تقرير «محاسبة المقصّرين» بعهدة الحريري

01-09-2018 ملاك عقيل

الجمهورية

يحمل الرئيس المكلف سعد الحريري أكثر من بطيخة في يده. لا شيء يَضمن عدم سقوطها دفعة واحدة سوى القرار المركزي الساري المفعول، من جانب المحور المضاد، بأنه رجل المرحلة في السنوات المتبقية من عمر العهد. داخلياً، هذا هو قرار الرئيس نبيه بري و«حزب الله» قبل أيّ أحد آخر.
منذ أيار الماضي، تاريخ «حملة التشحيل» التي قام بها الحريري ضمن فريقه ردّاً على نتائج الانتخابات النيابية المخيّبة للآمال، باعترافه، لم يصَر الى الاعلان عن دفعة جديدة من «المقصّرين»، مع انه خرجت أصوات من داخل «تيار المستقبل» نفسه تقول إنهم «باعوا الحريري»!.


لكن مشروع المحاسبة و»التنظيف» استمر ضمن أروقة التيّار الداخلية. ثمّة تقرير سريّ وصل الى يد الرئيس الحريري من النائب السابق عمار حوري، رئيس اللجان التنظيمية التي كلّفت بمهمة إجراء مسح لأداء محازبي «المستقبل» ومسؤوليه قبل الانتخابات وفي يوم السادس من أيار، كشف مكامن الفساد داخل «التيار الازرق».


إعداد التقرير استغرق نحو شهرين، وأهم ما فيه تحديد للمسؤوليات في كل ما يتعلق بتراجع شعبية «التيار» في المناطق كافة والأداء الحزبي في يوم الانتخاب وقبله، وتحديد مكامن التقصير والخلل و»التواطؤ»!


يُذكر أنّ الحريري تقصّد اختيار أعضاء اللجان من خارج المكتب السياسي والمنسّقيات المعنية مباشرة بالانتخابات، مفضّلاً اختيار شخصيات «محايدة» كي لا تتداخل عوامل «المعرفة الشخصية والزمالة، إضافة الى تمكّن أعضاء اللجنة من الخروج بصورة شاملة ودقيقة عن الوضع الانتخابي والتنظيمي».


ليس همّ البيت الحزبي سوى جزء من الصورة التي تشغل بال الحريري. القوى السياسية كافة، ما عدا حركة «أمل» و»حزب الله» خسرت من رصيدها العددي في «الإنتخابات النسبية»، لكنّ خسارة الرئيس المكلّف كانت الأكبر. ثمّة تكتم شديد حول مصير التقرير، مع العلم أنّ الحريري هو صاحب الصلاحية في الأخذ به أو تجاهله وتجاوز «مشروع المحاسبة».


لكنّ قريبين من الرجل يؤكّدون مواصلته قرار المحاسبة وإعادة التنظيم و»تنظيف» بيته الحزبي، «على اعتبار أنّ نتائج الانتخابات نفسها أدّت في جزء منها دوراً سلبياً في إدارة عملية تأليف الحكومة من خلال محاولة بعض القوى السياسية فرض شروطها على الرئيس المكلّف وتكبيله بقيود جرّاء تراجع نفوذه داخل بيئته»!


والملفت أنّ وزير الداخلية نهاد المشنوق، الذي يقاطع كلياً اجتماعات كتلة «المستقبل» النيابية وبات على مسافة أمتار قليلة من الخروج من الكادر التنظيمي لـ»المستقبل»، ينتظر بدوره نتائج هذا التقرير ليبني على الشيء مقتضاه بعد تسليمه بأنّ هناك من تواطأ ضده من داخل «المستقبل» وإعلانه سابقاً تعرّضه للطعن، ما دفعه الى تكليف شركة خاصة لتقييم أسباب حلوله سادساً ضمن الفائزين السنّة في بيروت الثانية ونَيله العدد الأقل من الأصوات التفضيلية، وبالتالي هو ينتظر محاسبة «المتواطئين» ضده!


لكنّ بطيخة ترتيب البيت الداخلي وشدّ عصبه لا تقاس بشيء مع بطيخة أزمة الحريري في تأليف حكومته الثالثة. الأمر الثابت الوحيد في خضمّ فوضى التأليف هو قناعة المشاركين المباشرين وغير المباشرين بالتسوية الرئاسية بأنّ الحريري لا يزال رجل المرحلة، وأيّ حديث عن البديل حتى لو رفضت المسودات الوزارية تباعاً من جانب رئيس الجمهورية هو من باب تمنيات البعض ممّن ينتظر الحريري أن يستسلم ويعتذر لكي يجلس مكانه!


صحيح أن لا كلام مباشراً بين الحريري و»حزب الله»، لكنّ حديث السيد حسن نصرالله أخيراً أزال لغماً حقيقياً من جانب الضاحية أمام التأليف. التركيبة الوزارية، بحصصها وحقائبها وتوازناتها شيء، والبيان الوزاري ببند «العلاقة مع سوريا» شيء آخر. وهذا الواقع، برأي كثيرين، يُبقي اتهام محور الثامن من آذار للحريري بإدارة «أذنه» للرياض، من ضمن شدّ الحبال السياسي، أكثر منه تحويله الى حاجز حقيقي يفجّر مساعي الرئيس المكلف لتشكيل «حكومة العهد» المنتظرة.


على خط العلاقة مع الرئيس بري يكفي ما شهدته الترتيبات الأمنية في بعض أحياء بيروت قبل أيام حين اندفع بعض المتحمّسين للرئيس بري، في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر، الى تعليق يافطات وصور وشعارات في قلب شوارع تعرف بخط تماس بين جمهورَي حركة «أمل» و»حزب الله» من جهة وتيار «المستقبل» من جهة أخرى. فقد دخل الرئيسان بري والحريري مباشرة على الخط لمنع أيّ اهتزاز في الشارع، مع حماسة ظاهرة من جانب عين التينة لتفادي أي احتكاك «ليس وقته» في استمرار لسياسة التنسيق بينهما.


هذا في الأمن، أمّا في السياسة فثمّة ورقة رابحة، مدعومة بالأرقام، يضعها الثنائي الشيعي في جيبه من دون أن يحوّلها حتى الآن الى معركة مفتوحة بوجه الحريري. ثلث النواب السنّة هم خارج سيطرة «المستقبل». هؤلاء يحاولون فرض حصتهم على الرئيس المكلف، من دون أن يتبنّى الفريق الشيعي معركتهم الى حدّ «تطيير» التكليف في حال عدم تمثّلهم في الحكومة. كل واحد من هؤلاء بات يتحصّن بشعبية وحيثية كرّستها صناديق الاقتراع، أمّا «كتلة العشرة» فبحد ذاتها أصبحت تُزارِك الحريري على صحن الزعامة، أقلّه مناطقياً. مع ذلك، لا خطة «ب» على أجندة قوى 8 آذار، ولا حديث عن بديل جاهز عن «الشيخ». أكثر من ذلك، عتب عين التينة في أزمة التأليف يتركّز في الجزء الأكبر منه على السقوف العالية لدى الفريقين المسيحيين أكثر منه على العقدة السنية أو الدرزية، وهو يرى أنّ حلّهما مُتاح لحظة تجاوز لغم الحصص المسيحية في الحكومة.