بري وميزان "الصيدلاني"

10-09-2018 جوزف قصيفي

رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الذي يمسك بميزان "الصيدلاني" في مقاربة القضايا المعقدة داخلياً، يحاذر في هذه الأزمة اللجوء إلى خطوات جذريّة أو النصح بها، لأنّه أعلم السياسيّين بما ينطوي عليه الموضوع من مخاطرة في لحظة الاشتباك الدولي والإقليمي الذي بات على خط التوتر العالي، وإنّ أيّ احتكاك يطاول أسلاكه، قد يتسبّب بحريق قد يعصى على "خراطيم" الإطفاء مهما اختزنت من قوّة دفع وشدّة وقع. ومن هنا دعوته إلى الصبر، فالصبر والصبر، من دون أنْ يتخلى عن مسؤولياته الدستورية، ودوره في حراثة طريق الحل لتصبح سالكة أمام من أصبح أسير أزمات متناسلة ومتكاثرة، من دون أنْ يهتدي إلى سبيل للنفاذ منها.

علاقة الرئيس بري برئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون أكثر من جيدة، ولا مجال للرهان على انتكاسها، ومع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري تسود سياسة التعاون والتفهّم والتفاهم، فيما ليس بمقدور أحد إغفال الروابط التي تشدّه إلى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط. وخطوطه مفتوحة مع "معراب" و"الصيفي"، وصلاته مميّزة مع "بنشعي" عدا مختلف مكوّنات "الثامن من آذار". من دون أنْ يعني ذلك كله تخلّياً عن ثوابته الوطنيّة وخياره الاستراتيجي في التحالف مع "حزب الله". إنّه معتدل في تعاطيه مع الافرقاء المختلفين كونه رئيساً للمجلس النيابي الذي يحتضن كل أطياف اللون السياسي في انتخابات هي الأصحّ تمثيلاً قياساً بسابقاتها على الرغم من الثغر التي شابت قانونها.
الرئيس بري يعرف ان الدستور الحالي المنبثق من اتفاق الطائف مليء بالثغر، وهو قادر على الإشارة إلى العديد منها. وإذا كان يلجأ في أحيان معيّنة إلى التلميح بأمور يعرفها كل متابع لبيب، فإنّ الكلام غير المباح راهناً، قد يأتي أوانه. لكن الأولوية لديه هي تهدئة اللعبة، وتبريد الرؤوس الحامية، وتوجيه البوصلة نحو ما يفيد، ويعين على تدوير الزوايا وإدناء المسافات. ومن هنا يتبع خطة مزدوجة ترمي إلى وقف التوجه نحو المنحدر، واستعذاب "لحس المبرد". وهذه الخطة تقضي بتكثيف الاتصالات والمساعي من أجل تشكيل الحكومة قريباً، وهو ما يقوم به بعيداً من الأضواء ومن متناول الإعلام. وهو إذ ينفي وجود معوقات خارجية تحول دون ولادة الحكومة، فإنّه لا يخفي سلبيّات الانعكاسات الخارجيّة في ذروة احتدامها على المشهد الداخلي. ولذلك يجتهد لإبعاد عود الثقاب عن برميل البارود. وهو لم يقطع الأمل بعد في الوصول إلى مخرج يرضى به جميع الأطراف، لكنّه قلق من الوضع الاقتصادي وتداعياته التي قد تصيب شظاياها الوضع النقدي المحصّن حتى الساعة، خصوصاً وأنّ ما يضيمه هو عدم إفادة لبنان من الوضع الأمني الذي يرتع فيه، وتوظيفه في انعاش اقتصاده. وفي موازاة سعيه لتشكيل الحكومة، فإنّ الرئيس بري أطلق عجلة التشريع، وأعطى الضوء الأخضر للجان النيابية للبدء في العمل، مبدياً إعجابه بطاقات مميّزة بين النواب الجدد الـ٧٩، معتبراً أنّ مجلس العام ٢٠١٨ سيكون مشابهاً لمجلس العام ١٩٩٢ من حيث الانتاج والانجاز. وهو يؤكد انه لا يضيع الوقت بعقد اللجان ووضع مشاريع القوانين الجديدة، أو بحث تلك المحالة من الحكومة السابقة والتي قبلها، لأنه بذلك يمهّد للحكومة العتيدة الطريق ويسهّل عليها العديد من الأمور، بحيث يمكن التعويض ما أمكن الوقت المهدور في التجاذبات التي عرقلت تشكيلها.
إنّ الرئيس بري لا يستنكف عن القيام بوساطات وإطلاق المبادرات، لكنه لا يُقدِم إلا إذا كان متيقناً من أنّ مسعاه سيؤتي أكله. من هنا لا يتوقعن أحد أنْ يضطلع بأمر يؤدي إلى إحراق أصابعه، لا خوفاً من حرقها، لكن حرصاً على استبقاء طاقته إلى اللحظات التي تبدو فيها الأزمة مستغلقة تماماً، ما يتطلب التدخّل بكامل "عدته وعتاده" خصوصاً وأنّه سبق وأعلن أنّه وحليفه "حزبان" قانعان بحصتهما على الرغم من حجم كتلتهما النيابية الكبيرة.
إنّ الرئيس بري المتجمل بالصبر ينتظر، ويرفض أنْ "يبقّ البحصة" ويلجأ في كل منعطف إلى كلمة سواء، لأنّه يعتبر لبنان بين نارين سياسيّة واقتصادية يتوجّب النجاة منهما، وهذا يتطلب تواضع الجميع، لأنّ الكارثة إنْ حلّت لن تستثني أحداً.
إنّه يصرّ على الإمساك بميزان "الصيدلاني"، وهي سياسة حكيمة تقي لبنان خطر التطرف السياسي، وهو أم كل تطرّف. وكل من يعرفه يقول إنّ رهانه غالباً ما يصح، وحسابات التفاؤل والتشاؤم، وحتى التشاؤل لديه، تخضع لأحكام العقل والمعطيات. فلنراقب عين التينة جيّداً في طالع الأيّام.