تركيا حليفة للولايات المتحدة رغم الأزمة الإقتصادية

25-08-2018 بروفسور غريتا صعب

الجمهورية

منذ فترة ليست بعيدة، لم يكن احد ليعتقد أن تركيا، حليفة الولايات المتحدة، سوف تُضاف إلى مجموعة الدول المغضوب عليها من قبل واشنطن، وتأخذ موقعا لها في لائحة تضم كوريا الشمالية وايران وروسيا.
تعتبر تركيا حليفة للناتو، وعندها معاهدة دفاع مشتركة مع الولايات المتحدة الاميركية، وتستضيف الاسلحة النووية الاميركية في قاعدة انجرليك الجوية قرب الحدود مع سوريا. لكن التطورات التي حصلت، وما ترتّب عنها اقتصاديًا وماليًا تثير الريبة وتدعو الى التأمّل سيما وان ترامب يبدو وكأنه بدأ حربًا على تركيا متذرعًا بعدم اطلاق سراح القس الاميركي المسجون في تركيا منذ العام ٢٠١٦ (اندرو برنسون) والمتهم بمساعدة الانقلاب الفاشل الذي حصل ضد اردوغان.

وازداد الوضع سوءًا مع تغريدة ترامب حول الصلب والالومنيوم وزيادة الضرائب عليهما الامر الذي فاقم النزاع بين الولايات المتحدة وتركيا، وهزّ الاقتصاد العالمي، وأدّى الى هروب الاموال من الاسواق الناشئة، وزرع عدم الاستقرار في الشرق الاوسط في ظل توتر العلاقات بين دول الناتو والتي اقتربت على ما يبدو من نقطة فاصلة. اضف الى ذلك، سياسات ترامب العدائية بالنسبة للتجارة العالمية وتدميره للتحالفات، الامر الذي يهدّد النمو الاقتصادي في جميع انحاء العالم. اضف الى ذلك، انتشار مناخ خوف واسع بين المستثمرين الأجانب من شعبوية حكومة اردوغان والتي تنتهج سياسات اقتصادية غير مسؤولة وتقوّض استقلالية البنك المركزي الامر الذي يخشى معه المحللون الاقتصاديون ان يمنع الدولة من اتخاذ الخطوات الضرورية لوضع الاقتصاد على اسس مستقرة اكثر من السابق. والعملة التركية التي كانت تتداول منذ شهر بحوالي ٤،٧ مقابل الدولار، تراجعت الى ٦،٤ مقابل الدولار وفقدت اكثر من ٣٠ بالمائة من قيمتها منذ شهر فقط. وتسارعت العملية مع فشل المحادثات الدبلوماسية مع واشنطن هذا الاسبوع.

يبدو، حسب الرئيس التركي، ان القوى الغربية المزعومة تسعى الى اطاحته من السلطة عن طريق خلق أزمة مالية بعد ان فشلت في ذلك في العام ٢٠١٦ في محاولة الانقلاب، بما يعني وجود مؤامرة سياسية غربية ضده. هذا الامر أدّى الى تراجع المستثمرين وأحدث تسارعاً في بيع العملة. يأتي ذلك بالتوازي مع سياسة اردوغان الاقتصادية وزيادة الدين لدعم الاقتصاد، والذي ساعد في نسبة التضخّم في تركيا اضافة الى ضعف العملة. وقد وضع انخفاض الليرة التركية ضغوطا متزايدة على المصارف التركية بالنظر الى ان العديد من الشركات استدانت بالعملات الاجنبية وبلغت هذه القروض ما مجموعه ٢٥٠ مليار دولار واستحقاقها هذه السنة بالذات.

وحسب أتيلا يسيلادا (Attila Yesilada)، من المستبعد ان ترغب المصارف الاجنبية في إقراض البنوك التركية. وهناك الكثير من الشائعات حول شركات كبيرة معرّضة للأفلاس. كذلك هناك خوف من هرع السكان الى سحب ودائعهم. ويبدو إن الرئيس التركي يعول على مساعدات قد تأتيه من روسيا والصين، الا ان المحللين يشكّكون في ذلك في ضوء حجم الدعم الذي يحتاجه الاقتصاد التركي. كذلك فان التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا يمكنه اعطاء قوة دفع جديدة للعلاقات بين روسيا وتركيا الامر الذي يخشاه الاتراك وحلفاؤهم الغربيون. والامور قد تصبح اسوأ مع زيادة الرسوم الجمركية على العديد من السلع الاميركية المستوردة والتي تشمل السيارات والكحول والتبغ والارز وبعض التكنولوجيات الامر الذي من شأنه اشعال التوترات التجارية والدبلوماسية، علمًا ان المبالغ تتعدى الـ ٥٠٠ مليون دولار. هذه المواجهة التجارية والدبلوماسية تزيد من مخاطر زرع الفوضى داخل الحلف الاطلسي، وقد يدفع بتركيا للتوجه الى شركاء جدد.

وتبدو الصين الدولة الوحيدة في العالم القادرة على توفير التمويل لتركيا بدون شروط مسبقة، علما انه من الصعب افتراض انها قد تحلّ محل واشنطن كشريك كامل. اما العلاقات مع روسيا فقد أصبحت مؤخرًا استراتيجية ودبلوماسية في سوريا. ويبقى الشرق الاوسط الذي تتوجّه نحوه انقره لتوفير الدعم الاقتصادي لها. ويبدو ان قطر تجاوبت مع المطلب التركي وتوجّه اميرها تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني الى تركيا حيث التقى اردوغان ووقّع معه خطة للاستثمار بقيمة ١٥ مليارد دولار. هذا الرقم لن يحلّ المشاكل التركية، انما يبدو كاشارة دعم مهمة لتركيا مع تقاطع في العلاقات بينهما سيما على مستوى الوقوف علنا ضد المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة حلفاء واشنطن الرئيسيين في الشرق الاوسط.

أما ماليًا، فالأمر يبدو اكثر تعقيدًا رغم ان العملة التركية استقرت قليلا بعد ارتفاع طفيف، إلا انها ما زالت منخفضة بنسبة ٣٨ بالمائة الامر الذي يضع تركيا في وضع اقتصادي شائك سيما وان حوالي ٤٠ بالمائة من ديون البلاد مع البنوك الاميركية والاوروبية محسوبة بالدولار واليورو. هذه الأزمة تبدو وكأنها اعادة غريبة لأزمة العملة الآسيوية في عام ٢٠٠٧ عندما شهدت اندونيسيا وتايلاند وماليزيا انهيار أنظمتها المالية بعدما سحب المستثمرون رؤوس اموالهم، الامر الذي سبّب انخفاضا في قيمة العملات المحلية ولم تعد مؤسسات الاعمال قادرة على سداد القروض بالدولار الاميركي. وما يثير الاستغراب انه وبدلا من اتخاذ الخطوات لوقف تدهور العملة اتخذت الحكومة التركية خطوة استفزازية عندما رفضت محكمة في ازمير طلبا لاطلاق سراح القس الاميركي اندرو برونسن والذي يشكل احتجازه سببا رئيسيا للخلاف بين ترامب واردوغان.

والامر الملفت قد يكون حول استقرار البنوك الاوروبية والاكثر عرضة لهشاشة القروض التركية سيما اسبانيا مع الـ BBVA وفرنسا مع BNP Parisbas وايطاليا مع Unicredit . ويؤكد المركزي الاوروبي انه يرصد عمليات المصارف للتأكد من عدم وجود المخاطر النظامية.

والسؤال الذي يُطرح، ما هو الخطأ الذي حدث في تركيا سيما وانها سجلت في السنوات الاخيرة نموًا يعتبر من اسرع الاقتصادات نموًا في العالم الا ان هذا النمو الهائل سببه الديون بالعملات الاجنبية. هذا الاقتراض والعجز في حسابات المالية العامة تزايد مع كون تركيا لا تملك احتياطات كافية لانقاذ الاقتصاد عندما تسوء الامور على حد قول الخبراء. وما يجعل الوضع اكثر سؤًا بالنسبة لتركيا هو كون الرئيس رجب طيب اردوغان يفضل ابقاء اسعار الفوائد منخفضة حتى لو كان معدل التضخم يصل الى ثلاثة اضعاف ما حدّده البنك المركزي التركي. وحسب الاستراتيجيين تتعرض الاصول التركية لضغط شديد.

علمًا ان تركيا تشكل نسبة مئوية صغيرة من الاقتصاد العالمي والاسواق المالية، لكن المستثمرين يشعرون بالقلق ازاء المشاكل التي قد تنعكس على اسواق اخرى في جميع انحاء العالم خصوصا في اوروبا. ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فان الديون بالعملات الاجنبية في البلاد حاليًا تبلغ اكثر من ٥٠ بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي وخلافًا لبعض الدول مثل اندونيسيا لا تملك تركيا كما سبق وذكرنا احتياطات كافية لانقاذ الاقتصاد.

لكن، وفي المطلق فان نفوذ اردوغان لدى البنك المركزي في البلاد يقوّض الى حد بعيد ثقة الخبراء في مجرى العملية الاقتصادية والمالية.

لذلك تبدو المعالجات خارج اطار رفع اسعار الفائدة قليلة جدًا للخروج من المشاكل الاقتصادية. وقد تكون الأزمة اقتصادية بحتة، اشعلتها خطوات ترامب غير المنتظرة والمدروسة، رغم أن تركيا لا تزال حتى الان حليفا أساسيا للولايات المتحدة.