"تفاهم معراب"... ضرورة

14-08-2018 جوزف قصيفي

 عندما نشط السجال بين "التيار الوطني الحرّ" و"القوات اللبنانية" على وسائل التواصل الاجتماعي، وانخرط فيه وزراء ونواب وقياديّون وناشطون من كلا الجانبين، على قاعدة التباين في تفسير مضمون "تفاهم معراب" الذي تمّ تسريبه إلى وسائل الاعلام في ذروة الاشتباك السياسي بين الحزبين، لم ينتظر معارضو التفاهم والمتضررون طويلاً ليسدّدوا سهاماً جارحة ضدّه، ويسلّطوا ألسنة حداداً عليه مطلقين أقسى النعوت والأوصاف فيه مثال: "التفاهم الإقصائي" أو "الإلغائي"، الذي يحتكر تمثيل المسيحيّين، ويسعى إلى اختصارهم بـ"التيّار" و"القوّات" وعزل القوى الأخرى من حزبيّة ومناطقيّة، وبيوتات سياسيّة.

 ولا شك أنّ خلاف "التيّار الوطني الحرّ" و"القوّات اللبنانيّة" بسبب اختلاف النظرة إلى الحكومة العتيدة، وأُسُسْ تشكيلها، وحصص الطرفين فيها، والتسابق على الحقائب "الدسمة"، صدّعت هذا "التفاهم"، لكنّها لم تسقطه.
 تكمن أهميّة "تفاهم معراب" في روحيته، وعنوانه التوافقي العريض، والشعور بالارتياح الذي خلّفه لدى الرأي العام المسيحي، الذي واكب سلبيّات العلاقة السابقة بين طرفي "التفاهم" وعاينها سواء في الجامعات أو على الأرض، أو في الإعلام، وما كانت تتسبّب به من تشنّج دائم، وحالات احتقان كادت تؤدّي إلى صدامات دامية في بعض الأحيان.
 إن "التفاهم" وضع سقوفاً للاتفاق والاختلاف، ولعلّ أبرز ما تضمّنه هو العمل على تفعيل الحضور المسيحي في الدولة، واحترام خصوصيّة كل من طرفيه والإقرار بحقه في هامش من الحركة لا يتعارض مع العناوين الرئيسة المتّفق عليها، والتي تتصّل بالنظرة المشتركة إلى العديد من القضايا. ولعلّ أبرز ما كرّسه "تفاهم معراب" هو اقتناع موقعيه بوجوب عدم اللجوء إلى السلاح لحلّ الخلافات، والتركيز على الحوار والتواصل المباشرين.
 في حقيقة الأمر، لم يتمكّن طرفا "التفاهم" من تشكيل ثنائي على غرار "الثنائي الشيعي"، لأنّ هناك الكثير من القضايا الخلافيّة التي لم تُحسم بينهما، لكنّهما يحترمان التمايز في النظرة إليها، ولا يدعان علاقتهما تتأثّر سلباً. وليس بالضرورة أنْ يكون "تفاهم معراب" نسخة طبق الأصل عن تفاهمات وتوافقات أخرى. يكفي أنّه أرسى هدنة، مرشّحة لأنْ تتحوّل إلى ثابتة تكرّس الاستقرار السياسي والأمني بين المسيحيّين، وتُشكّل درعاً لهم عندما يتعلّق الأمر بحقوقهم الأساسيّة، والملفاّت الاستراتيجيّة المتّصلة بمصيرهم، وذلك من دون أنْ يكون أحد طرفيه ظلاّ للطرف الآخر في الشكل والمضمون.
 إن "تفاهم معراب"، ولو لم يخض طرفاه الاستحقاق الانتخابي على لوائح واحدة، استطاع إيصال 44 نائباً من أصل 64 نائباً مسيحياً، إلى البرلمان. وهذه النتيجة تعكس اتّساع تمثيله وشموليّته، وينبغي عدم المكابرة، والإقرار بذلك. لكن ذلك لا يعفي "القوات" و"التيار" من الاعتراف بوجود قوى أخرى في الوسط المسيحي لها حضورها الوازن شعبيّاً وسياسياً، والسعي إلى توسيع إطار "التفاهم" ليشمل معظمها أو بعضها؛ ولكن وفق رؤية وطنيّة شموليّة هدفها بثّ الروح الديناميّة في الحياة العامة، وتصويب الأداء السياسي لكل الاطراف لكي يصب في الاتجاهات التي تعزز الوحدة الوطنية وتوطدّ دعائم الاستقرار.
 وعلى الرغم من حالات "المدّ" و "الجزر" التي شهدتها وتشهدها العلاقة بين "التيار الوطني الحرّ" و"القوات اللبنانية"، فإنّ "تفاهم معراب" لا يزال ضرورة، وصيانته واجب، وعلى طرفيه ألاّ يعتبرانه مجرّد وسيلة سياسيّة، بل محطة للوصول إلى اتّفاق أشمل مسيحّي القالب وطني القلب، لأنّ لبنان القوي لا يمكن أنْ يستقيم ويستمر من دون المكّون المسيحي القوي.