محارق الموت آتية... والاحتجاجات انطلقت مناطقياً

15-08-2018 مروى غاوي

معامل التفكّك الحراري لمعالجة أزمة النفايات أصبحت واقعاً وبقرار رسمي بعدما أقرّت الحكومة دفتر الشروط لها وبعدما استمر الجدال حولها لسنوات. لكنّ تشريعها وإعطاء رؤساء البلديات قراراً وتكليفاً بمعالجة النفايات لا يعني أنّ الحلول صارت متاحة أو أنّ قرار إنشاء المعامل هو الحل. فقد انطلقت حركة الاحتجاجات الشعبيّة في بعض المناطق ضد إقامة المعامل بعدما اتضّح أنّها ستتسبّب بكوارث بيئيّة وأنّ أضرارها جمّة، خصوصاً وأنّ تجربة اللبناني مع مشاريع مماثلة غير مشجّعة؛ وقد أثبتت مضارها وسلبياتها أكثر من إيجابياتها وقد اتضح أنّ الشركات التي ستُستَقدَم إلى لبنان لا تستوفي المعايير والشروط وقد بانت ملامح صفقات وفساد بين القيّمين على هذا الملف.
يُجمع الخبراء البيئيون على أنّ هذه المعامل هي قنبلة موقوتة ستنفجر بوجه اللبنانيّين وقد أطلق معظمهم صرخات تدعو إلى وقفها والاستغناء عنها واللجوء الى حلول بديلة بعدما ثبت أنّ الدول الأوروبية أوقفت العمل بها بعد حدوث تلوّث بيئي وانتشار الأمراض السرطانيّة في محيطها.
والاعتراضات التي يعددها هؤلاء لا يمكن حصرها وأبرزها أنّ تقنيّة الحرق غير صالحة استناداً إلى أنّ النفايات اللبنانيّة يمكن التخلّص منها بوسائل مختلفة بالفرز والطمر وتحويلها إلى مواد عضوية، كما أنّ مخاطر المحارق تكمن في إدارة الرماد والفلاتر وتطبيق المعايير والتقنيّات العالميّة في هذا المجال .
الرماد أو الـ"فلاي آش" المتراكم بفعل عمليّة الحرق هو مواد مسرطنة يفترض تصديرها إلى جزر أو مواقع بعيدة عن السكن. وإذا كانت كلفة تصديرها عالية فالأرجح لبنانياً أنّه سيتم طمرها لتتسلّل إلى الهواء وإلى المياه الجوفية للأنهر ليشربها ويتنشقها المواطنون، أما الغازات أو الدخّان فإنّ المؤكد أنّ أيّ فلاتر لن تكون قادرة على ضبط عدم تسرّب الهواء المسرطن عبرها وحيث إنّ تغيير الفلاتر وفق الشروط يكلّف أعباء كبيرة إضافة إلى التخلّص من الرماد المسرطن.
لهذه الأسباب فإنّ معامل التفكّك الحراري هي الكارثة الإنسانيّة الجديدة التي ينتظرها اللبنانيّون والتي تبدو أكثر ضرراً من التعايش اليومي مع النفايات وطمرها. فعلى اللبنانيّين إما الانتظار وتوقّع وقوع الكارثة أو رفع الصوت عالياً قبل وقوع المصيبة.
أسوأ ما في هذا الملف صمت المسؤولين وصم آذانهم عن الملف أو تدخّلهم لصالح النافذين وقد بدأت ملامح الصفقات والسمسرات تتسرّب من الملف، إذ عمد المتحمّسون للملف الى تقديم إغراءات مثل توفير الطاقة عبر تقنيّة الحرق ليتبيّن أنّ هذه الاغراءات لا مجال لتطبيقها لأنّ لا مواد قابلة للاشتعال في نفاياتنا بل مجرد "بطيخ وبقدونيس وبلاستيك وأكياس"، على ما يقول خبير بيئي. وبالتالي يمكن معالجتها موضعياً وبالفرز الصحيح بدل اللجوء الى الخيارات السرطانيّة، السؤال الأهم لماذا اللجوء إلى تقنيّة الحرق المُكلِفَة والمُميتَة طالما لن يتم تصدير الرماد المسرطن وطالما أنّ النفايات ليست مستعصية وأنّ المحرقة ليست الحل. الجواب عند المستفيدين والجهات التي تسعى لتمرير المحارق، فإمّا أنّ المسؤولين في لبنان غير واعين لخطورة الملف أو أنّهم شركاء في المؤامرة على الشعب، وفي الحالتين فإن المصيبة هي ذاتها.