البترو دولار والاحتباس الحراري

10-09-2018 مازن عبّود

شكلت معاهدة البريتين وود المكسب الاساسي لمن مولوا الحرب الكونية الثانية، وللولايات المتحدة الامريكية. معاهدة كرّست الدولار الامريكي وجعلت منه العملة العالمية. فصارت كل العملات قابلة للتحويل اليه. بشريطة ان تتم تغطيته جزئيا بالذهب. وكان هذا ممكنا لانّ الولايات المتحدة الامريكية خرجت وقتها من مخاض الحرب قوة اقتصادية عملاقة. وقد كانت باقتصادها قادرة على تأمين هذا القدر من التغطية لعملتها.

انتهت مرحلة البريتين وود مع حرب فيتنام ونهاية الحصار النفطي السعودي على الغرب في بداية السبعينات. فكان ان تمّ الانتقال الى عصر البترو دولار. فكان ان اعطت الولايات المتحدة الامريكية المملكة العربية السعودية ومن خلالها دول الخليج ودول الاوبيك، ضمانات امنية ونفوذ مقابل حصول كل التبادلات النفطية في الدولار الامريكي.
فأمسى جراء ذلك الدولار غير مترابط الى حد بعيد بصحة الاقتصاد الامريكي بل بحجم التداولات العالمية به نتيجة الطلب على النفط. وصارت الماكينة العسكرية الامريكية تعمل لحماية وتفعيل استدامة عمل مطابع العملة الخضراء ودرء الاخطار عنها.
اسس مرحلة البترودولار وضعت في عهد الرئيس نيكسون. وجعلها موضع التنفيذ وزير خارجيته كيسينجر. ومع نظام البترو دولار اصبحت قوة الدولار تعكس حجم الطلب على البترول التي راحت تتزايد.
ارتضت الصين ان ترتبط بهذا النظام لعقود. ارتضت ان يجري استعمارها وحصاد ثرواتها ومجهود عمالها مقابل كميات من نتاج مطابع العملة الخضراء الورقية. وقد ارتضت ذلك ايضا مقابل امتلاك مفاتيح التكنولوجيا والمعرفة التي ستؤهلها في يوم من الايام من الانتفاض على النظام النقدي المعمول به عالميا.
سقط الكثير من القادة والانظمة ضحايا بعد ان حاولوا تحرير دولهم من هذا النظام النقدي العالمي. وما جرى للرئيسين المخلوعين صدام حسين والقذافي افضل مثال على ذلك.
هذا ويشكل الحصار على ايران وسيلة لإخضاعها واعادتها الى نظام البترو دولار. فتزايد وتيرة التبادل التجاري بالنفط خارج اطار الدولار سيكون له مفاعيل كارثية على اقتصاد الدولة العظمى ونظام البترودولار النقدي.
لذا، فانّ الماكينة الحربية الامريكية كانت وستكون مستعدة للقيام باي شيء للحفاظ على المطابع وسطوة وقوة نتاجها. فانتهاء نظام البترو دولار يعني بالنسبة الى الكثيرين انتهاء الحقبة الامريكية. وهذا لن يحصل الا على بحر من الدماء.
انّ ازمة الاحتباس الحراري مرتبطة بذلك، فهي وليدة انبعاث الغازات الدفيئة نتيجة استهلاك النفط. ازمة اضحت تشكل تحديا وجوديا على استدامة الحياة على الكوكب، دون ان تجد لها حلا.
الحل ليس موجودا. ولن يكون موجودا في المدى القريب. وذلك لانّ الترياق هو في الانتقال من عصر النفط الى عصر الطاقة النظيفة. مما يستوجب تدابير وعملا جديا لخفض الطلب على النفط. وهذه حقيقة غير ملائمة وتتعارض مع مصالح الاحتياط الفدرالي. وذلك نظرا لارتباط العملة الخضرة بالتبادلات النفطية.
الصين التي ايقنت هذا الترابط بدأت بالعمل الجدي لإيجاد بدائل نظيفة عن النفط. وذلك للتحرر ايضا من سطوة النفط والدولار والولايات المتحدة الامريكية. فرصدت مليارات الدولارات في مجالات البحوث والتطوير لإيجاد بدائل نظيفة مقبولة اقتصاديا. وبدأت بلعب ادوار رائدة في قيادة العالم الى عصر ما بعد النفط.
ومن خلال هذا المنظار يجب ايضا فهم التعنت الامريكي. ورفض المارد الدولي لأي معاهدة تدعو الى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري، والتي تنتج عن استهلاك الوقود الاحفوري. فالمارد مصرّ على الحفاظ على قوة عملته وسطوة الاوراق الخضراء على النظام النقدي العالمي التي تستمد قوتها من استهلاك النفط.
انّ موضع الانتقال الى عصر ما بعد النفط موضوع وجودي بالنسبة لنا كبشر للحفاظ على جودة الحياة على الكوكب. كما انّ البقاء في عصر البترودولار مسألة حياة او موت بالنسبة الى الاحتياط الفدرالي. وذلك لارتباط حجم التبادلات البترولية بالدولار.
لذا، فانّي اعتقد بانّ اي حل لمسألة الاحتباس الحراري لا يمكن ان يتم بالطرق السياسية الكلاسيكية بل بالابتكار فقط. كما اني اخشى بانّ الانتقال من عصر النفط الى ما بعده لن يحصل الا على بحر من الدماء.
ثمة حرب قد بدأت ظاهرها سياسي وباطنها نقدي. ثمة حرب قد بدأت اليوم باردة، واصلي كي لا تتحول الى حامية. بدأت في الشرق الاوسط لكن ساحتها ستكون العالم. ولن توفر بحر الصين وأوكرانيا وغيرها من المناطق والدول.