا أعتقد أنّ المحور الآخر الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية سيقف متفرِّجاً، ولا شك أنه سيزرع ألغاماً كثيرة لتعطيل هذا الحسم.


يقول المسؤول: الأميركيون يريدون خنق نظام بشار، ولا يمكن أن يقبلوا بتحوّل دراماتيكي بالنسبة اليهم، يخرج بشار منتصراً، ومن هنا لا أستبعد في هذا السياق مبادرة الأميركيين الى عمل عسكري استباقي ضد النظام، سواءٌ من قبلهم مباشرة، أو عبر الاسرائيليين. وثمّة إشارات في هذا الاتّجاه، فالغضب الأميركي والغربي من معركة إدلب يترجم في الإثارة المتجددة للملفّ الكيميائي، وكذلك عند قول وزير الخارجية الفرنسية بـ»أنّ الأسدَ لن يربح السلام» والذي يعبّر عن رغبة الغربيّين ومعهم الأميركيين بالتأكيد، في ممارسة الحدّ الأقصى من الضغوط السياسية الممكنة لوقف الاندفاعة الروسية، وكذلك يجب التوقف عند التحرّكات الإسرائيلية المتجدّدة على الساحة السورية، التي تجلّت من خلال مواصلة الغارات، التي تبدو بمثابة رسائل سياسية أميركية في الميدان، لا سيما وأنها ترافقت مع تغريدة ترامب التي اعتبر فيها أنّ أيَّ هجوم واسع النطاق في هذه المحافظة السورية سيكون «خطأً إنسانياً جسيماً». يؤكد ذلك. كما يقول المسؤول الحزبي، «إنّ الشرق الأوسط يمرّ حالياً في واحدةٍ من أشدّ مراحل التعقيد والغموض، لكن في الخلاصة، فإنّ نتائج معركة إدلب أيّاً كانت، ستترجَم تلقائياً على المستوى السياسي، وبأثمان قد تتجاوز الملفّ السوري، باتّجاه ملفات أخرى وتحديداً اليمن وليبيا».


أما هذه الصورة الإقليمية والدولية، تجازف بطرح سؤال: ماذا عن لبنان؟ فيسارع الى سؤال معبّر: «قصدك الأمة اللبنانية العظمى»؟!


ثم يقول: أنتم ترون أنّ المنطقة في حال ارتجاج، وكل الدول مهدَّدة، فكيف بالنسبة الى بلد صغير كلبنان؟ نحن لا نعيش في جزيرة منعزلة، «طلع الشعر على لساننا» ونحن نقول تعالوا لنلمّ الوضع ونؤلّف حكومة قبل أن يستفحل الوضع، وكذلك وضعنا الداخلي الاقتصادي والمالي الذي لا يحسدنا عليه أحد، لكنّ مصيبتنا أنّ مجال رؤية البعض في هذا البلد، لا يعمل إلّا ضمن حدود الزواريب».


ثم يقدّم المسؤول الحزبي صورة للواقع اللبناني، ويقول «والله البلد مصاب جدّياً بـ«فالج» حقيقي، فأزمة تأليف الحكومة صارت معقّدة أكثر من خيوط العنكبوت، «مشربكة» ببعضها البعض لا تعرف أين بدايتها وأين نهايتها، صار بدها حلم الله، مستشارون من هنا، ومستشارون هناك، والى جانبهم شعراء بلاط ومطبّلون ومستوزرون وتجّار دستور وتفسيرات جاهزة، فكيف بدك تحلّها»؟


ثم يضيف ممازحاً: «صارت حكومة لبنان أصعب من أزمة المنطقة. و«جهابذة» السياسة حوّلوا تأليفها الى معركة «تكسير رؤوس». بدأوا بها في الانتخابات النيابية وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، و»بعدهم مْكَمْلين فيها». وبمستوى فهمهم «الرفيع» للسياسة ولتركيبة البلد، دفعوا الجميع الى أن ينغمسوا في هذه المعركة من رؤوسهم حتى أسفل أقدامهم، للدفاع عن وجودهم وحضورهم الذي يريد البعض أن يبتلعه، ويعيد البلد الى زمن المتاريس».

ولكن أين ستحطّ هذه المعركة؟

يجيب: مع الأسف، يريدون لهذه المعركة أن تستمرّ تحت عنوان مسرحية الأحجام السخيفة، حتى يسلّم الآخرون لهم، «بدهم كل شي، هيك ما بيمشي الحال، والبلد هيك ما بيركب.. مْطوّله كتير».