الأمن العام ... حكاية وطن

27-08-2018 الأمن العام

ما من شيء مربك بقدر أنْ يحتفل المرء بعيده. فكرة الاحتفال بالذات مسألة لها طابع إنساني خصوصاً وأنّها تحفّ بشيء من النرجسية. لكن الأمر في المديرية العامة للأمن العام مختلف تماماً، ذلك أنّ توجيهات المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم كانت واضحة لجهة جعل المناسبة محطة زمنية لقراءة ما تحقق، والتبصّر ملياً في ما هو آت وينبغي استباقه حفاظاً على الدولة ومواطنيها والمقيمين على أرضها.

في المبدأ، قد يكون مُضي العمر مدعاة للقلق من الكهولة والتعب، لكن في الأمن العام الأمر مختلف، إذ إنّ العيد في السابع والعشرين من آب في كل عام يصبح محطة لمراجعة ما تحقق من خُطط توزعت على الإدارات، وقراءة الصواب لتوكيد المزيد منه، ومراجعة الخطأ لإصلاحه وتصويب مساره، تمهيدا للتأسيس لما هو أفضل ويندرج في تحسين شروط بناء الدولة داخلياً وخارجياً.
لا مبالغة في القول إنّ الأمن العام، بالصفات كافة التي تمتع بها أو حملها: تحرّيون، جهاز، مصلحة.. إلى أنْ رسى على صفة مديريّة عامة وكلّلت سياق المهمات التي أنيطت به، يختزن حكاية لبنان الوطن. فهو قام في قلب إعلان دولة لبنان، واضطلع بكل ما هو ضروري وأساسي لحماية الدولة الوليدة في عشرينات القرن الماضي.
على مدى سني الجمهوريّتين، لم يكن هناك من شاردة أو واردة إلا وعلى الأمن العام تقييمها ومقاطعتها مع ما يحوزه من معلومات، ليقدّم التقديرات والاقتراحات المثلى سياسياً وأمنياً واقتصادياً للسلطة التنفيذيّة، لهدف وحيد هو صون النظام اللبناني وما اتّسم به من فرادة على مستويات الحرية والديموقراطية والحق الإنساني.

أمران يطبعان مسار المديرية العامة للأمن العام:
 المسار الأوّل مؤسف، ويقصد هنا الأوضاع التي يمرّ بها لبنان في محطّات كثيرة، ولكنّ الأمن العام لم يكن شبيه البلد خلالها. عدم تشابههما لا يعني تباينهما واختلافهما. فالمقصود هو أنّ هذه المؤسّسة قطعت كل السبل الآيلة إليها والتي قد تجعلها مُقسّمة وموزّعة الولاءات. فإنّها لم ولن تكون مقراً لأيّ انقسام، ولا ممراً لأيّ توتر في الحالات التي ينزلق فيها لبنان إلى نزاعات حادة قبل أنْ يستعيد توازنه مُدركاً أنّ المغامرات السياسية هي أقصر الطرق إلى الموت المُحقق. بذلك يكون الأمن العام قيادة وضباطاً ورتباء وأفراد أمناء، صادقين في قسمهم لله والوطن.
أما المسار الثاني السّار فإنه يبعث على الارتياح، نتيجة القرار في جعل التطوّرين الأمني والخدماتي هاجسين مستمرّين لتأمين الاستقرار للوطن والأمن للمواطن وكل مقيم على أرضه. لهذا يندر أنْ يمرّ يوم ولا تكون فيه قاعات التدريب تضجّ بالمدرّبين والمتدرّبين وعلى المستويات كلها من دون استثناء لتعزير مهارات العسكريّين. كما أنّ من عوامل الاعتزاز التماثل مع القيم اللبنانية، لجهة التمسّك بالحريات وحقوق الانسان واحترامهما إلى أبعد الحدود وفق ما تنص عليه القوانين، مهما بلغت الالتباسات بشأنها لأنّ هاجس المديرية والقيّمين عليها كان دائماً في اعتماد الكتاب، كتاب القانون الذي هو فيصل في حل كل المشاكل في البلد، على ما يردّده تكراراً المدير العام. وإنْ كان من تطوّر يجب أنْ يحصل في هذا المجال فهو في إقرار قوانين جديدة قادرة على مواكبة العصر.
إنّ المديرية العامة للأمن العام، التي تحتفل بعيدها الثالث والسبعين في 27 آب الجاري، لن تتوانى عن الدفاع عن لبنان كما عهدها اللبنانيّون منذ تأسيسها، أو عن تقديم الخدمات المتطوّرة والنوعيّة استناداً إلى الصلاحيات المنوطة بها. وإنّ قيادتها وضبّاطها ورتباءها وأفرادها، يعاهدون اللبنانيّين على الوفاء لقسمهم وأداء واجباتهم في شتى المجالات من دون أيّ تردّد ليبقى لبنان ويستعيد دوره الريادي.