"فاولات" التأليف... غيمة صيف بين السراي الكبير وقصر بعبدا

22-08-2018 مروى غاوي

يخطئ من يظن أنّ العلاقة بين السراي الكبير وقصر بعبدا و"التيّار الوطني الحر" لا تزال هي ذاتها التي ارتسمت وسادت منذ التسوية السياسية التي حكمت البلاد قبل نحو سنتين. فقد تأثّرت بالموجات السياسيّة التي ضربت البلاد، الخارجي منها والداخلي، إلى أن حان استحقاق تشكيل الحكومة ليضيف عقداً على عقد،وقد ظهرت بوضوح معالم التباعد في الآونة الأخيرة بين الرئيس المكلّف سعد الحريري و"التيّار الوطني الحر"، وأيضاً بين الأوّل ورئيس الجمهوريّة ميشال عون وذلك في الرسائل المشفّرة على خط التأليف بين بعبدا وبيت الوسط والتي تحمّل الحريري مسؤوليّة التعطيل وانتظار الضوء الأخضر الإقليمي وما تقرّره جهات خارجيّة للمسار الحكومي. هذا الأمر انعكس برودة واضحة على مستوى العلاقة التي كان يُعرف عنها أنّها علاقة خاصة وحميمة بين الحريري وفريق "التيّار الوطني" إضافة إلى علاقة وُصِفَت بالنموذجيّة بين بعبدا وبيت الوسط والتي قد لا تتكرّر بين الرئاستين الأولى والثالثة.

يتحدث عونيّون في مجالسهم الخاصة عن "فاولات" ارتكبها الرئيس المكلّف بحق العهد و"التيّار"، فلا يمكن مثلاً تجاهل أنّ الحريري انتقل في بعض مواقفه السياسية والحكومية إلى الاصطفاف إلى جانب حلفائه السابقين في "فريق 14 آذار"، أضف إلى ذلك أنّ موقفه من موضوع العلاقة مع سوريا أوحى باستمرار الافتراق وعدم الانسجام بين بعبدا والسرايا، وقد جاء موقفه، وفق العونيين، "في غير محلّه" أو سياقه الطبيعي لأنّه أوّلاً يضرّ بمصلحة لبنان بتصدير منتجاته الزراعيّة والصناعيّة، ولكونه ثانياً يُبتّ على طاولة مجلس الوزراء بعد تشكيل الحكومة، ولأنّ هذا الملف ثالثاً كاد يتحوّل إلى عقدة من العقد الحكوميّة الإضافيّة.

وفي ملف الحكومة وتوزيع الأحجام، لم يعد خافياً على أحد أنّ الحريري لا يريد التفريط بحصّة "القوّات اللبنانيّة" أو "الحزب التقدّمي الاشتراكي"، إنّما يتمسّك بإعطاء معراب والمختارة ما يحق لهما من حصص وهنا مكمن الخلاف الواقع بين بعبدا والسراي الكبير، فالرئيس المكلّف لم يقف على الحياد في مسـألة حصص معراب والمختارة، بل دخل شريكاً فارضاً شروطه في شأن حصّة معراب التي تشهد "كباشاً" بين "التيّار" و"القوّات" وطالب بحصّة درزيّة كاملة من ثلاثة وزراء للنائب السابق وليد جنبلاط.

لم يعد سراً أيضاً ما حصل من "مزاركة" و"حشر نفس" مارسه الحريري، على ما يقول عونيّون، مع الجانب الروسي في ملف النازحين الذي لم يحصل فيه اتفاق بين "تيّار المستقبل" و"التيّار الوطني الحر"، أو مقاربة نهائيّة لكيفيّة معالجته، فأوفد الحريري مستشاره جورج شعبان إلى روسيا قبيل زيارة رئيس "التيّار"وزير الخارجيّة والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل.

أما أبرز ما يزعج "التيّار" فهو المماطلة والتروّي وكأنّ الرئيس المكلّف غير مستعجل لإنجاز الحكومة أو أنه يرضخ لضغوط معيّنة، فيما "التيّار" يستعجل تأليف الحكومة التي تأكل من رصيد العهد سياسياً وشعبياً. ويبدو لافتاً بنظر "البرتقاليّين" أنّ الرئيس المكلّف منحاز إلى لعبة المحاور تارة عبر اللعب على وتر "النأي بالنفس" أو التصدّي للانفتاح والتنسيق مع سوريا ما يرجّح العودة نظرياً إلى تكتيك أو نغمة سعي "المستقبل" وحلفائه للحصول على الثلث المعطّل في مجلس الوزراء.
يصف عونيّون حال الحريري اليوم بأنّه تائه بين محورين، فهو حريص على التسوية التي أنجزها مع بعبدا ولا يودّ تخريب علاقته بالعهد من جهة، ولكنّ حجم الضغوط كبير، ولا يريد الافتراق عن حلفائه "الآذاريّين"، فالرئيس المكلّف صديق وحليف طبيعي للمملكة العربيّة السعوديّة التي تريد تثبيت تكليفه على رأس الحكومة اللبنانيّة.

ما يسمّى بـ"فاولات" الرئيس المكلّف أو تجاذبات التأليف، يمكن أن تكون في نهاية المطاف "غيمة صيف" عابرة في فضاء علاقة السرايا ببعبدا وبـ"التيّار الوطني الحر". فليس وارداً في حسابات الحريري الانقلاب على بعبدا أو تبديل أسلوب التعامل معها فمثل هذا التصرّف سيكلّفه رئاسة الحكومة المقبلة.يضاف إلى ذلك أنّ في ذمّته ديناً سابقاً لبعبدا يتم تسديده في السياسة على دفعات.

وأخيراً، ثمّة من يقول إنّ بعبدا لا تتأثّر بكل ما يحدث من حولها، فمن صبر ليحصل على الرئاسة دهراً لن يجزع أمام ضغوط إقليمية أو مناوشات من هنا وهناك.